الرابط العاطفي بين الأم وابنها يحارب الأمراض

نشر في 07-05-2016 | 00:01
آخر تحديث 07-05-2016 | 00:01
No Image Caption
يؤدي الرابط العاطفي بين الأم وابنها دوراً فاعلاً في الصحة العاطفية والرفاهية حين يتحوّل الطفل إلى شاب بالغ، ولكن هل يمكن أن تكون لذلك آثار مستقبلية إيجابية في محاربة المشاكل في القلب؟ أكّدت دراسة حديثة مثيرة للاهتمام أجرتها مجموعة باحثين في جامعة مينيسوتا أن ذلك أمر ممكن.
لدراسة تغيّر صحة الطفل العاطفية والجسدية عبر المراحل العمرية، شملت دراسة حديثة آلاف المشاركين، بعضهم في أوائل المراهقة والبعض الآخر في منتصف سن البلوغ، بالإضافة إلى بيانات متعلّقة بالرفاهية العاطفية والجسدية. كذلك طاول البحث عوامل أخرى عدّة، أبرزها العلاقات العائلية والعاطفية والروابط الاجتماعية.

وكان مشروع البحث «إضافة الصحة» (Add Health) الذي تناول الموضوع نفسه سابقاً أدى إلى مئات المقالات البحثية حول مجموعة كبيرة من المواضيع المختلفة المتعلّقة بكفيّة تغيّر الصحة العاطفية والجسدية عبر العمر.

في الدراسة الحديثة، استعمل الباحث الرئيس جينالي دوم من معهد جامعة مينيسوتا ومجموعة من الباحثين المساعدين بيانات {إضافة الصحة} لتقييم تأثير دفء الأمهات خلال فترة المراهقة على الصحة المستقبلية، مركّزين على الأمراض القلبيّة الوعائية التي باتت اليوم السبب الرئيس لوفاة الرجال والنساء.

يؤدّي هذا المرض إلى وفاة أكثر من 2000 شخص يومياً في الولايات المتحدة مثلاً، ومن المتوقّع أن يصاب 40.5 بالمئة من الأميركيين بأحد الأمراض القلبية الوعائية بحلول 2030. لذلك فإن تحديد العوامل التي من شأنها أن تزيد أو تقلّص خطر الإصابة بالأمراض القلبية الوعائية أمر مهم اليوم أكثر من أي وقت مضى.

لماذا يساعد دفء الأم خلال فترة المراهقة في حماية الابن من أمراض القلب مستقبلاً؟ وجدت دراسات بحثية مجموعة مؤشرات حيوية مرتبطة بأمراض قلبية وعائية تبيّن أن أسبابها تعود إلى علاقة الأم والطفل خلال مرحلة الطفولة، وتشمل ضغط الدم ومعدل ضربات القلب ومستويات الكورتيزول والكولسترول والغلوكوز ومستويات الأنسولين.

كان البالغون الذين عاشوا تعلّقاً آمناً بأمهاتهم في الطفولة أقل عرضة للإصابة بحالات مرتبطة بالالتهاب. كذلك كان خطر ارتفاع ضغط الدم والسكتة الدماغية والداء السكري وأمراض القلب أقل لديهم من أولئك الذين لم يعيشوا هذا التعلّق الآمن في مرحلة طفولتهم. بحسب دراسة أجريت من 35 سنة، ولا تزال متابعة من غاري شوارتز وليندا روسيك، 91 بالمئة من الرجال الذين لم تربطهم علاقة قوية بأمهاتهم في أوائل فترة البلوغ أصيبوا بأمراض مزمنة (أمراض قلب، ارتفاع ضغط الدم) في وقت لاحق من حياتهم. أما بالنسبة إلى الرجال الذين ربطتهم علاقة دافئة بأمهاتهم، فلم يصب سوى 45 بالمئة منهم بأمراض مزمنة بعد بضعة عقود.

كذلك تبيّن أن ثمّة عوامل أخرى أبرزها الوضع الاجتماعي والاقتصادي والجنس وعلم الوراثة العائلية تؤدي دوراً مهماً في الصحة المستقبلية. مع ذلك، يبقى دعم الأم غاية في الأهمية لحماية الابن الذي يكون عرضة للإصابة بالمرض. ويبدو أن هذه النظرية صحيحة بالنسبة إلى المتحدرين من خلفيات محرومة. ولأن نمو الطفل بجو من الحرمان يعني افتقاره إلى موارد مالية وشخصية من شأنها أن تؤمن له الصحة الجيدة، تصبح هنا التربية القوية أكثر أهمية للحماية من الأمراض. وبالتالي، ليس من المستغرب أن المخاطر الصحية الكبيرة تكون ملحوظة لدى البالغين الذين عاشوا طفولة مليئة بسوء المعاملة والإهمال.

دراسة

لدراسة أهمية علاقة الأم بابنها خلال مرحلة المراهقة في الحماية من الأمراض القلبية الوعائية حتى بعد مرور عشرات السنين، أجرى جينالي دوم ومجموعته من الباحثين دراسة شملت 11 ألف مشارك من مشروع {إضافة الصحة}.

تناولت الدراسة وجود شخصية الأم في المنزل خلال مرحلة المراهقة (أم أو بديلة لها)، ونوعية علاقتها بابنها في مرحلة المراهقة. كان متوسّط عمر المشاركين حين تم تقييم حالتهم للمرة الأولى 15.3، و28.7 حين خضعوا لفحص الإصابة بالأمراض القلبية الوعائية.

تضمّن قياس نسبة دعم الأم الاستفسار من المراهقين أولاً عن رأيهم بنوعية علاقتهم بأمهاتهم. كذلك شعور أمهاتهم تجاههم. وتلّقت الأمهات أيضاً استمارات تسألهن عن نوعية علاقتهنّ بأولادهنّ، تضمّت فقرات حول مدى ثقتهن بأولادهن حين كانوا بسن المراهقة وكم كنّ راضيات عن العلاقة بينهما. بالإضافة إلى أسئلة عن دعم الأم، أجاب المراهقون أيضاً عن أسئلة حول صحّتهم بشكل عام، ووضعهم الاجتماعي والاقتصادي ومستوى الفقر في الحي الذي ترعرعوا فيه والمستوى التعليمي لدى الوالدين والمتغيرات الديمغرافية العامة.

بالنسبة إلى المشاركين في منتصف مرحلة البلوغ، قاس الخبراء نسبة خطر الإصابة بالأمراض القلبية الوعائية في المستقبل من خلال استخدام نتيجة المخاطر فرامنغهام. تقدّر هذه النتيجة احتمال تطوير المشاكل القلبية الوعائية خلال الثلاثين سنة المقبلة عبر دراسة مجموعة عوامل تشمل العمر والجنس ومستويات الكولستيرول وضغط الدم وعوامل نمط الحياة مثل التدخين. كذلك شملت الدراسة عوامل أخرى مثل الوزن والتاريخ الطبي ومعدّل استهلاك الكحول والمشاكل المالية وقرارات الحياة عموماً.

كما كان متوقعاً، أظهرت النتائج أن العلاقة القوية بين الأم وولدها في سن المراهقة مرتبطة بنسبة خطورة منخفصة بالإصابة بأمراض قلبية وعائية في الحياة المستقبلية. ظلّت هذه العلاقة قوية بصرف النظر عما إذا كان المشاركون قد نموا في أوضاع اقتصادية واجتماعية منخفضة أو مرتفعة. كان التأثير الوقائي للعلاقة الجيدة مع الأم كبيراً، خصوصاً لدى المشاركين الأميركيين من أصل أفريقي، وأكّد ذلك أن دعم الأم قادر على الحماية من المشاكل التي يسببها وضع الأقلية.

نُسب دعم الأم الجيد أيضاً إلى نسبة أقل من الكآبة في المستقبل من خلال عوامل أخرى مثل الضغوطات المالية المهمة أيضاً.

قيود أساسية

كانت لدى الباحثين الذين أجروا الدراسة قيود أساسية، بما فيها أنها لا تدرس سوى الرابط بين دعم الأم والصحة حتى منتصف مرحلة البلوغ. كيف يمكن أن يصبح رابط الأمومة القوي في مرحلة المراهقة أقل أهمية حين يتقدّم الأشخاص بالعمر. رغم ذلك، تؤكّد الدراسة أن التربية الجيدة غاية في الأهمية خلال مراحل النمو الأساسية مثل المراهقة. قد يعني ذلك أيضاً أن البرامج التي تشجّع التواصل الأفضل بين الأمهات وأولادهن المراهقين قد تحقق فوائد صحية مهمة في المستقبل.

بينما لا نزال بحاجة إلى مزيد من البحوث، ثمّة دليل واضح مسبق يدلّ على أن البداية الجيدة في الحياة قد يكون لها تأثير كبير في الخيارات المستقبلية في الحياة. نظراً إلى التكاليف المالية والاجتماعية المرتبطة بالأمراض القلبية الوعائية وأشكال أخرى من الأمراض الخطيرة، قد يكون القول المأثور {إن أفضل علاج في العالم هو غمرة الأم} دقيقاً أكثر مما تتخيّل.

back to top