لا فحوص شرجية لسرطان البروستات
قبل ثلاث سنوات تقريباً، تسبب تيم ماثيسون بضجة كبيرة بسبب نصيحته بشأن فحوص سرطان البروستات:{يمكننا الخضوع لفحص دم للتحقق منه، إلا أن الفحص الشرجي يبقى الطريقة الوحيدة الحقيقية للحصول على تقييم دقيق لغدة البروستات. لذلك احرص على أن تخضع لهذا الفحص}.
انهالت عليه الانتقادات آنذاك. نظرة إلى هذا الفحص وأهميته من عدمها.
انهالت عليه الانتقادات آنذاك. نظرة إلى هذا الفحص وأهميته من عدمها.
يحدد تيم ماثيسون طريقتين شائعتين يعتمدهما الأطباء للتحقق من سرطان البروستات: فحص الدم (بحثاً عن بروتين يُدعى مستضد بروستاتي نوعي PSA) والفحص الشرجي بالإصبع الذي يستشعر خلاله الطبيب غدة البروستات بإقحام إصبع مغطى بقفاز في مستقيم الرجل.لكن الفحص الشرجي أقل دقة من فحص المستضد البروستاتي النوعي في الدم، بما أنه يخفق حيناً في اكتشافات حالات السرطان ويؤدي أحياناً إلى إنذارات خاطئة.
حتى وقت ليس ببعيد، كان الأطباء ينصحون بالجمع بين فحص الدم والفحص الشرجي. فإن تبين أن فحص المستضد البروستاتي الشرجي عالٍ أو أن ملمس البروستات يبدو غريباً، يخضع الرجل لعملية أخذ خزعة للتأكد مما إذا كان يعاني السرطان أو لا.لكن هذه التوجيهات بدأت تتغير، ما يفرح بالتأكيد الرجال الذين يخشون الفحص الشرجي والأطباء الذي يملكون أصابع قصيرة على حد سواء. فقد أوصى مجلس السرطان والكلية الملكية الأسترالية للأطباء العامين أخيراً بأن يتخلى الأطباء عن الفحص الشرجي عند فحص سرطان البروستات.ما هو فحص سرطان البروستات؟البروستات غدة عند قاعدة مثانة الرجل تلتف عند مستهل الإحليل (أنبوب تدفق البول). ومع أنها صغيرة، إلا أنها قد تؤدي إلى مشاكل كبيرة لصحة الرجل. فيحتل سرطان البروستات المرتبة الرابعة بين أسباب الوفاة عند الرجال الأستراليين، بعد النوبة القلبية، سرطان الرئة، والسكتة الدماغية.نقصد بالفحص هنا إجراء فحوص للبحث عن سرطان البروستات في حالة رجال لا يواجهون مخاطر كبيرة في هذا المجال، أي أولئك الذين لا يملكون تاريخاً عائلياً مع هذا المرض (يبدو الوضع أكثر تعقيداً في حالة الرجال الذين يواجهون تاريخاً عائلياً مع هذا المرض. ولن نتناول هذه الحالة في هذا المقال). ويميل الأطباء عادةً إلى إجراء هذه الفحوص للرجال بين سن الخمسين والتاسعة والستين.يأمل الأطباء من خلال هذه الفحوص أن يتمكنوا، عند اكتشاف السرطان في مراحله الباكرة، أن يؤخروا الوفاة ويجنبوا المريض المعاناة. ولكن بالنسبة إلى سرطان البروستات، لفحوصنا (فحص المستضد البروستاتي النوعي والفحص الشرجي بالإصبع) حدود كبيرة.هل من الضروري الخضوع له؟يشكّل سرطان البروستات مرضاً مات الكثير من الرجال وهم يعانونه، لا بسببه. فمع أن بعض أنواع سرطان البروستات العدائية يقتل عدداً محدوداً من الرجال، يتعايش الكثير منهم بسلام مع حالات سرطان البروستات الطفيفة، إن لم تُكتشف.لا شك في أن اكتشاف سرطان البروستات قد يكون مفيداً، إن سمح بالخضوع للعلاج في الوقت المناسب بغية إنقاذ حياة الرجل، غير أنه قد يكون مؤذياً نظراً إلى تأثيرات العلاج الجانبية: العجز الجنسي، سلس البول، القلق من الإنذارات الخاطئة أو من اكتشاف سرطان، وغيرها.ما زالت مسألة ما إذا كانت فحوص البروستات تنقذ الحياة مثار جدل. فقد اكتشفت تجارب عدة أنها لا تشكل تدبيراً وقائياً. كذلك أظهرت أفضل تجربة أجريت (ربما الأكثر دقة) أن الفحوص قد تمنع حالة وفاة من كل خمس جراء سرطان البروستات. لكن هذه الحماية لا تُرى دوماً.تكشف الإحصاءات أن نحو ألف رجل يجب أن يخضعوا خلال 11 سنة لفحوص (فحص المستضد البروستاتي النوعي من دون الفحص الشرجي) بغية إنقاذ حياة واحدة. ولإنقاذ هذه الحياة، تشمل المساوئ:• تخضع أعداد كبيرة من الرجال لخزعة من البروستات (إدخال إبرة في البروستات مرات عدة عبر المستقيم والحصول على عينات بهدف فحصها تحت المجهر). • يواجه عدد منهم مضاعفات بسبب هذه الخزعة.• يكتشف نحو %37 من الرجال أنهم يعانون سرطان البروستات (ما كان كثيرون منهم ليعانوا إن لم يُكتشف هذا السرطان).كيف نقيم هذه السلبيات والإيجابيات؟بما أن فرص الاستفادة محدودة واحتمال التعرض لأذى كبير، يقرر بعض الرجال عدم الخضوع لهذه الفحوص. إلا أن البعض الآخر يعتبر أن احتمال تفادي الموت جراء السرطان يستحق العناء، حتى لو كان صغيراً وغير أكيد. ما من جواب واضح وصريح بشأن هذه الفحوص، بل على كل رجل أن يزن الأمور بنفسه. ولكن على الأطباء أن يطلعوا مرضاهم على المعلومات الدقيقة ويساعدوهم على اتخاذ قرار يتماشى مع تفضيلاتهم.ماذا عن الفحص الشرجي؟يكرّر الأطباء دوماً الفكرة عينها بشأن الفحص الشرجي بالإصبع: {إن لم تقحم إصبعاً وتفحصها، فقد تخبئ لك مفاجآت غير سارة}.يقصدون بذلك أننا قد نغفل عن إشارات مهمة بعدم الخضوع لهذا الفحص. قد ينطبق هذا على حالة مَن يعانون بعض الأعراض، مثل النزف الشرجي. ولكن في العموم، يبدو أن هذا لا يصح في كل حالات مَن يخضعون لفحص سرطان البروستات.علينا أن نقرر ما الحد الفاصل بين ما يُعتبر طبيعياً أو غير طبيعي في فحوص التشخيص. ومن الأمثلة على ذلك فحص المستضد البروستاتي النوعي في الدم. في هذا الفحص، نعتمد عادةً كمية الأربعة غرامات نانوية في المليليتر كحد فاصل بين الطبيعي وغير الطبيعي (مع أن بعض الدراسات يعتمد ثلاثة غرامات نانوية في المليليتر).إن حفضنا الحد الفاصل كثيراً وقربناه من الصفر، نُخضع عندئذٍ كل الرجال تقريباً لعملية أخذ خزعة تكون عادةً غير ضرورية. في المقابل، إن رفعناه كثيراً، فقد نغفل عن كثير من حالات سرطان البروستات. من المؤسف أن ما من حد واضح يفصل جلياً بين الرجال الذين يعانون السرطان ونود اكتشاف حالتهم والرجال الذين لا داعي للقلق بشأنهم.هل يحسن الفحص الشرجي بالإصبع هذه المسألة عندما يُضاف إلى فحص المستضد البروستاتي النوعي؟ كلا، صحيح أن الفحص الشرجي قد يؤدي إلى اكتشاف عدد أكبر بقليل من سرطان البروستات، إلا أن هذه الحالات تبدو عموماً أقل عدائية وقلما تكون من النوع الذي يجب أن نقلق حياله. نتيجة لذلك، يسبب هذا الفحص الكثير من الإنذارات الخاطئة لأنه يؤدي إلى نتيجتين خاطئتين أو أكثر لكل حالة سرطان تُكتشف.هنا أيضاً يُعتبر التوازن الصحيح بين اكتشاف المرض والإنذارات الخاطئة بالغ الأهمية. ولكن يمكننا أن نحقق الزيادة عينها في اكتشاف السرطان التي نحصل عليها من إجراء الفحص الشرجي بتعديل عتبة فحص المستضد البروستاتي النوعي من أربعة غرامات نانوية في المليليتر إلى ثلاثة غرامات.لمَ نود إجراء فحص يعتبره الكثير من الرجال مزعجاً، في حين أننا نستطيع الاستغناء عنه بإجراء تعديل بسيط في قراءتنا لفحص الدم؟بصفتي طبيباً عاماً، سأتبع التوصيات الجديدة، متفادياً إجراء دورياً الفحص الشرجي بالإصبع.لا شك في أن البعض قد يتوقع الخضوع لفحص مماثل، ربما بسبب العادة أو الخوف من عدم تشخيص الحالة بدقة. وإن كان هذا ما يفضله، فسأجري له بالتأكيد هذا الفحص. لكنني سأحرص أولاً على مناقشة كل السلبيات والإيجابيات: أولاً سلبيات وإيجابيات كل الفحوص عموماً، ثم القيمة الإضافية المحدودة للفحص الشرجي.لكن من المفرح أن نتمكن من طمأنة رجال كثر أن الفحص الشرجي بالإصبع ما عاد العرف المتبع.