هل يجب أن يقرأ أولادك كتباً مزعجة؟
سألني ابني البكر خلال العشاء: أمي، هل تعلمين أن رجلاً أطلق النار على عدد كبير من الأولاد الصغار في مدرسة منذ بضعة أيام؟
صدمتُ وكدتُ أختنق بالبطاطا المهروسة التي كنت آكلها. حصل ذلك في ديسمبر 2012، بعد أسبوع على حادثة إطلاق النار في مدرسة “ساندي هوك” الابتدائية في “نيوتاون”. كان ابني كولين في الصف الأول. نحن نعيش على بعد 20 ميلاً من “نيوتاون” وقد وقعت تلك المأساة أمام أنظار الجميع وأثرت بالناس بعمق. بعد تلك الحادثة، بدأت مدارسنا المحلية تقوم بتدريبات احتياطية تحسّباً لأي اعتداءات عنيفة. نصحنا المسؤولون في مدرسة الأولاد بإبعادهم عن العناوين الإخبارية والبرامج التلفزيونية المزعجة.كنا أنا وزوجي قد قررنا أصلاً ألا نذكر شيئاً عن تلك المأساة أمام أولادنا الذين كانوا يبلغون حينها 6 سنوات و4 سنوات وسنتين على التوالي. فقد اعتبرنا أنهم أصغر من أن يفهموا ما حصل. يميل ابننا كولين إلى القلق بطبيعته ولم نشأ أن نرعبه فيقرر عدم الذهاب إلى المدرسة. لكن ها قد أتى بنفسه ومعالم الحيرة مرسومة على وجهه كي يخبرني عن المأساة التي كنا نحاول حمايته منها. ثم علمتُ أنه سمع عن طريق الخطأ بعض طلاب الصف الخامس في حافلته يتكلمون عن حادثة إطلاق النار.ارتبكتُ في تلك اللحظة ولم أعرف كيف أجيبه بطريقة صادقة وإيجابية. أخيراً قلتُ له إنني علمتُ بما حدث. اعتبرنا ذلك الحادث حزيناً ومريعاً، ثم تحدثنا عن الطرق التي تستعملها مدرسته والمجتمع عموماً للحفاظ على سلامة الجميع.تكرر هذا النوع من النقاشات بيننا خلال الأسابيع اللاحقة. للمرة الأولى في حياة كولين، تحلّ المأساة على مقربة من عالمه الصغير. وللمرة الأولى في حياتي كأمّ، اضطررتُ اتخاذ قرارات صعبة كي أوجّه ابني من دون أن أرعبه.أعدتُ تقييم نقاشاتنا لاحقاً وتساءلتُ إذا كان استفاد من كلامي وأعدتُ النظر بكلماتي وقدراتي. ثم قمتُ بنشاط اعتدتُ عليه طوال حياتي. بحثتُ عن كتاب: أردتُ إيجاد كتاب كي أقرأه له شرط أن يعالج مخاوفه وأسئلته. لم أكن أبحث عن كتاب للترفيه عنه أو إلهائه. بل أردتُ كتاباً يحاكي ما كان يختبره.قصص وحكايات في ذلك الشتاء، قرأنا كتاب The Underneath (الأسفل) الحائز على ميدالية نيوبري للكاتبة كاثي أبيلت. كان الكتاب عاطفياً على نحو جميل ويتناول قصة عن الوفاء والصداقة لكنه يشمل أيضاً خسارة مؤلمة. كانت القصة حزينة ومرّت لحظات شعرنا فيها بأننا نوشك على البكاء. شعرتُ بالقلق أحياناً من أن يكون الكتاب أكبر من عمره وفكرتُ بالتخلي عنه. لكني مسرورة لأننا أكملناه فقد فاجأني كولين كما يفاجئنا الأولاد دوماً.راح يطرح أسئلة عميقة. ثم تعانقنا في سريره وتحدثنا عن الموت والأمل والدمار الذي يسببه الكره. تركت القصة أثراً عميقاً فيه وجعلتني أكثر شجاعة في طريقة انتقاء الكتب له.في السنة اللاحقة، قرأنا كتاب The Liberation of Gabriel King (تحرّر الملك غابرييل) بقلم كيلي لويز غوينغ. سرد الكتاب قصة شخص مصاب بقلق مزمن وقد ذكّرني بكولين. كان يتعلق أيضاً بالعنصرية والأحكام المسبقة. لم يسمع كولين بمنظمة “كو كلوكس كلان” قبل قراءة الكتاب، وسرعان ما بدأنا نناقش هذا الموضوع إلى جانب مظاهر “حركة الحقوق المدنية” التي لم يدرسها بعد في المدرسة. في السنة الماضية، طلبوا منه في الصف الثالث أن يقرأ كتابBecause of Winn Dixie (بسبب وين ديكسي) للكاتبة كيت ديكاميلو، وقد ساعدنا على خوض نقاش عن المخدرات والإدمان.حتى الآن، عاش أولادي حياة آمنة، لذا أريدهم أن يقرأوا كتباً تتناول مواضيع صعبة ومزعجة. صحيح أنهم لم يختبروا يوماً العنف أو الأحكام المسبقة بشكل مباشر، لكني أظن أن قراءة كتب عن هذه المواضيع توسّع آفاق تفكيرهم وتفتح عيونهم على حياة الآخرين وتجاربهم.سيشعر الأولاد الذين يواجهون المصاعب وسوء المعاملة والظروف المأساوية منذ الولادة بأنهم ليسوا وحدهم عند قراءة كتبٍ عن تجارب اختبروها بنفسهم. نحن نجد المواساة التي نبحث عنها عند تقاسم الحزن، وغالباً ما ينجح الناس الذين مروا بخسائر مماثلة في مواساتنا بأفضل طريقة. يشتق التضامن من مواجهة المصاعب معاً. وتتمتع الشخصيات في الكتب بالقدرة على التضامن معنا كأي شخص حي.تدفعني غريزة الأمومة إلى حماية أولادي من الألم. لكن لن تكون الحياة منصفة أو لطيفة مع أولادي دوماً. بل إنها ستتخذ منحىً فوضوياً وشائكاً ومرعباً وستوجّه لهم ضربات قاسية ما زالوا أصغر من أن يتحمّلوها أو غير جاهزين للتعامل معها. قد يكون الأشخاص الذين يقابلونهم لطفاء على نحو مدهش أو متوحشين بشكل لا يوصف. من واجبي أن أمنح الحب لأولادي، لكن يجب أن أسلّحهم أيضاً بالطرق اللازمة كي يواجهوا المواقف المؤلمة وغير المتوقعة.أشعر أحياناً بالضياع، فأبحث حينها عن أفضل خرائط أعرفها: الكتب. ألجأ إليها بحثاً عن نهايات سعيدة، لكني أقصدها أيضاً بحثاً عن أجوبة على أسئلة تنقصني الحكمة والقوة والشجاعة للإجابة عليها بنفسي. ما الذي يمنع أولادي من القيام بالمثل؟ تفتح الكتب التي لا تقدم أجوبة سهلة المجال أمام خوض النقاشات وتقدم فرصة للتواصل مع الآخرين والتعرّف على أماكن وثقافات مختلفة.من خلال تجسيد شخصيات تواجه ظروفاً صعبة أو مأساوية، تقدم لنا الكتب الأدوات التي نحتاج إليها لتعلّم معنى التعاطف أو الصمود في وجه تحديات مماثلة. تستطيع الكتب أن تقدم لنا الكثير (وتحديداً إذا كانت تمنعنا من النوم ليلاً أو تجعلنا نبكي أو تثير غضبنا بسبب الظلم والتحيّز والعنف غير المبرر)، شرط أن نتمتع بالشجاعة اللازمة لتقبّلها. يمكن أن توجّهنا الكتب في رحلتنا عبر هذا العالم الشائب.