الجاسوس النبيل... حياة روبرت أيمز وموته (الحلقة الثانية)

نشر في 25-01-2016 | 00:01
آخر تحديث 25-01-2016 | 00:01
أحب الحضارة العربية والثقافة السائدة في شبه الجزيرة
شخصيات أميركية عديدة برعت في مجال الجاسوسية وأجهزة المخابرات، غير أن روبرت أيمز يتفرد بصفات قلما تحلى بها جاسوس غيره، هذا الشاب المولود عام 1934 في فيلادليفا لأبوين فقيرين، إضافة إلى شقيقتين.

كان مولعاً بالقراءة منذ صغره "يلتهم الكتب التهاماً"، فعندما كان في العاشرة، قرأ موسوعة "الإنسكلوبيديا البريطانية"، وكان شديد التدقيق في التفاصيل، ثم تخصص في "الاجتماع وعلم النفس"، إلى جانب موهبته المميزة في تعلم اللغات، التي مكنته من إتقان الإسبانية والفرنسية.

 كان يطمح إلى الالتحاق بمكتب التحقيقات الفدرالي، وعندما دُعي إلى الخدمة العسكرية عام 1956، وضع في شعبة الاتصالات العسكرية في الشرق الأوسط، فأرسل إلى "أسمرة" بأريتريا في مركز للتنصت، وهو ما فتح عينيه على عالم المخابرات، ليقوده هذا العالم إلى تعلم العربية قبل انتهاء خدمته.

في أواخر الستينيات عرضت عليه وكالة المخابرات المركزية عملاً براتب 5000 دولار سنوياً، فالتحق ببرنامج تدريبي وعُين في قسم الشرق الأدنى بـ"جناح النخبة"، وأرسل إلى القنصلية الأميركية بالظهران في السعودية، ليلتقي بشخصيات ورجال أعمال وسياسيين على أرفع المستويات في كل من السعودية وعُمان ولبنان والعراق وإيران، فضلاً عن قادة من جبهة التحرير الفلسطينية، استفاد منهم في مهامه المخابراتية. رقي إلى مناصب عدة في الوكالة، أهمها رئيس قسم عمليات الشرق الأوسط وشبه الجزيرة العربية عام 1975، ولا يمكن لأحد أن ينكر أن أيمز، الذي خطفه الموت في تفجير ببيروت، هو مهندس اتفاق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، كما أن معظم التقارير التي كان يرفعها إلى الوكالة ما زالت سرية حتى اليوم، ولعل الأيام المقبلة قد تظهر تفاصيل أدق عن مغامرات هذا الجاسوس النبيل.

"الجريدة" تنشر على حلقات أهم أحداث كتاب "الجاسوس النبيل" من تأليف كاي بيرد، وترجمة د. محمد جياد الأزرقي:

في مساء الاثنين الموافق 2 أكتوبر 1967 غادر بوب أيمز لندن إلى القاعدة الأميركية في طرابلس عاصمة ليبيا، ومنها إلى نيروبي، وأخيراً نزل في عدن.

وفي الوقت الذي وصل فيه أيمز إلى عدن كان الحي الأوروبي في المدينة مهجوراً، وحصل خلال أسبوع من وصوله على دار مؤثثة فيها ثلاث غرف في خور مكسر تطل على بحر العرب، ورغم أن أيمز كان رقيقا فإنه لم يكن يحب البريطانيين، الذين كانوا يمثلون القوة الكولونيالية، وبرأيه أنهم عديمو الحساسية تجاه عادات العرب وتقاليدهم، وتنقصهم المعلومات حول سياسات اليمن وتاريخه، وخلال زيارته للسوق كان يلاحظ رشاشاتهم وقد نصبت خلف حواجز الأكياس الترابية عند كل تقاطع.

حبه لشبه الجزيرة

لقد جذبت الحياة والعمل في شبه الجزيرة العربية أيمز، وهي دليل على تأثره برومانسية من نوع ما، إلا أنها لم تكن رومانسية سطحية، كان على وعي تماماً باللاعقلانية والعقم والتظاهر بالشجاعة واللغة المنمقة السائدة في المنطقة، وكان مستعرباً ذا فضول حقيقي ومشاعر ودية تجاه الحضارة العربية، خصوصا الثقافة السائدة في شبه الجزيرة العربية، وكان يتفاخر بزيادة معرفته، ولم يتردد في الابتعاد عن أولئك الذين اعتقد أنهم جهلة.

بعد أيام قليلة أعلن البريطانيون فجأة أن قواتهم العسكرية ستغادر عدن في نهاية نوفمبر، وأعطى ذلك لهم فترة شهر أو شهرين للتخطيط، لقد قرر البريطانيون أنه ليس من مصلحتهم تقديم مزيد من الضحايا، وأدى ذلك القرار إلى اندلاع الخلافات بين قوات جبهة التحرير الوطني NFL وجبهة تحرير اليمن الجنوبي المحتل FLOSY. فكتب يقول "تدور حرب أهلية على بعد خمسة أميال مني... على الأقل كان هناك مئة قتيل ونحو ثلاثمئة جريح عدا كثير ممن اختطفوا أو اغتيلوا، سيطرت NFL على المناطق الريفية خارج عدن، وكذلك بعض الأحياء داخلها مثل التواهي ورأس الميناء والمعلّى، وأصبحت تلك الضواحي تحت سيطرت الجبهة بعد إبادة أعضاء جبهة FLOSY الموجودين فيها".

وكما كان متوقعا سيطرت "NFL" على الموقف "ورفعت أعلامها في كل مكان، ويبدو أن البريطانيين سيسلمونهم الحكم. ملأت روح الانتصار الأجواء".

راقب أيمز انسحاب القوات البريطانية على ظهر حاملة الطائرات HMS Albion، وكان سعيدا أن يراها ترحل عن عدن، وأُعلِن الاستقلال الرسمي للبلد بتاريخ 29 نوفمبر، فاندفعت الجماهير نحو الشوارع تحتفل، وأقيمت أقواس النصر المغطاة بسعف النخيل وأعلام جبهة التحرير الوطنية بألوانها الأحمر والأبيض والأسود، كانت شاحنات النقل المفتوحة تحمل الثوار وهم يلوحون ببنادقهم، ويرددون شعارات معادية للبريطانيين، حضر المراسم نحو خمسين ألف مواطن، ليستمعوا إلى خطاب الرئيس الجديد قحطان الشعبي وغيره من قادة البجهة، وهم يلقون الخطب الحماسية.

وقف أيمز الساعات الطويلة تحت الشمس الحارقة وهو يدون ملاحظاته عن خطب الرئيس وأعضاء الحكومة، ومن المدهش أنه الوحيد بين منتسبي القنصلية الذي يعرف اللغة العربية إلى الحد الذي مكنه أن يستمع للخطباء، ويدون ما يقولون.

كما أن أيمز اعتقد أن موظفي القنصلية ليس عندهم تعاطف ومشاركة مشاعر لما يحدث في عدن، فكتب معلقا "أعتقد أن قضية الاستقلال شيء مفرح، وأنت ترى حماس الشعب وانشراحه بعد مئة وثمانية وثلاثين عاماً من التسلط البريطاني. هذا أمر يجب أن ينتقل كالعدوى، ولكن عندما رجعت إلى القنصلية شعرت بالانكفاء هنا"، مشاعر الحرية والاستقلال التي تعم الشارع قد ضاعت بين الأفراد المتذللين الذين يشكلون جهاز القنصلية.

ملحق صحافي

خلال فترة الانتقال القصيرة أصبح عمل أيمز ملحقا صحافيا، وهو الأمر الذي مكنه من حضور المؤتمرات الصحافية لمسؤولي الحكومة، وأن يختلط بالمراسلين الأجانب الذين تدفقوا إلى عدن عاصمة الدولة الجديدة، حيث عادت الحياة إلى طبيعتها في الأسابيع التالية، فكتب في ذلك "بدأ الناس يطلون برؤوسهم ولكن بحذر، لكنهم يدركون الآن أنه لا أحد سيطلق النار عليهم".

بدأت حكومة الجبهة تعيد النظام والأمن تدريجياً، وأصبح مأموناً له ولزملائه أن يسافروا إلى المناطق الريفية، فذهب إلى مدينة لحج، وهي مدينة إلى الشمال من عدن، وتتطلب يوما للسفر بالسيارة، استمتع بقطع المناطق الوعرة ومر بسيارته بين القلاع العربية القديمة، وقوافل الجمال والقرى المبنية من الطين.

نادراً ما وُجِد أيمز في مبنى القنصلية، ورغم المخاطر في الشوارع أمضى معظم وقته وهو يحاول بناء علاقات مع الناس مستخدماً صفته الرسمية كملحق تجاري، "ذهبت إلى كل الأحياء في عدن، ودخلت الأماكن التي لم أجرؤ على دخولها من قبل".

يقول هنري ملر جونز: "لا أتذكر أنه كانت لديه قائمة طويلة من المخبرين الذين يدفع لهم الأموال. لم يكن من النوع المتحمس لتجنيد المخبرين كيفما شاء، كان من النوع الذي يبني علاقات شخصية ذات معنى مع أشخاص مهمين لهم قيمة عالية، وإذا شعر أنه يمكن أن يأتي بهم بالتدريج إلى الموقف الذي يدفع لهم فيه الأموال فإنه يفعل ذلك، فمعرفته بالمنطقة وثقافة أهلها مكنته من الحصول على معلومات مهمة من أؤلئك الأفراد بدلاً من الصيغة الرسمية للحصول على الأموال مقابل الخدمات، كان يهتم بالقضايا بدلاً من الاهتمام بالشكليات.

التقى أيمز عبدالفتاح إسماعيل خلال جلسة أو جلسات لمضغ القات في "ديوانية" شخص ما، وُلد إسماعيل عام 1939 في شمال اليمن وواصل دراسته في عدن عندما التحق بكلية التكنولوجيا، بعد التخرج عمل في التدريس فترة قصيرة ثم انخرط في نشاطات اتحاد العمال، كان عقائديا، قرأ الكتب الماركسية، حين التقى به أيمز كان عمره ثمانية وعشرين عاما.

 وقبل أربع سنوات كان إسماعيل من القادة الذين أسسوا جبهة التحرير الوطنية NFL، أخبر أيمز بعد سنوات مدير الوكالة وليم كيسي أنه صادق ذلك الشاب الثوري، أو على الأقل أنه حصل على ثقته، أخبر إسماعيل أيمز أنه ينوي أن يغير كل شيء.

كان أيمز مستمعا صبورا، وسبق أن أعلم زملاءه بغضبه من سلوك الجنود الهنود في الجيش البريطاني، فليس مستغربا أن يعبر لشخص كإسماعيل عن تعاطفه معه في صراعه ضد الاستعمار، وبحلول شهر ديسمبر كان التقى كثيرا من وزراء الحكومة الجديدة.

عين إسماعيل وزيرا للثقافة في حكومة الجبهة، غير أن الجناح اليميني فيها ألقى القبض عليه وأبعده إلى المنفى في شهر مارس من عام 1968، لكنه تمكن في صيف عام 1969 من قيادة "حركة تصحيحية" داخل الجبهة أو بالأحرى قاد انقلابا داخليا، وأصبح السكرتير العام للجبهة، وعضوا في المجلس الرئاسي، وفي منصب كهذا أصبح فعليا قائد البلاد.

بوب والكبيسي

في أحد الأيام وفي حين كان بوب يسبح في نادي غولد موهر الساحلي سبح باتجاهه ثلاثة شبان عرب من النادي المجاور، سأل أحدهم موظفا في القنصلية كان يسبح هناك، كيف يمكنه أن يتصل بالسيد بوب، فقال الموظف بالتأكيد نجده في مبنى كالتكس، فشكر أيمز ذلك الموظف فيما بعد.

أصبح ذلك الشاب أحد مصادره، وُلد باسل رائد الكبيسي في العراق، وحصل على الشهادة الجامعية الأولية من كلية آدمز الحكومية في كولورادو، والماجستير من جامعة هورد في العاصمة الأميركية، والدكتوراه من الجامعة الأميركية في المدينة نفسها، كتب أطروحته عام 1971 عن حركة القوميين العرب ANM بين 1951 و1971 من جماعة ضغط إلى حزب اشتراكي.

زار الكبيسي عدن في 1967 -1968 لمقابلة بعض الأشخاص في عدن لكتابة أطروحته في شهر يوليو 1967 مثلا، وقابل قحطان الشعبي عضو حركة القوميين العرب الذي أصبح فيما بعد رئيسا لجمهورية اليمن الجنوبية الديمقراطية، كما قابل جورج حبش الذي كان وقتها طالبا في كلية الطب، كما قابل نايف حواتمة قائد الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وحظي بمقابلة وديع حداد الذي أصبح العقل المدبر لعمليات الجبهة الديمقراطية لاختطاف الطائرات في مطلع السبعينيات.

لا نعرف بالضبط دوافع الكبيسي للاتصال بأيمز في عدن، لكننا على يقين أن الأخير اعتبر ذلك الأكاديمي العراقي مصدراً لا يقدر بثمن لمعلومات عن جيل عربي جديد متطرف، كان أيمز يجيد تجنيد الوكلاء حسب قول ضابط سابق في الوكالة، لأنه يعرف كيف يوازن بين اهتمامات الشخص المستهدف واهتماماته هو، إنه يجعل المقابل يعتقد "أن نتحدث معا أمر فيه مصلحة لكلينا".

 قد يكون الكبيسي مصدراً من مصادر معلومات أيمز لا عميلا تلقى أجراً بصفة رسمية، نعرف أنهما تقابلا وتعارفا في عدن، ربما كان الكبيسي سعيدا بمن يرغب الاستماع إلى ما كان يفعله خلال بحثه عن حركة القوميين العرب، يقول موظف الخارجية الذي دل الكبيسي على كيفية الاتصال بأيمز "كان بوب مستمعا جيدا".

ولأن الكبيسي درس في الولايات المتحدة، فمن المفترض أن يجعله ذلك منفتحا للتحدث مع مسؤول أميركي، فهو لا شك يعرف بوضوح الوضع في الولايات المتحدة، وربما كان يرمي إلى مساعدة أميركا وبالذات عن طريق أيمز للتعرف على الطموحات العربية.

 كما أننا نعرف من وثائق سرية جدا من وزارة الخارجية البريطانية عن مذكرة تتحدث عن الكبيسي أنه كان مصدر معلومات لها عام 1963 عن حركة القوميين العرب، ولذلك فإن للرجل خبرة في التعاطي مع المخابرات الأجنبية، ولاشك أن مشاعر الكبيسي الواضحة تجاه تلك الحركة والقضية الفلسطينية فتحت له الأبواب لدخول دوائر المثقفين العرب اليساريين، وفي الوقت نفسه فإن اهتمام أيمز بتاريخ الحركة وتعاطفه مع القضية الفلسطينية قد زادا من انجذاب الكبيسي نحو أميركا.

غادر مارش نينر عدن في أواخر تلك السنة وحل أيمز محله مديراً للمحطة، إذ يعتبر ذلك ترقية مهمة بالنسبة إلى شخص يبلغ من العمر أربعة وثلاثين عاماً.

فتح سفارة بعدن

تحولت العلاقة السياسية نتيجة نشوء الدولة الجديدة، وتطلبت فتح سفارة بدلاً من القنصلية، غير أن تلك العلاقة مع الحكومة الجديدة لم تكن سهلة، ولو استعدنا الأحداث لوجدنا أنه كان أمرا غريبا أن وافقوا على رفع العلاقة القنصلية إلى درجة سفارة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار طبيعة النظام الجديد وتطرفه الفكري، غير أنه بتاريخ 24 أكتوبر 1969 قطع اليمن الجنوبي علاقاته مع الولايات المتحدة، بعد أن ندد بقرار إدارة نيسكون تزويد إسرائيل بمقاتلات فانتوم.

بعد أيام قليلة طار بوب إلى العاصمة واشنطن ليقدم شخصياً إلى مكتب الوكالة في لانغلي تقريره عما جرى، ومكثت العائلة هناك حتى فصل الربيع عام 1970 حين تسلم ايمز أمرا بنقل عائلته إلى بيروت، وفي الوقت نفسه كان بوب قد أمضى معظم العام الماضي متنقلا بين واشنطن وأسمرة وبيروت، التي لم تكن خالية من المخاطر تماماً قبل فترة قيام الحرب الأهلية.

عمل ايمز بإمرة مدير المحطة جين برغستولر، الذي يعتبر من جيل الرواد في الوكالة، خدم في برلين ثم تولى بعد ذلك إدارة مكتب الوكالة في باريس، أعجب ايمز به، واعتقد أنهما كونا فريق عمل جيدا في محطة بيروت، كان زميله من أيام عدن هنري ملر جونز يسكن في بيروت أيضاً، درس ملر العربية في بيروت مدة عام، ثم صدرت الأوامر بنقله إلى دمشق ليتولى تجنيد العملاء هناك، كانت تلك مهمة شاقة، لأن سورية بلد مغلق أمام نشاط الوكالة، كانت أيضاً خطيرة لأنه كان مطلوبا منه أن يجمع المعلومات حول النشاطات السوفياتية في الشرق الأوسط، سخر ايمز من تلك المهمة، واعتقد أن السوفيات كانوا بلاشك هدفا ثانويا في مكان كبيروت.

في أواخر 1969 قابل ايمز شابا لبنانيا عمره سبعة وعشرون عاما، كان قد قضى المرحلة الجامعية في كلية في وسط غرب الولايات المتحدة اسمه مصطفى زين.

أمضى مصطفى المولود في 1942 طفولته في لبنان، وهو ينحدر من أسرة لبنانية جنوبية متوسطة الحال في مدينة صور الساحلية، وكان الشيعة حينئذ الطبقة المسحوقة، وتعاطف زين مع اللاجئين الفلسطينيين الذين كانوا أيضا لا يملكون أرضاً مثل الشيعة في لبنان، وليس لهم صوت في قضاياهم بين القوى السياسية.

في أواخر عام 1964 انتقل زين إلى القاهرة، والتحق بكلية الطب غير أنه ترك الدراسة بعد سنة وتفرغ للعمل في ميداني السياسة والتجارة، تعرف في تلك السنة إلى عدد من الشخصيات المعروفة، والتقطت له صورا مع الملك حسين في العام نفسه، وفي شهر ابريل حظي بمقابلة الرئيس المصري عبدالناصر، وحصل في عام 1968، عندما كان عمره ستة وعشرين عاما، على منصب مستشار خاص لحاكم أبوظبي الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وأصبح المستشار الاستراتيجي للشيخ ومترجمه حين يجتمع مع الأميركيين والبريطانيين، وهما القوتان المتنافستان على قيادة الإمارات العربية على الساحل الشرقي لشبه الجزيرة ورسم مستقبلها.

التقى زين أيمز في بيروت أواخر 1969، وبدأ حديثه برواية بعض النكات اللبنانية، يتذكر زين قائلا: "افتتح اللقاء بإخباري أنه يعرف تفاصيل حياتي"، لقد قرأ ملف الوكالة عن الشاب اللبناني ويعرف دوره في منظمة الطلبة العرب في نيويورك، ويعرف فحوى البرقية التي بعثها إلى روبرت موزس عام 1964 التي تظهر أن مصطفى قادر على أخذ المبادرة في الوصول إلى أشخاص مهمين، بل أيضا له رغبة صادقة في "مد الجسور" بين شعبه وأميركا، اتسم حديثهما بالصراحة. أخبره زين انه "يعرف من هو، وان ذلك امر لا يزعجه اطلاقا".

في وقت ما عام 1969 اقترح أيمز على المكشوف أن مصالحهما مشتركة، وربما من الأفضل أن يعملا معا، ولا شيء أكثر من ذلك، وأخبره أنه أكفأ عربي قادر على بناء الجسور رغم الاختلافات السياسية والثقافية بين أميركا والعالم العربي.

 طلب بوب من زين أن يعرفه على بعض أصدقائه، فهو أفضل "من يسهل الاتصال بالمخبرين"، وكان زين يقوم بمثل هذا الدور خير قيام، لكنه رفض أن يتسلم أجورا مقابل جهوده، كما رفض أن يوقع أي عقد مع الوكالة لهذا الغرض، التي ذكر أحد ضباطها ممن عملوا معه "كنت معجبا جداً بمصطفى"، لكنه كان يعرف أن زين يتمتع "بشخصية تميل إلى الاستحواذ"، إذ كان تمسك بتقاليد مجتمعه العربي وكان لباسه حديثاً من غير مغالاة.

كان أيمز يتخذ من علاقات الصداقة وسيلة لتجنيد العملاء، وبذلك أصبح مصطفى صديقاً مقرباً للعائلة، وبدأ أيمز يشير إلى زين في برقياته المرسلة إلى لانغلي باسم "النبي" بسبب ذكائه، ولأنه يعرف أنه كان يحب كتاب "النبي" الشهير لجبران خليل جبران.

بوب: سلطان عمان سيخضع لإرادة التغيير يوماً ما

رافق أيمز القنصل العام إيغلتن بتاريخ 28 أكتوبر في رحلة إلى سلطنة عمان ومسقط، فكتب لزوجته "هذه واحدة من السلطنات المعزولة التي رغبت دوما في زيارتها"، حيث استقلا طائرة عسكرية نقلتهما إلى صلالة حيث يقيم السلطان سعيد بن تيمور في قصر من الطين، وأخبر زوجته: "أعتقد أنك ستحبين مسقط وصلالة أيضاً، الناس هنا طيبون يفيضون بالكرم العربي، في التلال الجرداء خلف صلالة يمكنك أن تجدي نباتات البخور، هي المكان الوحيد في العالم الذي يوجد فيه مثل هذا النبات، وهناك ظفار، وهي البلاد التي جاء منها الرجال الحكماء. حصلت على بعض البخور وسأبعث به إلى البيت في أقرب وقت ربما في فترة الأعياد".

كتب أيمز لزوجته "اجتمعنا مع السلطان وابنه قابوس، وهما رجلان ساحران، لا يمكن القيام بأي شيء دون موافقة السلطان". بعد اللقاء انفرد به الابن البالغ سبعة وعشرين عاما وأخذه لزيارة حدائق القصر، ثم تناول وجبة غذاء، أسرّ له قابوس بأن والده قد وضعه رهن الإقامة الجبرية، إثر تخرجه في أكاديمية ساندهرست العسكرية البريطانية.

 فوجئ أيمز بأن الابن سمح له فقط بقراءة بعض الكتب والاستماع إلى قليل من الاسطوانات الموسيقية، وكان يتعين عليه أن يطلب السماح من والده ليقابله، من الواضح أن هذا الموقف لا يمكن تبريره، فتوقع أن "السلطان سيخضع لإرادة التغيير في يوم ما".

كان على حق عندما اعتقد أن حكم السلطان لن يدوم، فبعد ثلاث سنوات قام قابوس بن سعيد بانقلاب داخل القصر واستولى على السلطة خلفاً لوالده، في الحقيقة لقد وضع السلطنة على أعتاب التحديث، فقد بنى المدارس وعبّد الطرق وغيرها من سبل بناء الدولة الحديثة، ومع ذلك فإنه احتفظ لنفسه بالحكم المطلق.

بوب يجنّد أول رئيس يمني عقب الاستقلال

عرف زملاء أيمز في لانغلي أنه استطاع أن يجند للمستقبل رئيس دولة، فالتعرف إلى الناس المهمين هو تعريف لمهارة التجسس الجيدة، كل شيء يدور حول التقرب من الأشخاص الأقوياء ذوي النفوذ. من الصعب حتى الآن معرفة ماذا حقق أيمز أو واشنطن من توطيد تلك العلاقة، كما أنه من الصعب معرفة ماذا حصّل إسماعيل منها، لربما كان ذلك الشاب الثوري يشعر بالقوة إلى الحد الذي جعله يثق بضابط الوكالة، لكن أيمز حصل على فرصة أن يفهم عقلية شخص أصبح لاعبا كبيرا في سياسة بلده، لم يعنه في شيء أن إسماعيل كان خصما عقائديا، لم يكن يعنيه أن يكون له سيطرة على مصدر معلوماته، إلا أنه، أي إسماعيل، أصبح بمثابة نافذة يطل منها على ذلك العالم الغريب الذي اسمه اليمن.

back to top