استقلال القضاء استحقاق دستوري
كثرة الأحداث السياسية التي مسّت المجتمع الكويتي في الفترة الماضية وما شابها من لغة في الخطابة لم يشهدها المجتمع من قبل، أدت إلى وجود حالة انحراف في لغة الخطاب المجتمعي، ملئُها الشك والطعن في الذمم على جميع المستويات، حتى أنها تفشت على نحو ملحوظ كأنها نار أطعمت سعفا، ولم تسلم من هذا الطعن حتى السلطة القضائية.لقد جبل القضاء الكويتي على النزاهة، ودام مشرقا على مر الأزمنة، وقد أنصف التاريخ قضاءنا الكويتي النزيه، وسطرت صفحاته سيرة القضاة الكويتيين النزيهين، فكأنها خطت بحبر أبيض من شدة بياضها وخلوها من السواد، ولعل قضاءنا الكويتي امتداد لما انتهى إليه القضاة السابقون في التاريخ الإسلامي وعصوره.
إن التطور الطبيعي لكل المجتمعات الديمقراطية أن تعمل على إصدار قانون يكفل لقضائها الاستقلال الكامل إداريا وماليا، وهو يأتي ليس استكمالا للحياة الديمقراطية فحسب، بل استحقاقا قانونيا ودستوريا عبرت عنه كل الدساتير المتقدمة التي تعطي للأمة حيزا من الحكم والإدارة، وهو ما سار عليه الدستور الكويتي بأن حدد فيه أن تكون الأمة مصدر السلطات جميعا، ومنح لها المشاركة في اختيار مجلسها وسن قوانينها العادية ووضع دستورها وتعديل نصوصها بالآلية التي اتفق عليها المجلس التأسيسي.وعلى الرغم من أن القضاء الكويتي لم يتأثر بتلك الشائعات والإساءات التي مسّته خلال الأشهر الماضية، فإنه يتعين أن يبتعد القضاء ممثلا كسلطة عن كل محاولات التبعية الإدارية والمالية عن السلطة التنفيذية بأسرع وقت ممكن، حفاظا على القضاء وحفاظا على الإرادة الدستورية التي أرادها واضعو الدستور من وجود ثلاث سلطات حقيقية تعمل كل واحدة منها في مجالها، ومن دون أن أي تدخل في اختصاصاتها أو التعدي على صلاحياتها.