علم المسامحة: طاقتك تشفيك!
في عام 1987، كان الدكتور دابني أون، وهو جراح متخصص في الحروق، يعمل في غرف طوارئ أحد مستشفيات نيو أورلينز، عندما أُدخل رجل على نقالة. كان هذا المريض عاملاً في مصنع كايزر للألمينوم، وقد زلت قدمه وسقط في حاوية للألمنيوم المنصهر تصل حرارتها إلى 510 درجات مئوية حتى ركبتيه. قام أون بأمر يعتبره كثيرون شعوذة: أخضع الرجل للتنويم المغناطيسي. من دون ساعة جيب متأرجحة أو أي أداة مسرحية أخرى، قام الجراح بما بات يُعرف اليوم بالتنويم الطبي كوسيلة {حث}. فقد طلب من الرجل الاسترخاء، والتنفس بعمق وإغماض عينيه. طلب منه أن يتخيل ساقيه المحترقتين حتى الركبتين والمغطاتين بالثلج غير ساخنتين أو مؤلمتين، بل {باردتين ومريحتين}.
اكتشف أون أنه بذلك، بالإضافة إلى العلاج المتبع، يحسّن فرص شفاء المريض. وهذا ما حصل مع عامل مصنع كايزر للألمنيوم. فبينما تتطلب هذه الحروق العميقة أشهراً لتشفى، فضلاً عن عمليات زراعة جلد عدة أو ربما جراحة بتر إن أوقف التورم الحاد تدفق الدم إلى الساقين، شفي الرجل في 18 يوماً من دون أن يخضع لزراعة جلد واحدة.
اكتشف أون أنه بذلك، بالإضافة إلى العلاج المتبع، يحسّن فرص شفاء المريض. وهذا ما حصل مع عامل مصنع كايزر للألمنيوم. فبينما تتطلب هذه الحروق العميقة أشهراً لتشفى، فضلاً عن عمليات زراعة جلد عدة أو ربما جراحة بتر إن أوقف التورم الحاد تدفق الدم إلى الساقين، شفي الرجل في 18 يوماً من دون أن يخضع لزراعة جلد واحدة.
بينما يتابع الدكتور دابني أون استعمال التنويم المغناطيسي لتسريع تعافي مرضاه المصابين بالحروق، أضاف ممارسة غير تقليدية أخرى إلى نظامه: تحدث إلى مرضاه عن الغضب والمسامحة. فقد لاحظ أن مَن يأتون إلى غرفة الطوارئ وهم مصابون بحروق، يشعرون بغضب عارم له مبرراته. يكونون، على حد تعبيره، {محترقين بالكامل} من الناحيتين الحرفية والمجازية. يشعر هؤلاء بألم كبير بسبب ما ارتكبوه هم أو شخص آخر من أخطاء متهورة. وفيما يروحون يصفون الحادث الذي أدى إلى معاناتهم، تحمل كلماتهم الغضب، الذنب، أو اللوم.استخلص هذا الجراح أن غضبهم ربما يعيق قدرتهم على الشفاء بمنعهم من الاسترخاء والتركيز على التحسن. أخبرني أون: {كنت أصغي إلى مرضاي وأشاركهم في مشاعرهم. فأدركت ضرورة معالجة هذه المسألة. أثر موقفهم في شفاء حروقهم، وانطبق ذلك، خصوصاً، على زراعة الجلد. فإن كان الشخص غاضباً جداً، كنا نزرع ثلاث أو أربع رقع جلد، إلا أن جسمه يرفضها غالباً}. نتيجة لذلك، عندما كان المريض يبدو غاضباً، كان أون يساعده ليسامح نفسه أو الشخص الذي تسبب بحروقه، إما من خلال محادثات بسيطة أو التنويم المغناطيسي.
ازداد اهتمام أون (88 سنة وهو شبه متقاعد)، بعدما عمل في مجال الجراحة وتعليم التنويم المغناطيسي الطبي في كلية الطب في جامعة تولان طوال أكثر من 30 سنة، عندما كان طبيباً شاباً تدرب بإشراف الدكتور الغني عن التعريف تشامب ليونز (رائد في استخدام البنسلين وعالج الناجين من حريق ملهى كوكونات غروف في بوسطن عام 1942).فيما تعلم أون العمل على استقرار حالة المريض وإجراء زراعة الجلد، تساءل عن ممارسة محيرة تعلمها من عمه. بما أنه ثري مستقل من ناشفيل، أجرى هذا العم تجارب مع التنويم المغناطيسي، حتى إنه عقد جلسات، علماً أن هذه الأخيرة ازدادت رواجاً في القرن التاسع عشر، لدرجة أن السيدة الأميركية الأولى الليدي ماري تود لنكولن عقدتها في البيت الأبيض في محاولة للبحث عن روح ولدها المتوفى. ويُقال إن الرئيس أبراهام لينكولن شارك فيها. لكن تبين في نهاية المطاف أن كثيراً من كبار مديري الجلسات المشهورين ليسوا سوى محتالين يستغلون معاناة الآخرين.لكن عم أون توصل إلى مجال آخر للتنويم المغاطيسي أقل إثارة للجدل من تنويم مجموعة من الناس وحملهم على الاعتقاد بأن صديقهم الميت يتحدث إليهم. فقد نوم مغناطيسياً مرضى أصدقائه الجراحين قبل إجراء الجراحة بغية الحد من الألم. كان ذلك قبل انتشار استعمال المخدر.أخذ أون مقررات في التنويم المغناطيسي ليحصل على معلومات إضافية. أخبرني بلهجة أهل نيو أورلينز الودودة، عندما اتصلت به عبر الهاتف: {اكتشفت ألا ضرر فيه}.عندما بدأ الاستعانة بالتنويم المغناطيسي لمعالجة مرضاه المحترقين، لاحظ الفارق في الحال. فإن أمكنه التواصل معهم في غضون نصف الساعة الأولى بعد الإصابة، بدا أن إيحاءات التنويم المغناطيسي عن {البرودة والهدوء} توقف ردة فعل احتراق الجلد، الذي يستمر عادة 12 إلى 24 ساعة، ما يساهم في تسريع التعافي. صحيح أن ما من دراسات دامغة عن التنويم المغاطيسي وفوائده في حالة مرضى الحروق، وأن بيانات أون شخصية، إلا أن دراسات عدة تُظهر أن التنويم المغناطيسي يخفف العوارض ويحسن النتائج الطبية في مجالات عدة، من الربو والثآليل إلى الولادة واضطراب إجهاد ما بعد الصدمة.ما إن بدأ أون بمساعدة مرضاه على المسامحة، لاحظ مزيداً من التحسن. يوضح إلى مرضاه، مشبهاً هذه المسألة باحمرار الخدين الناتج عن القيام بأمر محرج: {يؤثر ما تفكر فيه وتشعر به في جسمك. تنعكس مشاعرك على عملية شفاء الجلد. ونريدك أن تصب كل طاقتك على شفائك}. في هذه المرحلة، يكتشف هذا الجراح أن الضحية، مثلاً، فتح فرن صهر من دون إطفائه أو أن عامل البناء أخبر رب عمله مراراً عن مخاطر غالون بنزين من دون جدوى.أخبرني أون: {أمارس معهم التنويم المغناطيسي وأساعدهم على مسامحة أنفسهن أو الشخص الآخر. أقول: ‘يمكنك بالتأكيد المطالبة بالتعويض بواسطة محامٍ. من حقك أن تغضب. لكني أطلب منك الآن أن تتخلى عن هذا الحق وتنسى غضبك كي توجه طاقتك نحو الشفاء وتسلم هذه المسألة إلى الله أو الطبيعة أو مَن تعبد. لا يحق لك أن تثأر من نفسك أو من الشخص الآخر. وعندما تدرك على مستوى مشاعرك أنك تتخلى عن هذه المسألة، ارفع يدك’. ومن ثم أسكت، فيرفع المريض يده. وهكذا أدرك أن عملية زرع الجلد ستنجح}. أطلع أون أطباء حروق آخرين على ما اكتشفه، وتلقى رسائل من زملاء في وحدات الحروق حول العالم يشكرونه فيها على مساعدتهم في تسريع وقت تعافي مرضاهم.علاقتها بالعلومعلى غرار دابني أون، كان جون تمبلتون، رجل مثقف من الجنوب بلغ مرحلة الرشد خلال حقبة الكساد الكبير، قد جمع نجاحه مع مساعٍ غير تقليدية. ولد تمبلتون في عائلة من الطبقة الوسطى في وينشستر بتينيسي عام 1912. وقد نجح في إنهاء دروسه في جامعة يال بعد انهيار البورصة عام 1929. وأصبح بعد ذلك باحثاً في قسم رودس في جامعة أكسفورد. بنى لنفسه مسيرة في وول ستريت، مستنداً إلى شعار {اشترِ بسعر منخفض وبع بسعر عالٍ}. فقد استدان المال في بداية الحرب العالمية الثانية ليشتري مئة حصة من حصص 104 شركات بسعر دولار للحصة أو أقل، بما فيها 34 شركة كانت على شفير الإفلاس. فحقق أرباحاً في كل هذه الشركات ما عدا أربع.انتقل تمبلتون إلى مجال الصناديق المشتركة في خمسينيات القرن الماضي. وباع في النهاية صندوق تمبلتون إلى مجموعة فرانكلن عام 1992. نتيجة لذلك، منحته مجلة Money لقب {أعظم مضارب في البورصة في هذا القرن}. لكن تمبلتون أعرب عن شغف مماثل بالروحانيات، الفناء، العلوم، والفهم الأوسع الذي تضيفه الأساليب العلمية إلى {مسائل الحياة الكبيرة}، مسائل عن الوعي والدور الذي يؤديه الحب، الإبداع، التعاطف، والمسامحة في مجالات حياة الإنسان.في عام 1987، أنشأ تمبلتون مؤسسة جون تمبلتون التي سعت لتمويل أبحاث علمية في {مواضيع تمتد من التعقيد، التطور، والأبدية، إلى الإبداع، المسامحة، الحب، والإرادة الحرة}. ومع شعار {كلما قلت معارفنا، ازداد توقنا إلى التعلم}، قدم تمبلتون المنح لباحثين {مبدعين، مبتكرين، ومنفتحين على المنافسة والأفكار الجديدة}.أعلن تمبلتون حملة أبحاث المسامحة عام 1997. قدمت هذه المبادرة التمويل لعلماء في مجالات مختلفة كانوا مستعدين لنقل المسامحة من إطارها الديني واستخدام أساليب علمية دقيقة بغية تحديد تأثيراتها في الجسم والعقل. ومن الرواد في هذه الحملة كان الدكتور إيفيريت ورثينغتون، بروفسور متخصص في علم النفس في جامعة الكومنولث بفرجينيا.يُعتبر ورثينغتون من علماء النفس الأوائل الذين طوروا أدوات علاجية باستخدام المسامحة. تناول هذا الموضوع بعد تعرضه لمأساة شخصية: فقد تعرضت والدته المسنة للضرب حتى الموت على يد دخيل، فدفع موتها، من بين أسباب أخرى، شقيقه إلى الانتحار. فيما كان ورثينغتون يتخبط وسط الحزن والغضب، صبّ تركيزه على الاستشارات الزوجية وجلسات المسامحة. فصمم إطار أبحاث عامة لحملة أبحاث المسامحة، وأصبح كبير الأساقفة ديزموند توتو أحد رؤساء هذه الحملة، في حين مولتها مؤسسة تمبلتون بنحو 5 ملايين دولار.بين عامَي 1998 و2005، خصصت المؤسسة، إلى جانب 13 شريكاً آخرين من بينهم معهد فيتزر (مؤسسة لا تتوخى الربح مقرها في ميشيغان تمول مشاريع الأبحاث والمبادرات التربوية التي تركز على المحبة والمسامحة)، 9.4 مليون دولار لنحو 43 دراسة علمية عن تأثير المسامحة. قبل ذلك، كان ورثينغتون وباحثون قلائل يعملون وحدهم في هذا المجال (ركّز معظم عملهم على إثبات أساليبهم العلاجية). إلا أن حملة أبحاث المسامحة أخذت مفهوماً دينياً تقليدياً ووضعتها بقوة على المسرح العالمي. بالإضافة إلى تمويل الأبحاث مباشرة، أثارت هذه الحملة الحوار والاهتمام في المجتمع العلمي الأوسع. في عام 1998، نشر باحثون 58 دراسة مهمة عن المسامحة في المطبوعات العلمية. ولكن مع انتهاء الحملة بحلول 2005، ارتفع العدد إلى 950.شارك تمبلتون بفاعلية في هذه العملية بأسرها. حتى في ثمانينياته، كان ينزل إلى البحر إلى أن تغطي المياه خصره كي يمارس رياضة ركوب الأمواج طوال ساعة قرب منزله في جزر الباهامس كل صباح، قبل أن يجلس ليدرس عروض الحصول على منح. وعندما مات عن عمر يناهز الـ 95 سنة، رثاه مجتمعا رجال الأعمال والعلماء على حد سواء. فقد لقبته صحيفة وول ستريت جورنال بـ «المتفائل الأكبر» الذي كان لثقته في الأسهم الناشئة تأثير كبير، وتركت أعماله الإنسانية إرثاً لا ينضب. أما المجلة العلمية البارزة Science، فكتبت: {قاده حبه للعلوم والله إلى إنشاء مؤسسة عام 1987 تقوم على أساس أن الحوار المتبادل يغني فهمنا للاثنين}. صحيح أننا قد لا نرى بوضوح ما أضافه بحث تمبلتون إلى فهمنا عن الله، ولكن من المؤكد أنه أغنى فهمنا للمسامحة، مبرهناً أن ما كان يُعتبر سابقاً فكرة دينية يشكل في الواقع مهارة مهمة للجميع، سواء كانوا ملحدين، علمانيين، أو مؤمنين، وخصوصاً إن كانوا يرغبون في العيش حياة صحية سعيدة.تطوير العلاجاتمن العلماء الذين شاركوا في حملة أبحاث المسامحة الدكتور روبرت إنريت، عالم نفس تنموي في جامعة ويسكنسون-ماديسون. بدأ إنريت التأمل في المسامحة نحو منتصف الثمانينيات. فبصفته مسيحياً، تربى على تعاليم المسيح عن التسامح والمسامحة. لذلك تساءل: هل يمكن للمسامحة أن تفيد المرضى في إطار سريري؟ ورغم سخرية زملائه المشككين لتطبيقه علماً {مبهماً} و}دينياً} إلى حد ما، صمم تدخلات تقوم على المسامحة كعلاج ودرس تأثيراتها النفسية والجسدية.بدأ بتطوير علاجات تهدف إلى مساعدة النساء المسنات على مسامحة مَن أساؤوا إليهن في الماضي، ومساعدة ضحايا الإساءة وسفاح القربى على فهم معذبيهم من دون تبرير أفعالهم. فجاءت النتائج الأولى التي توصل إليها مشجعة.خلال دراسته الأولى، التي قارن فيها نساء يخضعن لعلاج مسامحة بمجموعة ضبط حصلت على علاج للجراح العاطفية من دون التركيز على المسامحة، اكتشف أن المجموعة الأولى حققت تحسناً أكبر على صعيد الصحة العاطفية والعقلية، مقارنة بمجموعة الضبط.نُشرت هذه الدراسة في مجلةPsychotherapy عام 1993. بعد ذلك، شحذ إنريت أدوات المعالجة بالمسامحة، منتقلاُ من مساعدة الناس على تنمية التعاطف (قدرة على فهم مشاعر الآخرين والمشاركة فيها) مع المعتدين إلى تعلم مسامحة النفس وتقبلها، ثم اختبر هذه الأساليب الجيدة في مجموعات مختلفة. على سبيل المثال، بين النساء المعنفات وطالبات الجامعات اللواتي حرمن من الحب الأبوي، حظي مَن شاركوا في علاجات المسامحة بتحسن أكبر في الصحة العاطفية والنفسية، مقارنة بمجموعات الضبط التي تلقت العلاج من دون التركيز على المسامحة.تألف نموذج إنريت للمسامحة من أربعة أجزاء: اكتشاف غضبك، اتخاذ قرار بالمسامحة، العمل على المسامحة، واكتشاف والتحرر من السجن العاطفي. ويمر الشخص عبر هذه المراحل خلال الحوار بين المعالجة والمريض. يعني اكتشاف الغضب والتأمل في كيفية تفاديه والتعامل معه على حد سواء، فضلاً عن معرفة كيف بدلت الإساءة والغضب الناجم عنها صحتك، نظرتك إلى العالم، وحياتك عموماً. تشمل المرحلة التالية تعلم ماهية المسامحة والإقرار أن طريقة تعاملك مع غضبك لم تفلح حتى اليوم، ما يدفعك نحو المسامحة. بعد ذلك، يقوم العمل على المسامحة على مواجهة ألم الإساءة والسماح لنفسك بالشعور به بالكامل لتنتقل بعد ذلك إلى تنمية مستوى معين من فهم المسيء والتعاطف معه.أما المرحلة الأخيرة، فتشمل الإقرار أن الآخرين عانوا بقدرك وأنك لست وحدك (يعني هذا بالنسبة إلى البعض التواصل مع مجموعة دعم عانى أعضاؤها تجربة مماثلة)، التحقق من تأثير معاناتك المحتمل في حياتك (تعلم درساً محدداً يساهم على الأرجح في تعزيز قوتك وشخصيتك، أو حضك على مساعدة الآخرين)، وأخذ الخطوات لتحقيق ما تحدد أنه هدفك في الحياة.