العالِم تيد دينان... نستخدم البكتيريا لتبديل الدماغ عبر الأمعاء
صحيح أن البكتيريا لا تفوق خلايانا عدداً بنحو 10 إلى 1، كما تشير الخرافة القديمة، إلا أننا نحمل التريليونات من الكائنات المجهرية. وتُعتبر فكرة أن الأخيرة تؤثر فينا بقدر ما نؤثر فيها أو ربما أكثر مثيرة للاهتمام، وقد تناولتها علاجات زراعة البراز وتسلسل الميكروبيوم. كذلك يرغب بعض الباحثين في استغلال هذه الفكرة نفسياً. لذلك يصبون اهتمامهم على علم النفس الحيوي: البكتيريا التي تشكّل رابطاً بين الأمعاء والدماغ.من العلماء الذين يطورون المفاهيم الأساسية في هذا المجال تيد دينان، عالم نفس سريري في جامعة كورك في أيرلندا، صاغ المصطلح {علم النفس البيولوجي} (تكثر المقارنات بينه وبين تيموثي ليري)، ويشكّل لاعباً أساسياً في هذا الفرع الفتي من علم الصيدلة الحيوي. لكن هذا العلم ما زال في مراحله الأولى ويفتقر إلى الدراسات البشرية، ما يشكّل هوة كبيرة في علم الصيدلة. لكن هذا الأمر لا يعني أن نظرياته الأساسية لا تبدو منطقية.
أجرى موقع Inverse دردشة مع دينان حول إمكان تناولنا في المستقبل كبسولة مليئة بالبكتيريا بغية تحسين المزاج.ما الذي أثار اهتمامك بالبكتيريا التي تتمتع بتأثير إيجابي محتمل في مزاجنا وسلوكنا؟لما كنت عالم نفس يملك خلفية في علم الصيدلة العصبي، أثار اهتمامي واقع أن عدداً كبيراً من البكتيريا يستطيع إنتاج بعض أهم النواقل العصبية في الدماغ البشري، مثل السيروتونين وحمض الغاما-أمينوبيوتيريك. لا أعتقد مطلقاً أن هذه النواقل العصبية البكتيرية تنتقل إلى دماغ الإنسان، فهذا أمر مستحيل. لكني أظن أن هذه البكتيريا تستطيع إنتاج مواد تؤثر مباشرة أو غير مباشرة في عمل دماغنا من خلال العصب المبهم الذي يتصل مباشرة بالدماغ.أصبّ اهتمامي راهناً على كيفية ممارسة الدماغ تأثيره وضبطه قدرتنا على التعاطي مع الإجهاد، وعلى ما إذا كان الميكروبيوتا (النظام البيئي المجهري داخل جسم الإنسان) يتبدّل في الظروف المرتبطة بالإجهاد. وقد يعود التبدل أحياناً إلى ظروف نفسية: على سبيل المثال، يختلف ميكروبيوتا الأطفال الذين يولدون عبر المهبل عن ميكروبيوتا الأطفال الذين يولدون بجراحة قيصرية. فيحصل هؤلاء على ميكروبات من بشرة الأم والطبيب ومن أدوات غرفة الجراحة. في المقابل، ينال مَن يولدون عبر المهبل الميكروبات من مهبل الأم ومن برازها. نتيجة لذلك، يبدأون حياتهم مع ميكروبيوتا مختلف جداً. ولا شك في أن لهذا الاختلاف عواقب. على سبيل المثال، ندرك أن الأطفال الذين يولدون بجراحة قيصرية يكونون أكثر عرضة للحساسية والربو ممن يولدون عبر المهبل. كذلك يُعتبرون أكثر عرضة لاكتساب الوزن ومعاناة السمنة، مقارنة بمن يولدون عبر المهبل.ولكن إن تبدل الميكروبيوتا نتيجة ظروف معينة، مثل التعرّض للإجهاد أو طريقة الولادة، فهل نستطيع إعادته إلى طبيعته بتزويد الجسم ببكتيريا {جيدة}؟ تمكنّا حتى اليوم من تحديد عدد من البكتيريا التي نعتقد أنها تتمتّع بما دعيناه إمكانات نفسية حيوية. ويبقى هدفنا الأهم خلال السنوات القليلة المقبلة تطوير علم نفس حيوي يستطيع معالجة حالات الكآبة والقلق الخفيفة.لنفترض أن إنساناً يحمل ميكروبيوتا متبدّلاً يعاني الإجهاد. فهل الإجهاد هو سبب تبدّل البكتيريا أم أن البكتيريا غير الطبيعية هي سبب الإجهاد؟تُعتبر هاتان الحالتان ممكنتين، خصوصاً إن كنا نتمتّع بنظام تواصل مزدوج الاتجاه. على سبيل المثال، إن تعرضت القوارض للإجهاد في مرحلة مبكرة من حياتها، خلال الأيام الأولى بعد الولادة مثلاً، يكون لذلك تأثير في مجموعة الميكروبات في جسمها يدوم حتى مرحلة البلوغ.أعتقد أن من الممكن أيضاً أن يتبدّل الميكروبيوتا نتيجة عوامل أخرى غير الإجهاد. إليك مثالاً على ذلك. تناولت دراسة اسكندينافية أُجريت أخيراً مرض باركنسون. ثمة نظرية تفترض أن الأخير يبدأ في الأمعاء وينتقل عبر العصب المبهم إلى الدماغ. فقررت الدراسة تناول حالة مجموعة كبيرة ممن خضعوا لجراحة قطع المبهم في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته. ويعني هذا الأمر أن المشاركين في الدراسة أشخاص مسنون أكثر عرضة لداء باركنسون. سعى الباحثون إلى تحديد النسب والمعدلات، فتبين لهم أن خطر الإصابة بالباركنسون تراجع إلى حد كبير بين مَن خضعوا لقطع جذعي كامل للمبهم. إذاً، هذا اضطراب يبدأ في الأمعاء، بسبب الميكروبات أو ما شابه حسبما يُفترض، وينتقل عبر العصب المبهم.لم ننشر بعد نتائج دراسة أخرى أجريناها. فقد أخذنا عينات براز من عدد من مرضى الكآبة الحادة وزرعناها في قوارض. هكذا زودنا الأخيرة بميكروبيوتا بشري. عندما قمنا بعملية زرع مماثلة، طوّرت القوارض نمط سلوك يشير إلى إصابتها بالكآبة، فضلاً عن أن تفاعلاتها الكيماوية تبدلت. ولكن عندما زرعنا عينات من أناس أصحاء، لم تظهر على القوارض أي تبدلات في السلوك.هل يمكنك تحديد أي نوع من البكتيريا يؤدي إلى تغييرات مماثلة؟أعددنا رسماً مفصلاً عن الميكروبيوتا، ولاحظنا تبدلات، إلا أنني لا أستطيع أن أحدد بدقة أي نوع من السلالات يؤدي إلى تأثير مماثل. قبل نحو 20 إلى 30 سنة، كان العاملون في مجال علم النفس يبحثون عن بكتيريا قد تسبب الكآبة. ولكن ما عاد هذا الأمر رائجاً اليوم. لذلك، توقف كثيرون عن سعيهم هذا. إلا أننا نستطيع أن نستمد بعض العبر من دراساتهم.على سبيل المثال، لنتامل في داء البروسيلات المنتشر في بعض المجتمعات الزراعية حول العالم. المحيّر من وجهة نظر علم النفس أن نحو ثلث المرضى يصابون بالكآبة الحادة، مع أنهم لا يعانون أي اضطرابات في الجهاز العصبي المركزي، فضلاً عن أن هذا الداء لا يؤدي إلى أي تأثير في الدماغ. رغم ذلك، ترتفع معدلات الكآبة المرتبطة به. على نحو مماثل، إن تأملنا مرض الزهري حين كان متفشياً بكثرة في القرن التاسع عشر، نلاحظ أن مَن أصيبوا به عانوا تبدلات في المزاج. إذاً، نملك تاريخاً طويلاً يكشف عن طرق عدة تبدل فيها البكتيريا المزاج. عند التأمل في مستقبل علم النفس الحيوي، أتظننا قد نسمع يوماً طبيباً يقول لإنسان لا يعاني الكآبة السريرية إلا أنه لا يشعر أنه على ما يُرام: {إليك بكتيريا يمكنك تناولها لتحسين المزاج}؟أعتقد أن هذا أمر ممكن وأننا لم نعد بعيدين كثيراً عنه. أظن أننا سنتوصل إلى حلول مماثلة في غضون ثلاث إلى أربع سنوات، خصوصاً في حالات الكآبة أو القلق الخفيفة.ولكن لا بد من تبيه القراء إلى أن عدداً كبيراً من البكتيريا لا تأثير له. فلا ينجح الكثير منها في تخطي أحماض المعدة حيث يتفكك. إذاً، لن يكون لكل البكتيريا دور في علم النفس الحيوي. لذلك، على كل مَن يزعم أنه يملك بكتيريا لها تأثيرات نفسية حيوية أن يقدّم بيانات مهمة تبرهن ادعاءه.تأثيرات... وأسئلةإذاً، يجب ألا يستخلص القارئ من كل هذا أنه إن تناول قليلاً من اللبن سيشعر بسعادة أكبر؟كلا بالتأكيد. لا أعتقد أن تأثير اللبن النفسي الحيوي كافٍ لإحداث تبدلات جذرية في الإجهاد. فللحصول على التأثير المرجو نحتاج إلى بكتيريا يصل عددها إلى مليار في الكبسولة.لذلك، أعتقد أن الأدوية النفسية الحيوية ستأتي على شكل كبسولات، عندما تصبح متوافرة في الصيدليات. ولا أظن أننا ما زلنا بعيدين كثيراً عن ذلك.ما تأثيراتها الجانبية المحتملة؟ما من وسيلة علاج اتبعتها لمداواة الكآبة أو القلق لم يكن لها تأثير جانبي. لكنني لم ألحظ حتى اليوم أي تأثيرات جانبية للعلاجات النفسية الحيوية. صحيح أن بعضها يؤدي إلى زيادة في الوزن أو ربما الإمساك، ولكن هل وقعتُ على علاج مماثل يؤدي إلى تأثيرات جانبية كبيرة؟ كلا.ما الأسئلة المهمة التي لا تزال عالقة؟نملك اليوم فيضاً من دراسات تُجرى على القوارض. إلا أننا نواجه ندرة في الدراسات التطبيقية. لذلك نحتاج خلال السنتين إلى السنوات الخمس التالية إلى تطبيق بعض هذه الاكتشافات على الناس. ويشكّل هذا التحدي الأكبر الكامن أمامنا.على المنظمين أيضاً التكيّف مع الوضع الجديد، فلن تشكّل العلاجات النفسية الحيوية أدوية تتبع منحنى محدداً يُظهر ردود الفعل والجرعات المرتبطة بها. فمن الصعب تطبيق علم الصيدلة التقليدي، الذي يرتبط بالجزيئات الصغيرة، على العلاجات النفسية الحيوية. ولا شك في أننا نحتاج إلى المقدار عينه من الصرامة. ولكن ثمة تحديات أو أسباب كثيرة تُظهر، في رأيي، لمَ يختلف تطوير هذه العلاجات عن ابتكار تلك الجزيئات الصغيرة. فهي لا تتألف من جزيئات بل من كائنات حية، وهي لا تستعمر بل تزور أمعاءنا. نتناولها فتخرج من الشرج من دون أن تستعمر أمعاءنا. ومن النادر على الأرجح أن يتعرض شخص بالغ للاستعمار البكتيري بسبب علاج نفسي حيوي.لا شك في أن هذه فكرة مثيرة للاهتمام من الناحية الصناعية. فلا يرغب مصنّعو الأدوية بالتأكيد التوصّل إلى ابتكار يتناول معه المريض كبسولة، فيتعرض للاستعمار ولا يُضطر إلى تناول أخرى. لن يكون هذا الابتكار مربحاً من الناحية المادية.