البشر ليسوا مصمَّمين لأكل اللحوم!

نشر في 06-07-2016
آخر تحديث 06-07-2016 | 00:00
No Image Caption
تكثر الادعاءات التي تعتبر البشر مصمّمين لأكل اللحوم، باعتبار أن هذه الخاصية مطبوعة في جيناتنا، وقد صُنِعت أسناننا، أصلاً، كي نأكل اللحوم ونحتاج إلى تلك اللحوم للحصول على جميع المغذيات المفيدة. إنها أفكار متداولة في الأحاديث العادية وقد تُطرَح بدرجات متفاوتة في وسائل الإعلام.
في كتاب Meathooked: The History and Science of Our 2.5-Million-Year Obsession with Meat (إدمان على اللحوم: تاريخ الهوس باللحوم ومعطياته العلمية منذ مليونَي سنة ونصف)، تكشف الكاتبة العلمية مارتا زاراسكا بكل براعة أنّ تلك الادعاءات مجرّد خرافات.

بحسب مصادرها، تتمتع الحيوانات النباتية التي تتراوح بين الغوريلا وغزلان الماء بأنياب كبيرة ومسنّنة أكثر من البشر. لا تُستعمَل أنيابنا لتقطيع اللحوم بشكل خاص. لكنّ الميزة التي تفتقر إليها أسناننا تبدو أهم من الخصائص التي نتمتع بها. يكفي أن نفتح فكّ كلب (حين يكون هادئاً!) كي نجد في الخلف أسنان الكسر التي تبدو مسنّنة مثل الشفرة ومثالية لتقطيع اللحوم}. تتمتع بها أيضاً الأسود والنمور وحيوانات الراكون والقطط المنزلية وجميع الحيوانات التي تأكل اللحوم. لكن لا يحملها البشر!

يمكن إيجاد جميع بروتينات الأحماض الأمينية عالية الجودة في النباتات، بحسب قول زاراسكا، التي تعدّد بعض الأمثلة مثل الصويا والحنطة السوداء والكينوا والبطاطا.

حتى أنّ نيل بارنارد من {لجنة الأطباء للطب المسؤول} يتحدث عن تحسّن استهلاك الفيتامينات وغيرها من المغذيات لدى الناس الذين ينتقلون من أكل اللحوم إلى أكل النباتات.

لكن يبقى الفيتامين B12 استثناءً على القاعدة: يمكن إيجاد هذا الفيتامين في اللحوم والبيض ومشتقات الحليب حصراً. يبلي النباتيون العاديون حسناً لأنهم يأكلون البيض ومشتقات الحليب، لكن يحتاج النباتيون الذين يمتنعون عن استهلاك جميع المشتقات الحيوانية إلى تناول مأكولات مدعّمة بالفيتامينB12 أو أخذ مكمّلات غذائية.

اللحوم لا تحافظ على صحتنا

أعدّت زاراسكا كتابها عن الهوس باللحوم، في المقام الأول، لاكتشاف ما يجعل البشر حول العالم يتوقون إلى أكل اللحوم. تؤدي بعض العوامل البيولوجية، منها القابليات الوراثية والعوامل الثقافية التي تتراوح بين العادات العائلية والتقاليد الثقافية، دوراً مؤثراً في هذا المجال.

تتحدث زاراسكا بكل حماسة عن اللحوم المزيفة التي جمعت عيّنات منها في هولندا ({تكون غنية بنكهات لذيذة}!)، وتوصينا جميعاً بأكل الخضار والبقوليات والفاكهة والحبوب بدل لحوم الحيوانات. لكن تشكّل مجموعة الإحصاءات المطروحة في بداية الكتاب إطاراً قاتماً لأفكارها كلها:

{في أنحاء العالم، يزداد الإقبال على البروتينات الحيوانية. تشير تقديرات {منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية} إلى زيادة الطلب على اللحوم بحلول عام 2020 (مقارنةً بعام 2011) بنسبة 8% في أميركا الشمالية و7% في أوروبا و56% في آسيا! في الصين، زاد استهلاك اللحوم بأربعة أضعاف منذ عام 1980}.

أمام هذه المعطيات، كيف يُفترض أن يتجدد أمل العالم بتغيير الوضع رغم ميل النباتيين وبقية الناس إلى تخفيف استهلاك اللحوم لأسباب مرتبطة بالصحة الفردية والصحة العامة ومعاناة الحيوانات؟

وجّهتُ رسالة إلكترونية إلى بروس فريدريتش، المدير التنفيذي لـ}معهد الغذاء المفيد}، كي أسأله رأيه بالمستقبل المُشبَع باللحوم. جاء جوابه على الشكل الآتي:

{يستعمل المعهد الأسواق والتقنيات الغذائية لنقل الحميات العالمية من اللحوم الحيوانية ومشتقات الحليب والبيض إلى البدائل النباتية {النظيفة} والمزروعة. نشعر بتفاؤل شديد لأننا نتوقّع أن يصبح أكثر من نصف اللحوم نباتياً أو نظيفاً خلال 25 سنة. وبحلول عام 2050، ستصبح جميع اللحوم كذلك}.

{نقترب من تصنيع لحوم نباتية يكون مذاقها شبيهاً باللحوم الحيوانية، كما أننا نزرع لحوماً {نظيفة} من دون الحاجة إلى أي حيوانات. صحيح أن الطلب على اللحوم يتصاعد في الدول النامية تحديداً، لكن بدأ أداء التقنيات الغذائية يتحسّن لنسخ اللحوم الحيوانية باستعمال النباتات، وسنشهد انتقالاً واسع النطاق من اللحوم الحيوانية إلى اللحوم النباتية التي ستكون صحية وأكثر فاعلية، ولن تسبّب إلا جزءاً ضئيلاً من التغيّر المناخي الذي سبّبته اللحوم الحيوانية}.

حقائق وخرافات
{خلال 10 سنوات، نتوقّع أن تتمكن اللحوم النظيفة من منافسة اللحوم الحيوانية على مستوى الكلفة، وفي تلك المرحلة ستختفي اللحوم الحيوانية كما اختفت عربات الخيول}.

ستبرز الحاجة إلى تبنّي وجهة نظر متعددة الثقافات (تزامناً مع فهم طبيعة الأغذية والفقر). لكن قد تكون المخاوف التي تنذر بأننا {عالقون عالمياً} بمستقبل مُثقَل باللحوم خرافة أخرى.

تشير استطلاعات الرأي إلى أن الناس يتابعون مسارهم حين يبدأون بحذف بعض المأكولات من حميتهم. كتبت زاراسكا: {ستختفي اللحوم الحمراء أولاً ثم الدجاج ثم الأسماك ثم الحليب والبيض}. لن يتحقق هذا التقدم الكامل مع الجميع لأسباب متنوعة (أنا شخصياً ما زلتُ آكل السمك!)، لكن تطرح هذه النزعة سبباً آخر يدعو إلى التفاؤل. قد يكون تشجيع الأشخاص الذين يتخذون أي خطوات لتخفيف استهلاك اللحوم أفضل طريقة لتحقيق الهدف المنشود، بحسب رأي زاراسكا.

لكني طرحتُ سؤال زاراسكا في رسالة إلكترونية على ماري لورانس، رئيسة طهاة نباتية ومديرة تنفيذية في مركز {أهيسما هيلث أند هارموني}. فأجابت: {نحن نجتمع للتعبير عن الحب الذي نتبادله. وفي ظل هذه الروحية، تكون الحيوانات ضيوفاً على مائدتنا وليس في أطباقنا. لحسن الحظ، يمكن أن نحتفل باللحوم المزيفة اليوم خلال مناسبات نباتية بامتياز. لن يتأذى أحد ويمكن أن نستمتع بوقتنا}.

هذه ليست خرافة: يمكن أن نتناول مأكولات مفيدة ونحافظ على صحتنا ونستمتع بنكهات لذيذة من دون الحاجة إلى أكل اللحوم!

back to top