المائدة (3-3)

نشر في 26-06-2016
آخر تحديث 26-06-2016 | 00:00
 عبدالله خلف الإعداد لشهر رمضان له بروتوكول جماهيري تصاحبه فرحة مع تجمع النساء في البيوت الكبيرة لدق الهريس بأن تصطف مجموعة منهن من أهل البيت ومتطوعات من الجيران وأُخريات مستأجرات، تتقابل كل اثنتين على (منحاز)، وهو جُرن خشبي منحوت ومجوف من طرف وعبارة عن وصلة من جذع خشبي يجلب من السواحل الإفريقية الشرقية أو الهند.. والنساء ترى كل اثنتين تتساجلان على منحاز، وكل واحدة بيدها المدق الغليظ لدق القمح ولإزالة قشرته، وتفتيته وتكسيره، وذلك لإعداد الوجبة الرئيسة الرمضانية.

وعند إعداد المائدة يُسلق القمح ويضرب في "المضرابة" الخشبية لكي يهرس، هكذا كانت المرأة تقوم بأعمال المنزل الشاقة لإعداد وجبات رمضان وغيره من الشهور.

* * *

ومن وجبات المائدة الرمضانية "المحلبية المعدة من الحليب مع النشا، وتلفظ في مصر "مهلبية"، كما كان يلفظها الأتراك في مصر، لأن حرف الحاء يصعب عليهم نطقه، فيقلبونه إلى الهاء، وهكذا بقي في مصر، والمحلبية من الوجبات الحلوة التي لها تقليد في إعدادها ووضعها في آنية صغيرة وملاعق من الحديد الملبس ذات لون أزرق كحلي.

* * *

كلمة المائدة وردت في القرآن الكريم، إذ قال حواريُّو عيسى بن مريم عليه السلام "ربَّنا أنزل علينا مائدة من السماء" سورة المائدة، الآية 114. وقال العلامة الليبي رئيس المجمع اللغوي رئيس اتحاد الكتاب السابق، رحمه الله إن كان حيَّا أو ميتاً، الدكتور علي فهمي خشيم، إن المائدة من المد أي العطاء على وزن فاعلة، مثل عيشة راضية وفي القرآن: "وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون".

ويقول د. خشيم: لقد كان للطعام عند الأُمم مكانته وقدره، وكان لذكره في الآداب وفي التاريخ، وفي الفلسفة حّيز كبير.. وإن إحدى أهم محاورات أفلاطون تُسمى (المائدة)، وإن حواريي عيسى طلبوا "مائدة" من السماء كمعجزة له، وإن في القرآن الكريم سورة كاملة اسمها المائدة كما أوردنا من قبل.

* * *

جاء في كتاب "الكلام على المائدة" للدكتور علي خشيم في الباب رقم 15: يقال في المثل "هناك من يعيش ليأكل وهناك من يأكل ليعيش، وهذا هو الفرق بين مجرد الوجود، ولادة فموت وبينهما حشو دائم لهذا الوعاء الذي لا ينتهي ملؤه (المعدة)، وما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه.. كما جاء في الأثر.. كلمة العيش تعني الحياة، وهذه الكلمة عنت الطعام الأساسي في المائدة.. في مصر المادة الغذائية الرئيسة "الخبز" وفي الكويت ودول الخليج العربية الأرز هو العيش، وفي دول المغرب العربي ليبيا وتونس والجزائر والمغرب "الكسكسي" وفي العراق "التِّمن".

في العهود العباسية صار البذخ في إعداد المائدة من الشعوب والأمم من بلاد فارس وتركيا ومن الهند وبلاد الروم، وصارت الأطعمة الحلوة تباع في الأسواق وتُعد في المنازل والقصور، وانتشرت معطّرات الأغذية وهي التوابل المجلوبة من الهند ومن وادي البهار حتى سميت البهارات وعرفت بالتوابل. ولا يستساغ طعام دون هذه التوابل... هذه هي المائدة التي شغلت الإنسان عبر التاريخ.

back to top