لا تخشَ الخوف!
يمكن اعتبار الخوف مؤشراً تحذيرياً لكنه قد يعوق الحياة أحياناً لأنه شعور متعدد الوجوه ولا يجب أن نخجل به، بل يجب أن نتحالف معه كي ننجح في تجاوزه.
مع تكثف الاعتداءات الإرهابية حول العالم، يسود مناخ من الخوف في كل مكان، وهو وضع طبيعي بحسب رأي علماء النفس لأن الخوف من الاعتداءات العشوائية يعزز الأعراض لدى الأشخاص المقتنعين بأن الخطر يداهمهم في أي لحظة وبأن أي مكان مغلق يجعلهم من الضحايا المحتملين. يترافق القلق في هذه الحالة مع تعب شديد لا يمكن تبديده: إنها الترجمة الحسية للشعور بالعجز. لكن يمكن مقاومة هذا الخوف الذي يفرضه بعض الناس على غيرهم من خلال التمسك بطعم الحياة والاستمتاع بالعلاقات مع الآخرين. ويمكن التصدي لهذا الخوف بأفضل طريقة عبر التعرف إلى جوانبه المتعددة.
إسقاط الخوف على غرض جامدالخوف عملية فيزيولوجية نفسية تجتاح الجسم والروح. عند مواجهة أبسط المخاطر، تنشط اللوزة الدماغية الواقعة في الفص الصدغي بشكل جنوني. بعد لحظة من الذهول، يتدفق الأدرينالين ونصبح مستعدين للتحرك فنقرر الهرب أو القتال أو المقاومة. ثم تتولى القشرة الدماغية المرتبطة بالتفكير واتخاذ القرارات تحليل الوضع: هل من مبررات فعلية للشعور بالخوف؟ تكون اللوزة الدماغية لدى البعض حساسة على نحو خاص. قد يرث هؤلاء الأشخاص هذه السمة من أجدادهم الذين كانوا مصابين برهاب الأماكن المغلقة مثلاً وهذا ما يجعلهم عاطفيين وقلقين بطبيعتهم.يخاف الناس من المجهول لأنهم تعلموا على مر حياتهم أنه قد يكون مصدر خطر عليهم. ومن الطبيعي أن يخافوا من الدم أيضاً لأنهم يعلمون أن بعض الإصابات الدموية يسبب الموت. تشكل غريزة البقاء هذه جزءاً من التطور النفسي وتمنعنا طوال حياتنا من اتخاذ خطوات خطيرة جداً. لكل عمر من الطفولة مخاوفه الخاصة: الخوف من الوجوه المجهولة في الشهر الثامن، الخوف من الانفصال عن الأبوين في عمر السنة، الخوف من الضجة الغريبة في عمر الثالثة، الخوف من {الأشرار} في عمر الخامسة. في عمر السادسة، ينشغل الطفل بالوحوش والكائنات الشريرة الخارقة وقد تراوده كوابيس بسبب الأنباء المقلقة التي تبثها نشرات الأخبار. سرعان ما يقتنع بضعف البشر وتظهر مخاوفه على شكل عقد بين عمر الثامنة والثانية عشرة.ما يميز الإنسان أنه يخاف من الخوف، فقد يتخيل وجود مخاطر مريعة مع أن الواقع مغاير. يفقد الشخص الذي ينجر وراء الخوف السيطرة على نفسه ويعجز عن التفكير بطريقة منطقية. لكن ما سبب نشوء حالات الرهاب؟ تهدف الأعراض التي ترافق الرهاب إلى إسقاط القلق على غرض محدد كي لا يجتاحنا: قد نخاف من الأفاعي أو الطائرات أو الفراغ لكن تبقى مظاهر حياتنا الأخرى هادئة. القلق نوع من الانزعاج العارم الذي يترافق مع أعراض محددة، فيتغير مسار النوم وتضطرب الروح ونشعر بغصة دائمة في الحلق ويشتد وجع البطن وتتأثر الأمعاء.هل يجب أن نجبر نفسنا على الهرب من الخوف أم نعمل على تجاهله حين يجتاحنا؟ يمكن التغلب على الخوف عبر التلاعب به من خلال مشاهدة أفلام الرعب والصراخ أمام الكائنات المرعبة التي تعرضها مثلاً. يختلف الوضع طبعاً عند مواجهة المخاوف الواقعية، لذا لا تخجل من التفكير بنفسك وخصص بعض الوقت للاختلاء بالذات أو تمضية الوقت مع أقرب الناس إليك في المساء أو في عطلة نهاية الأسبوع. أكثر الفرضيات رعباًيوصي الخبراء بترك الجسم يتعامل مع العاطفة التي تجتاحه وبإطلاق العنان لها قدر الإمكان. تقضي هذه العملية العقلية بتقمص الخوف وتركه يخترق جميع مسام البشرة. يمكن أن يجلس الشخص الذي يخشى خسارة عمله مثلاً ويفكر بخوفه وتداعيات ما يشعر به. سيتمكن بذلك من استكشاف أكثر الفرضيات رعباً حول ما يمكن أن يحصل معه. لكن قد تنعكس هذه المقاربة سلباً على بعض الناس لأن أكبر مخاوفهم يتعلق بتعرّض أقرب الناس لهم للأذى. لا شك في أن الخوف شعور بشري، لا سيما في وضع الأبوين، لكن إذا أقنعنا نفسنا بأننا الأشخاص الوحيدين الذين يستطيعون أن يضمنوا سلامة أولادهم، سننقل إليهم قلقنا وأعمق مخاوفنا.لا يمكن أن نتجاهل حوادث الواقع ولا يمكن أن نسيطر على مسار العالم كله. لكن حين نشعر بالقلق والخوف، يمكن أن نغيّر واقعنا النفسي ونكف عن تخيل سيناريوهات سلبية ونتجه إلى فرضيات أكثر إيجابية. أحياناً يحتاج الناس إلى مساعدة المعالج النفسي لتحقيق هذه الغاية لأنه يستطيع إرجاعهم إلى أرض الواقع بعد توجيههم بالطريقة المناسبة.تطوير رؤية صحيةيجب أن نقتنع أولاً بأن الخوف غير موجود. تُبنى مخاوفنا على الأفكار التي تعبر عقلنا حين تجتاحنا هذه العاطفة. نخوض الحياة عبر رؤية مبنية على فلسفات وأحكام واستنتاجات نطورها بوتيرة تدريجية استناداً إلى العناصر التي ترسم تاريخنا. لكنّ جرعة الأدرينالين التي تسبب شعور الخوف يمكن أن تنتج سلوكيات خطيرة على الذات والآخرين، حتى أنها قد تطور الرغبة في الانتقام.لكن يؤكد خبراء آخرون أن الإنسان ليس محكوماً بالخوف. حين ينشأ الفرد في مناخ يفتقر إلى الأمان، قد يعتبر العالم خطيراً جداً ويفضل العيش في الخفاء. لكن يقرر آخرون النضال لتغيير العالم. هكذا يكتسب الإنسان الحرية التي يحتاج إليها لمواجهة مصيره.