ترانيم أعرابي: همسات بصوت مرتفع

نشر في 17-05-2016
آخر تحديث 17-05-2016 | 00:01
 عبدالرحمن محمد الإبراهيم أضع يدي على الكيبورد الآن ولا أدري لماذا، أسمع صوتا داخليا يقول لي: احترم عقول من يقرأ لك وفي الوقت ذاته أسمع صوتا آخر يقول: اتركه يكتب ففي الحروف سلوى لخاطره وراحة لباله، ما الذي يجعلني ألجأ إلى الكتابة؟ سؤال طرأ لي، هل نكتب نحن عادة لأننا نريد التعبير عما يختلج في نفوسنا أم أننا نكتب لننقل معلومة إلى الآخرين فنفيدهم؟

وربما نكتب لأن الله وهبنا قوة في التعبير وتسلسلا في الأفكار قد لا توجد عند غيرنا، هل الكتابة تعبر فعلا عن دواخلنا ومشاعرنا، يقال إن الكاتب يستطيع أن يعبر بحروف لا تمتّ إليه بصلة، ويسطرها معزوفة توازي سيمفونية بيتهوفن، وهو في النهاية غير مقتنع بها ولكنه كتبها لظرف ما!

عندما نغضب من شيء نسرع إلى سنّ أقلامنا ونذهب بها إلى أرض المعركة البيضاء، ونبدأ بالكتابة على الورقة التي سرعان ما يسيل الحبر على جنباتها فيزيدها جمالاً.

معركتنا على الورق في حالة الغضب تمثل الطرف الآخر الذي أثار أعصابنا وكدّر هدوءنا ونزع الجمال من مزاجنا، فيسترسل الكاتب بكل قوة حتى يفرغ كل شحنات الغضب الموجودة فيه على جسد الخصم أو الورقة، وربما مزق الورقة مرات عديدة، وفي كل مرة يحس بشيء من نشوة الانتصار لأنه آذى خصمه.

في بعض الأحيان نكتب لأن فكرة تجول في خواطرنا ولا نستطيع التخلص منها إلا بكتابتها، وهذه الفكرة قد تمثل سطوراً قصيرة لا تصل إلى مستوى الفقرة لكنها توصل رسالة واضحة تعبر عما يجول في الخاطر للآخرين، وأذكر أنني كتبت في الجمعة الماضية كلمات كانت تدور في فلك عقلي وسطرتها في رسالة هاتفية قلت فيها:

"نرى في زمان العجائب الذي نعيشه الكثير من البشر انعكست مفاهيمهم فصار صاحب الخلق ضعيف الشخصية، وطيب القلب هو الساذج، وذو المروءة هو المغفل الذي يفعل الأشياء بالمجان، والصريح في الحق صار دون أدب، أما الكريم فهو الغبي الذي يدفع دون أن يأخذ فكيف لا نعجب من عجيب هذا الزمان؟".

كتبتها لأنها أشغلت عقلي وأحسست بضرورة التخلص منها، إلا أنها تركت انطباعات لدى الكثير ممن وصلتهم فمنهم من اتصل مستفسراً، هل قصر في شيء؟ ومنهم من اتصل معتذراً رغم أنني لم أكن أقصد أحدا، ولكن عقله فهم الرسالة الهاتفية على أنها رسالة مبطنة له، ومنهم من قطع العلاقة بحجة تجريحه لدى الغير! أقول لكم بكل صراحة أستمتع بجمعتي لأنني فهمت عقليات كثيرة، والسبب حروف خرجت دون ميعاد.

وعلى النسق ذاته كنت جالسا في غرفة المعيشة سارحا في خيالي، وقد سبق جلوسي غضبي على شقاوة أبنائي محمد وسعد وطلال، فرآني محمدا، فقال: أبي إذا كنت حزينا لأني مشاغب فأعدك بأني سأكون مهذبا. فقلت له كل يوم تعدني مثل هذا الوعد، فقال هذه المرة غير لأني أكلمك ولا تردّ عليّ، ولم يوصله عقله الطفولي أن المبحر في بحر الخيال لا يرى سوى السراب، فقلت على لسان محمد:

"أبي هيا قل لي ماذا تريد؟ وقل لي بأني أفلّ الحديد، لأني أراك بغمّ شديد، ودمعك يصرخ هل من مزيد، أبي إن قلبي صغير على تحمل عبء الزمان الجديد.

وهذا أخي يرتجي فرحاً، فلا تبخلنّ عليه بعيد، فعيد الطفولة يوم نراك، بوجه بشوش جديد سعيد، وكن يا أبي صارما حازما، فهذي الحياة تحب العنيد!".

هل فقدت أنا الصديق الذي يسمع شكواي ويفندها، ومن ثم يضع الحلول المناسبة التي ترضيني وتجعلني أمارس حياتي كما أريد، لا كما تفرضها عليّ ظروفي، أفكر أحيانا أن الهروب للحروف والكلمات والسطور ما هو إلا محاولة لإيجاد صديق صامت يكتب ما تريد دون أن يعترض على شيء، أيحتاج أحدنا أن يصادق أخرس أبكم في بعض لحظات حياته؟!

شوارد:

اكتبوا كل ما تريدون بشرط أن تكون الرغبة هي التي تقودكم، ولا تكونوا كحالي الآن أكتب مكرها لأنني أريد أن أكتب ورغبتي غاضبة مني، حاولت مغازلتها والتودد إليها لكنها عنيدة لا ترضى بسهولة، فأحببت أن أعطيها درسا بأن عنادها لا يفوق رغبتي في مسك القلم!

back to top