مخاصمة القضاة بين الواقع والطموح

نشر في 23-02-2016
آخر تحديث 23-02-2016 | 00:01
كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن مخاصمة القضاة، ولاسيما بعد صدور الأحكام الخاصة بما يسمى بخلية العبدلي. وقد تقدمت الحكومة بمشروع خاص باستقلالية القضاء. ولحسن الحظ سبق أن كتبت بحثا علميا باللغة الفرنسية بعنوان «مسؤولية القضاة في القانون المصري على ضوء القانون المقارن». La responsabilité civile des magistrats en droit égyptien à la lumière du droit contemporain.

وسأحاول أن أعرض هذه الدراسة في هذه المقالة باختصار شديد، ليفهمها بسهولة غير المتخصص، وكذلك لربما يستفيد منها المشرع عند سن القانون الجديد.

بادئ ذي بدء، يعتقد البعض أن نظام المخاصمة هو عبارة عن وسيلة أو إجراء لمعاقبة القاضي المخطئ. إن هذا الاعتقاد في غير محله، حيث إن دعوى المخاصمة هي بالأساس دعوى مسؤولية، الهدف منها تعويض المتقاضي الذي يقع عليه ضرر بسبب الحكم الخاطئ، لذلك فإنه – أي المضرور – يقيم دعواه ضد القاضي المخطئ من أجل الحصول على تعويض لجبر ما لحق به من أضرار بسبب الحكم الخاطئ، ومثاله إذا صدر حكم بالخطأ ببيع العقار، فيكون لمالك العقار أن يقيم دعوى «المخاصمة» يطالب فيها بالتعويض عن الضرر الذي لحق به من جراء ذلك الحكم، فلا يطلب المدعي في دعوى المخاصمة توقيع عقوبة على القاضي المخطئ، كما يعتقد البعض. والسبب في ذلك أن تأديب القضاة يخضع لأحكام خاصة منصوص عليها في الفصل السادس من قانون تنظيم القضاء.

ولا ريب في أن مسؤولية القضاة المدنية تعد من المسائل الملحة في الوقت الحاضر، ولاسيما في الدول الديمقراطية. فمن الناحية التاريخية كان عمل القاضي يستند إلى تفويض من الله ومن الملك، لذلك كان ينظر على أنه يمارس عملا مقدسا غير قابل للنقد.

غير مقبول

ولكن بعد تطور الحياة وفصل الدين عن الدولة، ظهر من ينادي بضرورة أن يخضع القضاة إلى المسؤولية المدنية الناتجة عن أخطائهم المهنية، حيث القاعدة أنه من يحدث بفعله الخاطئ ضرر للغير يلتزم بتعويضه. فأصبح من غير المقبول عدم مساءلة القاضي عن الضرر الذي يلحقه بأحد المتخاصمين، بسبب حكمه الخاطئ. لذلك تدخل المشرع الفرنسي سنة 1806 وأقر ما يعرف بـ «La prise en partie  «مخاصمة القضاة» في المادة 505 من قانون المرافعات، بحيث أصبح يمكن مخاصمة القاضي في حالات محددة، وهي الغش dol  والتدليس fraude والغدر concussion والخطأ المهني الجسيمfaute lourde professionnel.

وقد تأثر بذلك المشرع المصري سنة 1949، واقتبس مخاصمة القضاء في المادة 494 من قانون المرافعات، حيث جاء فيها أنه يجوز مخاصمة القضاة «إذا وقع من القاضي أو عضو النيابة في عملهما غش أو تدليس أو غدر أو خطأ مهني جسيم.

ومع الأسف الشديد، فقد تبنى مجلس الوزراء فكرة مخاصمة القضاء، حيث جاء في المادة 49 مكررا من المشروع «يجوز مخاصمة القضاة وأعضاء النيابة إذا وقع من القاضي أو عضو النيابة في عمله غش أو تدليس أو غدر أو خطأ مهني جسيم. ولا تجوز المخاصمة في غير هذه الحالات. وتكون الدولة مسؤولة عما يحكم به على المخاصم من تعويضات بسبب أي من هذه الأفعال، ولها حق الرجوع عليه».

 ملاحظات على النص

في الواقع لي على هذا النص عدة ملاحظات، وهي على ما يلي:

أولا: إن نظام المخاصمة نظام بائد ومعقد يصعب تطبيقه في الأمر الواقع، لذلك نجد أن المشرع الفرنسي، وهو صاحب هذه الفكرة قد تدخل سنة 1972 وجعل نظام المخاصمة وفقا لنص المادة L 141-3 من قانون التنظيم القضائي الخاص بالقضاة غير المهنيين، وهم بالأساس غير قضاة كما هي الحال بالنسبة لممثل أرباب العمل في الدوائر العمالية، أو ممثل التجار في الدوائر التجارية.

أما القضاة المهنيون فلا تقوم مسؤوليتهم إلا في حال الخطأ الجسيم أو إنكار العدالة. كما قررت المادة L141-1 من قانون تنظيم القضاء أن الدولة مسؤولة عن تعويض الأضرار الناتجة عن السير المعيب لمرفق القضاء. وبذلك أصبح لكل من يتضرر من الحكم الخاطئ أن يقيم دعوى على الدولة للمطالبة بتعويضه عن الضرر الذي لحق به من جراء الحكم الخاطئ، وذلك استنادا إلى إخلال الدولة بتوفير المحاكمة العادلة من دون حاجة إلى إثبات خطأ القاضي الجسيم. لذلك من الصعب تقبل فكرة المخاصمة التي وجدت سنة 1806 لتطبق بحذافيرها سنة 2016، بالرغم من التطور الهائل للمفاهيم القانونية والاجتماعية في الكويت.

الخطأ الجسيم

ثانيا: من المعيب أن يتضمن المشروع مصطلح غدر القاضي concussion. بل يؤكد ذلك على النقل الأعمى للمشرع من القانون المصري والفرنسي. فإذا كان هذا الفعل «الغدر» من الممكن تصوره في سنة 1806 عند سن القانون، حيث كان القاضي يحصل على مقابل العمل الذي يقوم به من المتخاصمين. فلا يمكن تصوره اليوم، حيث يحصل القاضي على مرتبه من الدولة.

ثالثا: لقد أوجب المشروع لمخاصمة القاضي إثبات خطئه الجسيم. إن فكرة الخطأ الجسيم يصعب في واقع الأمر إثباتها. لذلك نجد أن القضاء الفرنسي خرج عن المعنى التقليدي للخطأ الجسيم، والمتمثل بالخطأ الفادح أو الإهمال المفرط الذي لا يقع فيه القاضي لو أنه اهتم بواجباته الوظيفية، حيث أصدرت محكمة التمييز الفرنسية حكمها الشهير بتاريخ 23 فبراير 2001، وعرفت الخطأ الجسيم الذي يرتكبه القاضي «بالنقص المميز الذي يعكس عدم قدرة مرفق القضاء على القيام بالمهمة الملقاة على عاتقه وهي تحقيق المحاكمة العادلة» constitue une faute lourde toute déficience caractérisée par un fait ou une série de faits traduisant l›inaptitude du service public de la justice à remplir la mission dont il est investi «.

بل أكثر من ذلك نرى أن محكمة التمييز المصرية منذ سنة 1949 لم تحكم بثبوت حالة واحدة لخطأ جسيم صادر من القاضي.

لذلك ينبغي أن تقوم مسؤولية القاضي بمجرد إثبات خطئه ولو كان بسيطا. نجد ذلك على سبيل المثال في قانون كل من لكسمبورغ وبلجيكا، حيث لا تشترط قوانينهما إثبات الخطأ الجسيم لقيام مسؤولية القاضي. كما أنه في القانون الفرنسي ثمة حالات خاصة لا يتطلب فيها المشرع إثبات الخطأ الجسيم للقاضي لقيام مسؤوليته المدنية، كما هي الحال بالنسبة للحجز غير المبرر المنصوص عليه في المادة 149 من قانون الإجراءات الجزائية.

وكذلك بالنسبة إلى الخطأ البسيط الصادر من القاضي المختص بقضايا القصر المنصوص عليه بالمادة 412 من القانون المدني. فضلا عن أن للمضرور حق إقامة الدعوى ضد الدولة لإخلالها بتوفير المحاكمة العادلة، من دون حاجة إلى إثبات خطأ القاضي الجسيم.

أيعقل يا سادة أن يحكم ببيع منزل لأحد المتخاصمين عن طريق الخطأ، ولا يكون لمالكه حق الرجوع لا على القاضي المخطئ ولا على الدولة لجبر ما لحقه من ضرر، بحجة أن خطأ القاضي لم يكن جسيما؟!

نكران العدالة

رابعا: لقد أغفل المشروع مساءلة القاضي في حال نكران العدالة والمنصوص عليها في كافة التشريعات الحديثة، والذي يتحقق في حال التأخير المتعمد في الفصل بالمنازعات المعروضة عليه. ومثال على ذلك ما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة 494 من قانون المرافعات المصري من أنه «إذا امتنع القاضي من الإجابة عن عريضة قدمت له أو من الفصل في قضية صالحة للحكم، وذلك بعد إعذاره مرتين على يد محضر يتخللها ميعاد أربع وعشرين ساعة بالنسبة إلى الأوامر على العرائض وثلاثة أيام بالنسبة للأحكام في الدعاوى الجزائية والمستعجلة وثمانية أيام في الدعاوى الأخرى.

خامسا: لقد نص المشروع في المادة 49 مكررا على أنه «إذا قضت المحكمة بعدم جواز المخاصمة أو عدم قبولها أو سقوطها أو رفضها، حكمت على المدعي بغرامة لا تقل عن 10 آلاف دينار، ولا تزيد على 30 ألف دينار، وبمصادرة الكفالة، فضلا عما تحكم به من تعويض إذا طلب منها ذلك».

وقد تأثر المشروع بالقانون المصري، حيث يحكم في حالة رفض المخاصمة على المدعي بغرامة لا تقل عن 400 جنيه، ولا تزيد على 4000 جنيه.

مبالغ طائلة

يبدو أن مقترح المشروع لم يكن مقتنعا بمخاصمة القضاة، لذلك تشدد في هذا الجانب، بحيث سيحكم على من يخسر المخاصمة مبالغ طائلة، مما يجعل المتضرر من الحكم الخاطئ يحجم عنها، ولاسيما أن تقدير الخطأ الجسيم يترك لقاضي الموضوع. إن الحكم بهذه المبالغ الكبيرة يحرم المتضرر من استخدام المخاصمة، وهو حق أصيل ينبغي ألا يحاط بعقبات تحول دون ممارسته. لذلك نجد أن مثل هذا الشرط غير موجود في القوانين الأوروبية، كالقانون الفرنسي.

سادسا: لقد جاء في الفقرة الأخيرة من المادة 49 مكررا «وتكون الدولة مسؤولة عما يحكم به على المخاصم من تعويضات بسبب أي من هذه الأفعال، ولها حق الرجوع عليه».

في الواقع ينبغي للدولة ألا ترجع على القاضي بما يُحكم للمضرور، حتى وإن ثبت خطأه، وإنما ينبغي أن تؤمن الدولة عن الأضرار الناتجة عن أخطاء القضاة، حيث ستلتزم شركة التأمين بدفع التعويضات المستحقة للمضرور، وذلك على غرار ما تسعى إليه وزارة الصحة من التأمين على أخطاء الأطباء الذين يعملون لديها.

إن إلزام الدولة بالتأمين على أخطاء القضاة يحقق التوازن المنشود بين مصلحة المضرور والمتمثلة بحصوله على التعويض عن الضرر الناتج عن خطأ القاضي ومصلحة القاضي، والمتمثلة بالمحافظة على مكانته، فلا يشعر بالخوف والتردد عندما يصدر أحكامه.

والله ولي التوفيق.

* العميد المساعد لشؤون الأبحاث والدراسات العليا

كلية الحقوق – جامعة الكويت

back to top