{كنّا مخطئين جداً}... كتّاب يسترجعون الربيع العربي بعد 5 سنوات من انطلاقه!

نشر في 29-01-2016 | 00:01
آخر تحديث 29-01-2016 | 00:01
في يناير 2011، بعد أيام من أول انتفاضة في تونس ومن بدء الاحتجاجات في ميدان التحرير، دعت صحيفة {غارديان} بعض الكتّاب الرائدين في أنحاء العالم العربي كي يقولوا رأيهم في حمّى الثورة التي تجتاح المنطقة وقد عبّروا حينئذ عن تفاؤل كبير بالمستقبل. لكنهم يعيدون النظر بأجوبتهم الآن ويسألون: هل يسمح الوضع بالتمسك بالأمل؟
أهداف سويف

روائية ومعلّقة مصرية

وقفتُ على ضفة النهر في صباح مشمس من شهر يناير. بدا كل شيء هادئاً وثابتاً منذ آلاف السنين. يمتد النيل من الجنوب إلى الشمال ويصبّ في الدلتا وتطوف الشمس على سطحه، من الشرق إلى الغرب. هما يشكلان معاً {علامة العنخ}، رمز الحياة.

لكن أصبح النهر ملوثاً الآن لأسباب كثيرة، من مياه الصرف الصحي إلى المواد الكيماوية التي تنتجها المصانع، وسنشاهد قريباً آثار {سد النهضة الإثيوبي}: سيتراجع مستوى النهر وقد يجفّ في النهاية. بدأت أرضنا الغنية وتربتنا السوداء التي أعطت مصر اسمها الأصلي {كيميت} تتحلل ولم تعد مليئة بأوحال النهر بل تم اختراقها واجتاحتها المباني. نحن نرفض أن نعتبر الشمس صديقتنا ونستمدّ الطاقة منها ونفضّل توقيع اتفاقيات لاستيراد الفحم وعقد الصفقات لبناء محطة للطاقة النووية فيما تنهار بنيتنا التحتية الأساسية بسبب غياب الاهتمام والصيانة.

في ذروة النشاط والتفاؤل خلال أحداث الثورة في يناير 2011، توجهت وفود شعبية نحو الجنوب لإصلاح العلاقات التي تضررت بعد ثلاثة عقود من الإهمال ولاستكشاف التطور المشترك مع مناطق وادي النيل. لكن اختفت هذه المظاهر كلها الآن واختفى معها كل ما يتعلق بحوادث يناير 2011: مظاهر الحياة وسبل العيش والأفكار والطاقة والأمل.

في غضون ذلك، يحاول النظام الحاكم الاستفادة من الفوضى السائدة. فقد خصص يوماً لـ}ثورة 25 يناير المجيدة} لكنه عيّنه بين {يوم الشرطة} (في 25 يناير أيضاً) و}ثورة 30 يونيو}، حين خرج الناس للتظاهر ضد {الإخوان المسلمين} فأصبح المجال مفتوحاً كي يستلم الجنرال السلطة. يشيد النظام بـ}شباب مصر} لكنه يشن حرباً مميتة ضد كل من يؤيد الثورة. يقبع مئات الشبان وراء القضبان واختفى العشرات منهم. وفي تصاعد لافت للحوادث في الشهر الماضي، تعرّض شخص للطعن وتُرِك ليموت في محطة مترو في وسط القاهرة. لكن يبقى هؤلاء الشبان غير مرئيين، إذ تصر الحكومات ووسائل الإعلام العالمية على التمسك بعناصر المواجهة القديمة: النظام العسكري/المهني في وجه الإسلاميين على أنواعهم.

ثلاث وقائع أساسية:

• أولاً: نزل الناس إلى الشارع في يناير 2011 تحت شعار مباشر: {الخبز، الحرية، العدالة الاجتماعية}.

• ثانياً: رغم جميع المزاعم التي تدّعي العكس، لم يدفع أحد بالناس للنزول إلى الشارع. صحيح أن الناشطين عبّروا عن مطالبهم وسيّسوها، وسهّلوا الاحتجاجات والاعتصامات، وحاولوا حماية الأفراد وإنقاذهم من مبارك والشرطة والجيش لكن خرج الناس، نتيجة مجموعة من الظروف المتشابكة، من تلقاء نفسهم وقد كانوا يعلمون ما يريدونه.

• ثالثاً: بدأ الناس يدركون أنهم أصبحوا أبعد ما يكون عن بلوغ أهدافهم. لم تتحقق أي نتيجة غداة أعمال القتل التي واجهوها والمرحلة الفاشية التي تآمروا خلالها لقتل الآخرين. ولن تعطي المشاريع الكبرى التي تدعمها الحكومة (حتى لو كانت حقيقية) أي أثر على حياة الفقراء. أصبح عدد المواطنين العاديين المعتقلين الذين تعرضوا لسوء المعاملة على يد الأجهزة الأمنية أكبر من أي وقت ممكن. فشل النظام حتى في الحرب التي اختار خوضها، أي {الحرب على الإرهاب}: يُقتَل جنودنا ومواطنونا في سيناء كل يوم، وتتدهور البنى التحتية التي يستعملها الناس في حياتهم اليومية (مستشفيات، مدارس، وسائل نقل، وظائف). لا تزال الأسباب التي جعلت الناس ينزلون إلى الشارع في عام 2011 قائمة وقد أصبحت أكثر إلحاحاً.

لكن تبرز أيضاً اختلافات بين الحاضر والماضي. حلّت محل الأمل الفائق الذي أنتجه رحيل بن علي السريع من تونس مشاعر الرعب إزاء ما يحصل في ليبيا وسورية واليمن. يشعر الناس بأنهم جرّبوا جميع الوسائل المتاحة (ثورة، إسلام سياسي) لكن لم ينجح أيٌّ منها. يسألون الآن: ما الحل البديل؟

يحاول النظام من جهته ألا يقدم أي خيار بديل: أصبح بعض الجمعيات محظوراً، وأُلغِيت الانتخابات الطلابية، وأُغلِقت المساحات الثقافية. ويتحمّل الصحافيون والمصورون والطلاب والأطباء والمهندسون ظروفاً صعبة في السجن.

هكذا سينفجر الوضع من رحم اليأس بدل الأمل. سينتفض الناس الذين شهدوا على جرائم القتل أو أشاحوا نظرهم عنها طوال خمس سنوات: إنهم الأشخاص الذين ما عادوا أبرياء. لن تكون الدعوة إلى رفض العنف سهلة وقد مات في مطلق الأحوال معظم الناشطين الفاعلين والسلميين، أو يقبعون في السجن أو غادروا البلد. مع اقتراب الذكرى الخامسة، يصبح الخوف الذي ينشره النظام الحاكم ملموساً مع مرور كل يوم.

أريد أن تنتهي الثورة في الذكرى الخامسة لها من دون قتل شباب إضافيين أو اعتقالهم أو اختفائهم. وفي 26 يناير، أريد أن يبقى النيل والشمس في مكانهما. عندها سنستعيد الهدوء لفترة ونقيّم ما يمكن أن يحصل حين ينفجر الوضع من جديد.

نشرت دار «بلومزبري» كتاب أهداف سويف الذي حمل عنوان Cairo:Memoir of a City Transformed ({القاهرة: مذكرات مدينة متحولة»).

روبن ياسين كساب

كاتب سوري بريطاني

منذ خمس سنوات، طلبت مني صحيفة «غارديان» أن أقيّم آثار الانتفاضة التونسية على بقية مناطق العالم العربي، لا سيما سورية. اعتبرتُ حينها أن البلد «لم يكن بمنأى عن أزمة البطالة العربية وتدني الأجور وقمع المجتمع المدني»، لكن «لن يواجه النظام السوري على الأرجح تحدياً مشابهاً لما حصل في تونس على المدى القصير أو المتوسط».

نُشر هذا الكلام في 28 يناير 2011. في اليوم نفسه، أضرم رجل سوري اسمه حسن علي عقلة النار بنفسه احتجاجاً على نظام الأسد، فقلّد بذلك ما فعله محمد البوعزيزي في تونس. لم يعلم الكثيرون بما فعله عقلة. لكن في 17 فبراير، ردّ تجار في منطقة الحريقة في دمشق على وحشية الشرطة عبر التجمّع بالآلاف كي يهتفوا {الشعب السوري لن يهان}! كان ذلك الحدث غير مسبوق. بعد فترة قصيرة، اعتُقل طلاب في درعا وتعرضوا للتعذيب لأنهم كتبوا شعارات معادية للنظام على شكل رسومات جدارية. حين احتج أقاربهم في 18 مارس وقُتل أربعة منهم على الأقل، بدأت سلسلة من الجنازات والاحتجاجات وتبادل إطلاق النار.

 في عام 2011، كتبتُ أن الأسد شخصياً كان يحظى بالدعم وقد استمر هذا الوضع حتى خطابه في 30 مارس أمام مجلس الشعب الذي لا يعبّر عن اسمه بأي شكل. امتنع الكثيرون حتى تلك اللحظة عن إصدار أحكامهم وتوقعوا صدور اعتذار على أعمال القتل والإعلان عن تطبيق إصلاحات جدية. لكن بدل حصول ذلك، أطلق الأسد التهديدات وتمسك بنظريات المؤامرة، والأسوأ من ذلك أنه لم يتوانَ عن الضحك مرات عدة أثناء كلامه.

استخفيتُ بالآثار الكارثية لخطة إعادة الهيكلة الليبرالية الجديدة/الرأسمالية القائمة على المحسوبيات التي أطلقها الأسد خلال العقد الماضي. سرعان ما أدركتُ أنني مخطئ بشأن مسائل كثيرة أخرى. في شهر أبريل، أطلق النظام مبادرات تصالحية مع الإسلاميين والأكراد. في البداية، ظننتُ أن هذا الحدث يعكس حجم عزلة النظام ويأسه: كانت الحركة الاحتجاجية في تلك المرحلة تحمل طابعاً سورياً شاملاً وغير طائفي. ثم فهمتُ أن التفسيرات المغلوطة كانت متعمدة. في السنوات اللاحقة، أصر النظام على قراءة حوادث الثورة من منظور إثني وطائفي. ونتيجة الجهود التي بذلها في هذا المجال، سرعان ما طغت تلك التفسيرات على نطاق واسع.

قال لي شاب من دمشق: {بشار الأسد قائد الثورة. كلما قرر قتل شخص وتعذيبه، يخلق بذلك عشرة رجال إضافيين يريدون تدميره}. في البداية جعلني لجوء النظام إلى {الحل الأمني} أفكر بأنني بالغتُ في تقدير ذكائه. ثم فهمتُ أنني استخفيتُ بذكائه. لقد أدرك أنه لن يصمد في حال إطلاق عملية إصلاح حقيقية، لذا أطلق حرباً أهلية.

أولاً، بدأت حملة قمعية عنيفة ضد الناشطين السلميين وغير الطائفيين. تعرّض عشرات الآلاف للتعذيب أو القتل أو اختفوا بكل بساطة. في الوقت نفسه، أُطلِق سراح مجاهدين من السجن. ورداً على عسكرة الثورة الحتمية، طبّق النظام سياسة {الأرض الحروقة}، فحرق الجنود المحاصيل وقتلوا المواشي. تعرّضت الأحياء للقصف بالمدفعيات والطائرات المقاتلة وصواريخ {سكود} والقنابل المتفجرة وغاز السارين. أدت سلسلة من المجازر الطائفية التي صمّمها النظام في عام 2012 إلى تأجيج المزاج العام.

فشل {أصدقاء} الشعب السوري المزعومون في تسليح الثورة بفاعلية أو في حماية الناس من المذابح. بمساعدة غير مباشرة من الأسد، استغل المجاهدون الأجانب الفراغ القائم. حتى يوليو 2014، استفاد النظام و}الدولة الإسلامية} من اتفاقية غير معلنة لوقف الاعتداءات. تحارب {الدولة الإسلامية} {الجيش الحر} اليوم، ومع ذلك يصر النظام (وروسيا) على قصف {الجيش الحر}.

يبدو الأسد أشبه بمفتعل حريق يدعي أنه رجل إطفاء حين يخبر العالم بأن صموده ضروري لهزم الجهاد. يوافقه الرأي عدد كبير من المعلقين، وربما يحصل ذلك لأن التعليقات تجاهلت عموماً جهود الشعب السوري وإنجازاته التي خدمت قصة الإرهاب والحرب بالوكالة. نتيجةً لذلك، يبدو أن الرأي العام في الغرب يظن أن سورية يجب أن تختار بين {الرئيس الأسد} و}المتطرفين المجانين} كما قال لي رجل حديثاً.

منذ عام 2011، تعلمتُ ألا أثق بالخطابات المسبقة لليساريين واليمينيين وأن أخشى النهايات القاتلة للسياسات المبنية على الهوية وأركز على الوقائع البشرية: قُتل 300 ألف شخص وتهجّر 11 مليون آخرين (أسوأ أزمة لاجئين منذ الحرب العالمية الثانية)، وبرزت وقائع أكثر إيجابية تتعلق بالمجالس الثورية المحلية التي يتم انتخابها ديمقراطياً في العادة، وهي تبذل قصارى جهدها للمضي قدماً ويُفترض أن تكون جزءاً من أي تسوية، وحصلت ثورة ثقافية أنتجت مواد مبتكرة في عالم الموسيقى والشعر والإذاعات والصحف النقدية.

أنقذت إيران أولاً ثم روسيا نظام الأسد من الانهيار العسكري، مع أنه سقط من ناحية معينة ونقل قواه إلى دول خارجية وأمراء حرب محليين، وقد خسر أربعة أخماس البلد. يسيطر قوميون ديمقراطيون محاصرون، من عرب أو أكراد، على جزء من {سورية المحررة}، وقد أصبح الكثيرون في قبضة المجاهدين العابرين للحدود.

تتفاقم الأزمة بوتيرة استثنائية. الأمر المؤكد الوحيد بشأن الغزو الروسي أنه يوسّع مكان الحرب ومدتها.

امتدت هذه الحوادث على خمس سنوات: خسر الأصدقاء والأقارب منازلهم وشهدوا على أعمال وحشية مريعة وأُجبِروا على الهجرة السرية. أصبحت هذه الوقائع مألوفة: يمكن أن تسرد كل عائلة سورية، بغض النظر عن انتمائها، حكايات صادمة. يعيش معظمهم فترة حداد على موتاهم. لن أتمكن يوماً من اصطحاب أولادي لرؤية معابد تدمر أو مئذنة الجامع الأموي في حلب، فقد مُسِحت هذه المعالم اليوم بعد أن صمدت في وجه الزلازل وغزوات المغول، وتمزق النسيج الاجتماعي المعقد بشكلٍ لا يمكن إصلاحه.

شهدت سورية أعمق مظاهر الفساد البشري، وأثبت السوريون عن إبداعهم وقوة تحمّلهم في أفظع الظروف.

يحصل التغيير في سورية بوتيرة فائقة ويسير في اتجاهات متناقضة. في ما يخص النتائج النهائية، لا يزال الوقت مبكراً جداً لتوقعها هذه المرة.

نشرت دار {بلوتو} كتاب روبن ياسين كساب الذي حمل عنوانBurning Country:Syrians in Revolution and War ({بلد مشتعل: السوريون في الثورة والحرب}) وقد شاركت ليلى الشامي في كتابته.

رجا شحادة

محامٍ وكاتب فلسطيني

منذ خمس سنوات، شاهدتُ أساليب مُلهِمة ومبتكرة استعملها الشعب السوري للتمرد على نظام الأسد، فاستعملوا الرقص والأغاني حيناً والرسومات الجدارية والرسوم المتحركة أحياناً. ظننتُ حينها أن الناس الذين ينتفضون ضد الظلم يحققون نجاحاً حتمياً في النهاية. لكني كنت مخطئاً. في عالم اليوم، لا يستطيع أي شعب، وتحديداً في منطقة الشرق الأوسط المعاصرة، أن يتخذ خطوات مستقلة مهما كانت المقاربة التي يستعملها مبتكرة. أدت المصالح المتضاربة بين مختلف القوى المحيطة بالمنطقة وما وراءها دوراً بارزاً في كبح ما بدأ على شكل ثورة سلمية ضد نظام الأسد القمعي القديم والمعادي للديمقراطية. حصل الأمر نفسه في مصر. في ما يخص القضية الفلسطينية، كان الدعم الأميركي الثابت لإسرائيل حاسماً لتقوية الحكومة التي تزداد ميلاً إلى الأفكار اليمينية بهدف وقف نضال الشعب الفلسطيني لكسب حق تقرير المصير. أصبحت سورية اليوم ساحة معركة وحشية بين القوى المتخاصمة وقد أنتجت ثلاثة ملايين لاجئ ونحو ربع مليون قتيل!

دار نقاش طويل، من المحافظين الجدد بشكل أساسي، عن إنشاء شرق أوسط جديد شرط ألا ينقسم إلى دول متعددة الطوائف كتلك التي ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى بل يجب أن يقتصر على مناطق مقسّمة على أساس إثني أو ديني. بدل بلد العراق الموحّد، ستنشأ ثلاث دويلات: الأولى سنية والثانية شيعية والثالثة كردية. ينطبق المبدأ نفسه على سورية ولبنان. في هذا الشرق الأوسط المجزأ، لن تبقى إسرائيل الدولة اليهودية الوحيدة التي بُنيت على أساس ديني.

لا شك في أن عدداً كبيراً من الأشخاص الذين يقاتلون اليوم في الشرق الأوسط يستعمل الإرهاب الذي يعطي عواقب مدمّرة على المدنيين. لكن تعمّقت مظاهر الفوضى في المنطقة نتيجة الفشل في التمييز بين المناضلين لأجل الحرية (تكون قضيتهم مشروعة ويجب أن تؤيدهم البلدان التي تدعي دعم الديمقراطية) والإرهابيين المجرمين. يعطي القانون الأميركي تعريفاً واسعاً جداً للإرهاب، فيعتبر المقاومة المشروعة للاحتلال والظلم عملاً غير قانوني. ينطبق الأمر نفسه على عدد من القوى الغربية الأخرى التي تعتبر قوانينها، المحلية أو الدولية، وسيلة للتغيير والتحول سلمياً. نتيجة تجريم أي احتكاك مع الجماعات التي تُعتبر إرهابية عن غير وجه حق، تصبح أي مفاوضات مفيدة غير قانونية.

أدى تأييد الديمقراطية شفهياً مقابل الامتناع عن دعم كل من يناضل لأجلها (يواجه الغرب هذه التهمة بشكل متكرر) إلى جعل عدد كبير من المحرومين يفقدون الأمل ويتشاءمون، وقد تشجّع بعضهم على دعم الإرهابيين الحقيقيين.

إذا كانت الجهات التي امتنعت عن دعم النضال العربي المشروع الذي بدأ منذ خمس سنوات تظن أن موقفها سيجلب السلام إلى المنطقة، أثبت الزمن أنها كانت مخطئة جداً. يعترف معظم البلدان بالحاجة إلى حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وقد تشكّل هذه الخطوة محركاً لإرساء السلام في منطقة الشرق الأوسط. لكن لماذا لا يحقق أحد هذا الهدف؟

فيما أشاهد المنطقة وهي تغرق في فوضى متزايدة تزامناً مع تفاقم معاناة الناس، لا أجد إلا بصيص أمل واحد. بعد الحرب العالمية الأولى، حين صممت القوى الأوروبية منطقة الشرق الأوسط بالشكل الذي يخدم مصالحها، لم تصل معاناة سكان المنطقة إلى الدول الغربية. واجهت منطقة الشرق الأوسط محنة صعبة فيما ازدهرت أوروبا بفضل النفط الرخيص وسوقٍ قوية لمعدات جيشها ومنتجات أخرى. لكنّ الوضع مختلف هذه المرة. يسعى عدد كبير من اللاجئين إلى كسب صفة اللجوء في أوروبا ولم يعد الإرهاب يزعزع حياة سكان المنطقة وحدهم. لا حدود لساحة الصراع التي بدأت تمتد إلى أوروبا. قد يشجع هذا الوضع القوى الغربية التي تملك وسائل مباشرة أو ثانوية لاتخاذ خطوات إيجابية على إطلاق جهود جدية وصادقة لإنهاء الحروب المحتدمة في الشرق الأوسط وتسهيل عملية ترسيخ الديمقراطية.

back to top