الأكل المفرط يضرّ بعملية الأيض!
كثير من الأمراض معدٍ. فمن الأفضل أن تتفادى عطس الجار، مثلاً، وأن تغسل يديك بعد الاعتناء بولد مريض. ولكن ماذا عن المرض العقلي؟ قد تبدو فكرة انتقال القلق، التوحد، والكآبة الحادة عبر الاحتكاك مجنونة، إلا أنها محتملة. ثمة تفاصيل كثيرة لا نعرفها عن أصول الأمراض العقلية، غير أن الآليات المحددة حتى اليوم تشير في اتجاه مخالف.
لتحقيق أهداف علمية، اكتسب ستة رجال في فيلادلفيا حديثاً نحو أربعة كيلوغرامات خلال أسبوع. توفر المؤشرات التي رصدها العلماء في كتلتهم الدهنية وبولهم أدلة جديدة حول ما يسببه الأكل المفرط من مشاكل صحية على المدى الطويل. أثبتت دراسة جديدة أن اتباع حمية دسمة يطلق سلسلة من الأحداث التي يمكن أن تسبب في النهاية النوع الثاني من السكري. ريبيكا بويل تابعت النتائج في «إنسايد ساينس».كان الباحثون يعلمون أصلاً أن الإفراط المزمن بالأكل قد يسبب البدانة ومشكلة مقاومة الأنسولين الذي يستعمله الجسم لتفكيك الغلوكوز، ما يؤدي في حالات كثيرة إلى الإصابة بالسكري. لكن لا يزال السبب الذي يجعل البدانة تسبب مقاومة الأنسولين غير معروف. يقول سليم ميرالي، عالِم في الكيمياء الحيوية في جامعة تمبل في فيلادلفيا وأحد المشرفين على الدراسة الجديدة، إن العلماء اشتبهوا بمجموعة متنوعة من العوامل.
أضاف ميرالي: {جميع تلك الأحداث تحصل في مرحلة متأخرة. هي تقع بعد أشهر طويلة من الأكل المفرط. لكننا لا نعرف الأحداث الأولية التي تحصل حين يفرط الشخص في الأكل}.لمعرفة الجواب، طلب الباحثون من رجال أصحاء وغير بدينين اتباع حمية مؤلفة من 6 آلاف سعرة حرارية. قيل للمتطوعين إنهم قد يتعرضون لمقاومة الأنسولين ويمكن أن يكتسبوا بضعة كيلوغرامات في أسبوع. قال غوينثر بودين، المشرف الرئيسي على الدراسة الجديدة وهو أستاذ طب في جامعة تمبل، إن التحذيرات بشأن اكتساب الوزن والمخاطر المطروحة على السلامة الشخصية كانت السبب الرئيس لعدم إشراك أي امرأة في الدراسة: {قلنا للنساء إنهن قد يكسبن نحو ثلاثة كيلوغرامات في نهاية الأسبوع، فتوقف حديثنا عند ذلك الحد. يصعب إقناع النساء بالمشاركة في دراسة مماثلة}.تناول ستة رجال ثلاث وجبات في اليوم، وكانوا يستطيعون اختيار أي أطباق من كافيتريا مستشفى جامعة تمبل طالما تشمل كل وجبة 1500 سعرة لكل فرد. وقد حصلوا أيضاً على ثلاث وجبات خفيفة تحتوي على 500 سعرة في اليوم، ولم يُسمَح لهم بممارسة الرياضة.قال ميرالي: {كانوا يتناولون كل ما يحبونه مثل البيتزا والبرغر والبطاطا المقلية والمشروبات الغازية، أي أنهم التزموا بحمية أميركية أو غربية نموذجية}.مقاومة الأنسولينبدا استهلاك 6 آلاف سعرة في يوم سلوكاً مفرطاً، لكنها ليست كمية هائلة بحسب رأي آدم سالمون المتخصص في علم الأحياء الجزيئي، وهو يدرس الأيض والإجهاد المؤكسد في مركز علوم الصحة التابع لجامعة تكساس في سان أنطونيو، علماً أنه لم يشارك في هذه الدراسة.كتب سالمون في رسالة إلكترونية: {للأسف، يرتفع عدد المطاعم حيث يسهل استهلاك 3 آلاف سعرة حرارية في وجبة واحدة تشمل مشروبات غازية. اكتسب المشاركون 3 كيلوغرامات ونصف فقط على مر الدراسة، لذا تشبه تلك الحمية أثر الأكل المفرط في موسم الأعياد. ما من تحديات كبرى في المرحلة اللاحقة عدا فقدان الكيلوغرامات المكتسبة}.لكن خلال يومين أو ثلاثة أيام، أصيب جميع المشاركين بمشكلة مقاومة الأنسولين. تفاجأ الباحثون لأن المشكلة ظهرت بسرعة، لكنهم تساءلوا عن كيفية حصول ذلك. وفق تحليل الباحثين، لم تتمكن أجسام المتطوعين من تحمّل كمية الدهون والكربوهيدرات المتزايدة. هذا ما جعل الخلايا تصنّع منتجات أكسجين ثانوية وسامة. كان مفعول تلك المنتجات أكبر من قدرة الجسم على التخلص منها، وهذا ما يُعرَف بالإجهاد المؤكسد. ثم اتّصلت المنتجات الثانوية الفائضة بالبروتينات وانعكس ذلك على وظائف البروتينات.أجرى فريق البحث اختبارات لمعرفة البروتينات المتضررة وقد لاحظ أن أحدها هو جزيئة اسمها GLUT4. هي تصفّي الغلوكوز من الدم وتخزّن السكر في الدهون أو العضلات. حين تتصل منتجات الأكسجين بالجزيئة، يتوقف عملها، ما يعني أنها ما عادت قادرة على تلقي الغلوكوز أو أنها تفكك الغلوكوز بكميات أصغر. تؤدي هذه العملية إلى ارتفاع مستويات الغلوكوز في الدم، وهو مؤشر بارز على مقاومة الأنسولين.أضاف ميرالي: {الإجهاد المؤكسد هو أحد الأسباب الرئيسية، إذا لم يكن السبب الأهم، لمقاومة الأنسولين، في البداية على الأقل}.لكن قد تؤدي الرياضة دوراً مؤثراً أيضاً بحسب قول فرانسيس ستيفنز، مُحاضِر في علم الفيزيولوجيا الأيضي في جامعة نوتنغهام البريطانية، علماً أنه لم يشارك في الدراسة. كتب ستيفنز في رسالة إلكترونية: {لم يتضح بعد مدى تأثّر مقاومة الأنسولين بالحمية الغذائية لأن الاستراحة في السرير طوال أسبوع قد تسبب مقاومة الأنسولين أيضاً}.قال بودين إن الدراسات المستقبلية يجب أن تحلل دور الرياضة التي يمكن أن تسبب بدورها الإجهاد المؤكسد.صحيح أن كمية الستة آلاف سعرة هي أكبر من حمية الرجل الأميركي النموذجي بمرتين أو مرتين ونصف المرة، لكن يقول بودين إن هذا العدد عشوائي وقد يبرز الأثر نفسه مقابل 4 آلاف سعرة أو أقل. يستهلك الشخص البدين النموذجي في الولايات المتحدة أكثر من 3 آلاف سعرة في اليوم، شرط أن تستمر هذه الوتيرة من الأكل كل يوم على مر أشهر أو سنوات عدة. يقول إنه يريد أن يكتشف متى تبدأ المشاكل بالظهور. تشير الأبحاث السابقة إلى أن الشخص يمكن أن يستهلك نحو 10 آلاف سعرة في اليوم قبل أن يبدأ بالتقيؤ بكل بساطة.أوضح بودين: {يحمي الجسم نفسه ضد الأكل المفرط، بدرجة معينة}.الخطوة التاليةتقضي الخطوة التالية بمعرفة ما إذا كانت مقاومة الأنسولين التي تطورت بسرعة كبيرة قابلة للعكس بسهولة. تشير دراسة تجريبية إلى أن الأمر ممكن: بعد الإفراط في الأكل، التزم متطوع بحمية فيها ألف سعرة، فاختفت مشكلة مقاومة الأنسولين لديه خلال يومين. يحتاج فقدان الوزن لفترة أطول، لكن تشير الدراسة التجريبية إلى أن تلك الآثار ليست دائمة. لو لم يكن الوضع كذلك، ما كان أحد ليصمد خلال رحلة إلى الكاريبي!}.أضاف بودين أن الدراسة توفر آلية لاختبار مركّبات مضادة للأكسدة وهي قد تتمكن من محاربة بعض منتجات الأوكسجين الثانوية. لكن قال ستيفنز إن معظم الدراسات لم يثبت أن مضادات الأكسدة تنعكس إيجاباً على الحساسية تجاه الأنسولين: «لا يمكن أن ندعو الناس لأكل ما يريدونه ما داموا يستهلكون مضادات الأكسدة. النوع الثاني من السكري هو مرض مرتبط بفائض السعرات المستهلكة (بسبب الأكل المفرط و/أو قلة الحركة)، ويقضي أفضل علاج بتخفيف الأكل ومتابعة النشاطات الجسدية».