النوم لوقت متأخر ليس مفيداً!
أكره النوم لوقت المتأخر لأنني لا أستطيع أن أفرط فيه مهما فعلت. كل يوم تقريباً، منذ أن كنت مراهقاً، أستيقظ في السادسة صباحاً، سواء كنت في منتصف الأسبوع أو في نهاية الأسبوع أو في أيام العطلة.أستيقظ باكراً بطبيعتي وأقترح بعض النشاطات الصباحية في عطلة نهاية الأسبوع: {لننهض باكراً ونتسلق جبلاً!}. لكن تبين أن هذا النوع من الاقتراحات يزعج المحيطين بي، وتحديداً أولئك الذين اعتادوا على التعويض عن قلة النوم في عطلة نهاية الأسبوع.
هل اختبرت هذه التجربة بنفسك؟ هل يتذمر الشريك حين تنهض من السرير فجراً وتتوق إلى تسلق الجبال مثلاً؟ تشكل الدعوات إلى وجبة منتصف الصباح معضلة لوجستية: هل تترك نفسك جائعاً طوال ساعات أم تتناول الفطور مرتين في كل صباح؟يواجه محبو السهر مشكلة معاكسة. هم يتذمرون بطريقة مختلفة: {لو أنني أستطيع الخلود للنوم باكراً كي أستيقظ باكراً، سترتفع إنتاجيتي حتماً!}.لكن هل هذا صحيح؟ هل يحسن الاستيقاظ المبكر مستوى الإنتاجية؟ هل من ناحية سلبية لتغيير جدول النوم بين أيام منتصف الأسبوع وعطلة نهاية الأسبوع؟ هل نستفيد من تشغيل جدول النوم المفضل لدينا، أي الجدول الذي يتماشى مع ساعتنا البيولوجية؟ لنتعمق في تفاصيل علم النوم.حافز جنسيهل يعطي النوم لوقت متأخر حافزاً جنسياً للمراهقين؟ يحتاج المواليد الجدد إلى النوم لفترة طويلة قد تصل إلى 17 ساعة موزعة على دفعات طوال اليوم. لكن مع التقدم في السن، تتراجع الحاجة إلى النوم ويترسخ جدول ليلي محدد يرتكز على عمليتين بيولوجيتين: محرك النوم الاستتبابي وإيقاع الساعة البيولوجية.يقوم محرك النوم بتنبيه الجسم حين يحتاج إلى النوم. تخيل أنك تحمل دلو ماء طوال اليوم. نحن نستيقظ لتفريغ ذلك الدلو الذي يعود ويمتلئ بشكل تدريجي تزامناً مع إتمام واجباتنا اليومية. كلما بقينا يقظين لفترة أطول، سيمتلئ الدلو بشكل متزايد إلى أن يرضخ الجسم أخيراً ويطالب بالنوم.درس عالم النفس برانت هاسلر من جامعة بيتسبرغ مدى تأثير النوم وإيقاعات الساعة البيولوجية على طريقة التعاطي مع المكافآت. هو يقول: {يتراكم محرك النوم تزامناً مع إطالة فترة اليقظة ثم يتلاشى أثناء النوم}. النوم يفرّغ الدلو ويجدد النشاط والراحة واليقظة في الصباح.في المقابل، يتولى إيقاع الساعة البيولوجية تنظيم مستوى اليقظة والخمول خلال اليوم.تعتبر كيلي غلايزر بارون، اختصاصية في علم النفس العيادي في جامعة نورث وسترن، أن الساعة البيولوجية تتأثر بجزء دماغي اسمه {النواة فوق التصالبية»: «سيكون هذا الإيقاع موجوداً حتى لو كنا نعيش في كهف!». تتألف هذه المنطقة الخاصة بضبط الوقت من 20 ألف خلية عصبية وهي تنظّم ضغط الدم وحرارة الجسم وهرمونات النوم مثل الميلاتونين طوال اليوم بهدف السيطرة على مستويات اليقظة والنعاس. يحدد بعض العوامل الخارجية مثل التعرض للضوء والحركة الجسدية متى يبلغ النشاط ذروته (بالنسبة إلى معظم الناس، يحصل ذلك بعد الاستيقاظ مباشرةً وفي فترة متأخرة من بعد الظهر) ومتى يتراجع إلى أدنى مستوياته (بين الواحدة والثالثة بعد الظهر وخلال الليل). يجب أن يكون الخمول المسائي وفق الساعة البيولوجية متناسقاً مع محرك النوم، ما يسمح للناس بالنوم بشكل مريح.ثم نصل إلى سن البلوغ. هذه المرحلة تؤخر الساعة البيولوجية، ما يعني أن المراهقين يكونون مصمَّمين طبيعياً للسهر لوقت متأخر. خلال هذه الفترة، يحتاج استنزاف محرك النوم إلى وقت أطول للشعور بالتعب والحاجة إلى النوم.يشعر الأولاد بالنعاس بعد غروب الشمس بقليل لكن يفضل معظم المراهقين (لا سيما الفتيان) السهر لثلاث ساعات إضافية والنوم لساعة متأخرة في اليوم التالي. ثم في عمر العشرين تقريباً، تستعيد جداول النوم نظامها السابق وتدفع الجسم مجدداً للاستيقاظ في وقت أبكر. ينطبق النمط نفسه على الثدييات الأخرى. لكن ما السبب؟يوضح هاسلر: {من وجهة نظر تطورية، يسمح تأخير مرحلة النوم للمراهقين بتحقيق استقلاليتهم ويكشف الباحثون في مجال الحيوانات عن ميل الكائنات في هذا العمر إلى التنافس في ما بينها بحثاً عن شريك جنسي. من خلال السهر لوقت متأخر، لا تعود المنافسة محصورة مع الأهالي على مستوى الإنجاب، وهذا ما يعطيهم ميزة إضافية}.بعبارة أخرى، ربما كان المراهقون في العصور القديمة يستعملون هذه الميزة للتنافس مع الذكور والإناث الذين يكونون أكبر سناً وينامون في وقت أبكر، بما أن النشاط الجنسي يبلغ ذروته مع اقتراب المساء لدى الحيوانات ولدى الرجال والنساء اليوم.أثبتت الأبحاث أن نقص النوم بسبب دوام المدرسة في الصباح الباكر قد يرفع خطر البدانة واضطرابات المزاج، مثل الاكتئاب وتعاطي المخدرات وحوادث السير، لدى المراهقين.قد يشتق آخر سلوكَين من طريقة المراهقين في تقييم سعيهم إلى المكافآت ومشاعر الرضى. في دراسة جرت في عام 2012، راقب فريق هاسلر مسوحات دماغية خاصة بمجموعة مراهقين عبر التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي فيما كان المراهقون يطلقون الأحكام بشأن مكافآت مالية. أدى تغير دورة النوم بين أيام منتصف الأسبوع وعطلة نهاية الأسبوع إلى تراجع النشاط الدماغي في قشرة الفص الجبهي والمخطط الدماغي اللذين يتحكمان على التوالي بطريقة البحث عن المكافآت والشعور بتحقيق الذات حين نتلقى مكافأة. وفق الدراسة نفسها، قد يؤدي تراجع النشاط في قشرة الفص الجبهي إلى اختلال قدرة المراهق على تقييم إيجابيات وسلبيات مختلف المكافآت، ما يدفعه إلى أخذ المجازفات. في الوقت نفسه، يشير بعض النماذج المرتبطة بتعاطي المخدرات إلى أن تراجع الحساسية تجاه المكافآت يدفع الناس إلى البحث عن مكافآت أكبر وأهم والشعور بالحماسة لاستعمالها.قال هاسلر: {نقابل في العيادة أولاداً مصابين باضطراب تأخر مرحلة النوم. هم يرسبون أو يواجهون مشاكل كبرى في المدرسة لأنهم لا يستطيعون النهوض في الوقت المناسب. يجب أن نجد الحلول لمساعدتهم}.تشاركه بارون الرأي نفسه معتبرةً أن المراهقين والراشدين يجب أن يلتزموا بجداول مدرسية أو مهنية تناسب نظام نومهم. وفق دراسة أجراها خبير النوم تيل رونبيرغ في عام 2007، يميل 10% من الناس تقريباً إلى النهوض باكراً، بينما يميل 30% منهم إلى السهر لساعة متأخرة. ويقع معظم الناس بين هاتين الفئتين.أضافت بارون: {أنا أعالج أشخاصاً يطيلون السهر ويعانون من اضطراب تأخر مرحلة النوم واليقظة. يمكن أن نعطيهم توصيات حول سلوكيات النوم الصحيحة أو علاجاً بالضوء أو الميلاتونين لتقديم مواعيد نومهم. لكنهم لن يسروا بهذا الجدول أو يشعروا بالراحة بقدر ما كانوا يفعلون خلال الليل}.النوم لساعة متأخرة خلال نهاية الأسبوع مدهش... في البداية على الأقل!يصعب أن يغير المراهق عادة النوم لساعة متأخرة صباحاً حين يصبح راشداً، لا سيما في عطلة نهاية الأسبوع. كما أن أسلوب الحياة يعيق الجداول المفضلة لدينا. يُجبَر الأشخاص الذين يطيلون السهر على النهوض باكراً للذهاب إلى المدرسة أو العمل. وبسبب النشاطات الاجتماعية، يضطر الأشخاص الذين يستيقظون باكراً إلى السهر لوقت متأخر.يُسمّى غياب التنسيق بين الواجبات الاجتماعية ودورات النوم {اختلاف التوقيت الاجتماعي}، وهو مفهوم ابتكره رونبيرغ. تعطي هذه الظاهرة بعض الآثار الجانبية المزعجة. أوضحت بارون: {يحب الناس أن يناموا لساعة متأخرة في عطلة نهاية الأسبوع كي يشعروا بالتحسن. لكن قد يؤدي هذا السلوك إلى اختلال دورة النوم الاعتيادية على مر الأسبوع}.يؤدي النوم لساعة متأخرة إلى اختلال التوازن بين محرك النوم والساعة البيولوجية.وبسبب تغير نظام النوم خلال فترات قصيرة، تضطرب أنماط النوم والإيقاع البيولوجي: ينعكس هذا الوضع في أفضل الأحوال بتعكر المزاج والشعور بالخمول، وفي أسوأ الأحوال بأمراض مثل الاكتئاب أو الالتهابات. ستخدع نفسك إذا كنت تظن أنك معتاد على جدول نوم متقطع يختلف بين منتصف الأسبوع وعطلة نهاية الأسبوع. تشير الدراسات إلى أن الناس يفقدون وعيهم الذاتي بشأن اختلال النوم مع مرور الوقت. فيتباطأ وقت ردود الأفعال ويعتبر الفرد أنه لا يشعر بنعاس شديد مع أن الحقيقة معاكسة.قال هاسلر: {إنه أحد أبرز مخاوفي بشأن ما يحصل في المجتمع عموماً.يظن الناس أنهم درّبوا نفسهم على النوم لفترة أقل، لكنهم ما عادوا يقيّمون آثار ما يفعلونه. هم لا يدركون الآثار الضارة التي يخلّفها هذا السلوك}. يعطي تغيير جدول النوم عواقب صحية، لا سيما عند السهر أكثر من العادة. قالت بارون: {راقبنا توقيت النوم وموعد الأكل وتنظيم الوزن.تبين أن الأشخاص الذين ينامون في وقت متأخر يأكلون كمية إضافية من المأكولات السريعة مقابل كمية أقل من الفاكهة والخضراوات}. لا يتعلق هذا النمط بمدة النوم: حتى لو نام الناس لسبع أو ثماني ساعات في الليلة، سيستهلكون سعرات إضافية. قيل أيضاً إن {اختلاف التوقيت الاجتماعي} قد يرفع مؤشر كتلة الجسم، لا سيما لدى الأشخاص الذين يكونون بدينين أصلاً. ربطت دراستان جديدتان من فنلندا وكوريا الجنوبية بين السهر والسكري.النوم باكراً قبل بداية الأسبوع الجديد لن ينقذك!بعد أن تمضي سهرة صاخبة في عطلة نهاية الأسبوع، هل تخطط للتعافي من أثرها عبر النوم باكراً قبل بداية الأسبوع الجديد؟ لن تنجح هذه الخطة على الأرجح! فهي تنتج ما يسمى {الأرق في بداية النوم}. يضاف السهر لوقت متأخر في عطلة نهاية الأسبوع إلى إجهاد أسبوع العمل السابق، ما يضمن تأخرك عن الدوام.قالت بارون: {قد تشعر بالتوتر بشأن الأسبوع المقبل وتحاول النوم في ساعة أبكر. لكن بما أنك سهرت لوقت متأخر في نهاية الأسبوع، لن يكون جسمك مستعداً للنوم حينها. إنه وضع معظم الناس في نهاية كل أسبوع}.ثمة خطة أفضل: الاستيقاظ في الوقت الاعتيادي خلال عطلة نهاية الأسبوع وأخذ قيلولة قصيرة.يقول هاسلر: {من الأفضل ألا تنام لساعة متأخرة في عطلة نهاية الأسبوع ثم تأخذ قيلولة بعد الظهر للتعويض عن قلة النوم}. يتغير نمط النوم المتأخر حين يتفاعل بعض الإشارات الخارجية، مثل التعرض للضوء، مع الساعة البيولوجية، ما يجعلها تنشط في وقت متأخر. لكن لا يجب المبالغة في وقت القيلولة. تقول بارون: {لا شك في أن القيلولة هي تدبير مضاد فاعل لقلة النوم، لكن قد يصعب تقييم أثرها في الليلة اللاحقة. بالنسبة إلى الأشخاص المصابين بمشاكل في النوم، يمكن التعويض عن النقص عبر أخذ قيلولة لساعة تقريباً. المهم هو أن تقلّ عن ساعتين}. عند الاضطرار إلى تغيير جدول النوم بسبب تقديم الساعة، توصي بارون ببدء التغيير التدريجي مسبقاً: {في الأيام التي تسبق تقديم الساعة، غيّر موعد نومك بشكل تدريجي واضبط المنبّه قبل 15 دقيقة من الوقت الاعتيادي كل يوم}.