لمَ تتناول هذا الطعام أو ذاك؟
تملك الكاتبة والمؤرخة البريطانية في مجال الطعام بي ولسون بعض الأفكار عن كيفية تعلمنا تناول الطعام وعن المشاكل التي يسببها لنا ذلك.
يُعطى بعض الأطفال الذين لا يستطيعون تحمل أنواع الحليب الاصطناعي المعدة من حليب البقر أو حليب الصويا بدائل قابلة للهضم، علماً أن الأخيرة شديدة الحموضة. ولكن في دراسة شملت اثنين من أنواع الحليب هذه يختلفان قليلاً من حيث الطعم، فضل الأطفال أول نوع أعطي لهم. وبعد خمس سنوات، اتضح أن هؤلاء الأطفال يملكون مشاعر إيجابية بشأن الأطعمة الحامضة، مقارنة بالأطفال الآخرين.تبين أن ما نتناوله في الطفولة يؤثر إلى حد كبير في ما نأكله عندما نصبح بالغين. وهنا تكمن المشكلة، وفق الكاتبة والمؤرخة البريطانية في مجال الطعام بي ولسون. يتناول كتابها الجديد First Bite (القضمة الأولى) ما يخطئ فيه الأهل عندما يطعمون أطفالهم ولمَ ما زال بإمكاننا تبديل عاداتنا الغذائية.يملك الناس من ناحية فيضاً من المعلومات بشأن الغذاء. فقد تحول الطعام إلى هوس في الحوارات. أجرى عالم النفس بول روزين دراسة شهيرة تناولت كيفية ربط الفرنسيين مثلاً عبارة {كعكة بالشوكولاتة} بالمتعة، في حين أن الأميركيين يربطونها بالشعور بالذنب. لكننا من ناحية أخرى لا نملك معلومات كافية عن الوجه الحسي. على سبيل المثال، إن أمكنك تناول رقاقات البطاطا ببطء وأنت تفكر {قد يعود عليك ذلك بالفائدة لأنني أمضغ الطعام}، فقد تتمكن من إحداث تغييرات كبيرة. ولكن إذا اكتفيت بالحصول على المعلومات، فلن تقوم بأي تغيير. إذاً، نستطيع تناول الطعام بطريقة أفضل. ولكن من بين المسائل المهمة التي اكتشفتها أن النصيحة لا تأثير لها، حتى لو كانت منطقية.لن نتمكن من تحسين طريقة تناولنا الطعام، إلا إذا قمنا بذلك من خلال المتعة. فإن كنت تعتقد أن ثمة مَن يقف خلفك ويرغمك على اتباع نظام غذائي أفضل، فلن يُعتبر هذا موقفاً سليماً. بالإضافة إلى ذلك، نلاحظ نوعاً من التزمت من مجموعة {الطعام الصحي} التي تقول إن عليك ابتلاع بعض المكونات كفرض واجب من دون الاستمتاع بها. في المقابل، نلاحظ تلك الروح لدى الليبرالين الذين يعتبرون أي محاولة لحملهم على تناول الخضراوات مجرد عمل ينتهك خصوصياتهم.تبقى الفرص الكبرى لتعلم هذه المسائل خلال السنوات الأولى من الحياة. ولكن فيما نتقدم في السن، نكون أكثر انفتاحاً على التغيير أكثر مما نظن على الأرجح. على سبيل المثال، إن كان أولادك لا يتناولون عذاء صحياً، فقد يقعون في حب شخص يتبع عادات صحية ممتازة. أو قد ينتقلون إلى بلد آخر أو قد يقررون من تلقاء ذاتهم أن عليهم التغيير. صحيح أن كل هذا لا يُعتبر أمراً طبيعياً ونتعلمه من خلال التأثيرات الخارجية أو التعرض له، إلا أننا نصعب تغييراً مماثلاً، إن لم نبذل الجهد الكافي خلال تلك السنوات الباكرة.حب الخضراوات والفاكهةنظراً إلى تجاربنا الخاصة، نفترض أن الأولاد لن يحبوا السبانخ لأننا نعتقد أنها بغيضة لن تروق لهم. نحب أولادنا كثيراً، ونود أن نرى الابتسامة على وجوههم. ولكن إن كففنا عن القلق إلى هذا الحد بشأن رد فعلهم الأول بشأن الطعام، نصبح أفضل حالاً. وإن ألححت، فستلاحظين أن الأولاد سيحبونها، شرط أن تطعمينهم إياها أنت بنفسك مع ابتسامة عريضة ودفء عارم. نتصرف بطريقة خاطئةلا أود أن أصدر الأحكام. فقد اقترفت أنا نفسي الكثير من الأخطاء، حتى إنني أرغمت أولادي الصغار أحياناً على تناول بعض الأطعمة، علماً أنني أملك معلومات تفوق ما يكتسبه الإنسان العادي في هذا المجال: كنت كاتبة في مجال الطعام، وأنا امرأة مثقفة. عرفت أن هذا خطأ، إلا أنني تأثرت كثيراً أثناء تناول الوجبات. أعتقد أن أفضل طريقة نستطيع من خلالها تغيير الطريقة التي نطعم بها أولادنا (علماً أن توجيه هذه النصيحة أكثر سهولة من تطبيقها) التفكير على الأمد الطويل بدل صبّ كل اهتمامنا على إدخال طبق محدد إلى أفواههم.كعكة عيد الميلاد والحلوىتشكل هذه جزءاً من المشكلة الكبرى. عند تناول الأطعمة المخصصة للاحتفالات كوجبة يومية، فكيف يشعر الولد بالفرح عندما يحين عيد ميلاده وتقدمي له قالب حلوى؟ نسلب الأولاد الإحساس بالمكافأة والحماسة والمتعة الذي حظي به الجيل السابق. لكن هذا الإحساس يُعتبر جزءاً أساسياً مما نتناوله. فالطعام ليس وقوداً فحسب، بل جزء من ثقافتنا.مراهقون يتناولون سكاكر شبيهة بالمصاصات؟أضف إلى ذلك اتباع بعض عارضات الأزياء المشهورات أنظمة غذائية مخصصة للأطفال. يتمتع الإنسان برغبة قوية في الرجوع بطعامه إلى الوراء. أظن أن هذا يشكل جزءاً من رغبتنا في التخلي عن مسؤولياتنا. يمثل الحنين والذاكرة عاملين قويين في صوغ رغباتنا. صحيح أن مص حلوى مليئة بالسكر لا يشكل خياراً صحياً، إلا أنه يبدو منطقياً نظراً إلى الطريقة التي تربينا بها.