صدفة ليل

نشر في 09-04-2016 | 00:01
آخر تحديث 09-04-2016 | 00:01
No Image Caption
خط الحجاز الممتدّ مئات الكيلومترات يخترق مدناً وقرى وجبالا وهضاباً، منغرساً بين كثبان رمليّة تشي بصحراء هالكة. خطّ كلما طال امتداده اقتات على صبر السائقين العابرين في سرابه المتوالد وجلَدهم المتعاقب. ومنذ أن انطلق البيشي لاحظ أن سيارته البيجو تراخى عزمها ولم يعد شعار الأسد الذي توّج سنين مجدها شرساً في حبيبات الرمال المتلاحقة فخارت قواه في اجتياز مفازة نجد العظيمة.

كان ذلك في منتصف أغسطس العابس بقيظه وسمومه اللاهبة حينما وصل البيشي بسيارته الأجرة إلى أولى محطات الوقود في مركز ظلم. كانت سمته التباطؤ لنشوء خصام بين رغبتين: المكوث أو المواصلة. كانت نزعته الأولى التزوّد بكميّة كافية من الوقود توصله إلى مركز الحوية، ونازعته خاطرة الكشف على علة محرّك سيّارته الذي أظهر إعياء غير معهود، فصفح عن عهد كان قد قطعه على نفسه بزيارة صديق قطن في قرية وادي النمل جمعتهما رحلات الذهاب والإياب قاطعين المسافات الطويلة في طريق شاخ عبره ملايين المسافرين ولم يترحّموا على ذكراه في مرحلة شيخوخته...

اتخذ قرار المكوث متحللاً من أي التزام حيال أي راكب، فقد عزف عن حمل ركاب جدد والعودة بهم في الطريق نفسه، فما إن أفرغ حمولة ركابه على مشارف مدينة الرياض حتى قفل عائداً بصحبة ولده فائز الذي اتخذه مساعداً له في سفرياته.

– يا فائز، اقترح إدخال السيارة إلى إحدى الورش لإصلاح العطب الظاهر من خلال قياس الحرارة...

لم يعره الفتى اهتماماً كما يجب، فأعاد تذكير نفسه بمخاوفه:

– يبدو أن العطب سيمنعنا من المواصلة، ولو ركبنا جموح عنادنا فسوف

تتوقف السيارة في أي مكان قفر، عندها تكون النتيجة الموت المحقق.

تتضخم خشية التوقف في المناطق المقفرة، خصوصاً في ذلك الخط الممتدّ كثعبان تلوّى على نفسه ولم يعد يعرف موقع جحره.

– بهذا العطب لن أصل إلى الحوية وما دونها...

الرغبة في الاسترخاء هاجمت فائز على حين غرّة، وفتحت في مخيّلته سراديب من الأمنيات يتقدّمها تناول وجبة تُسكت خصام أمعائه. هذه الأمنية كانت سبباً مضاعفاً في الشدّ على أوتار مشاعر البيشي تحبباً بالمكوث، فأظهر تسامحاً إزاء مطالبة ابنه بالمكوث وتناول وجبة العشاء. أما نفسه فكانت تواقة لـ «شرب حجر شيشة باعشن»، ومع انبساط مزاجه أظهر طبع السخاء الذي ينفيه عن نفسه دائماً ويُغلق عليه الباب كي لا يطمع فيه أحد.

– سأدعوك إلى مأدبة ستقسم بها لأيام طويلة.

– لا أريد القسم لأيام، أريد أن أُقسم على امتلاء بطني الآن.

مضى يلاطف ابنه إلى أن توقف عند مقهى اشتهر بتقديم شرائح اللحم المتبّل المطهوّة على الجمر بعد أن يُغطى بحجارة الصوّان.

في الليل يكون جبل ظلم أكثر سواداً من الليل نفسه، وفي الليالي المقمرة تنداح الرمال الفوسفوريّة مشعّة بمعاني الجمال، فتكسب عتبة الجبل منظراً بديعاً، وتكون لحظات السمر مع تناول شرائح اللحم أغنية يردّدها المسافرون.

توقف البيشي أمام المقهى واثقاً بأنه سيجد بغيته، فاتسعت رئتاه ليعبّ من هواء نشط فجاة حاملاً رائحة الشوك إلى منافذ الأنوف، وأطلق ضحكة لتأكيد المراهنة.

– سوف أجعلك تقسم.

يسهر المقهى حتى ساعات متأخرة من الليل، لا يغلق أبوابه في وجه أيّ مسافر. مقهى وجد نفسه غريباً ووحيداً، يخاصمه أهل المدينة ولا يزورونه إلا لماماً خشية اللوم والتقريع، والحجة أن الأكل في السوق دناءة، وكل مكان ما عدا البيت يعتبر سوقاً تتم فيها ممارسة الدناءة.

مقهى قذف في فلاة مجاورة للخطّ الرئيس، يحتضن محطة الوقود أو أنها هي التي تحضنه، والاثنان يتقاسمان المناظر الكئيبة والأجساد المهلهلة ذات القامات المنخورة بغربتها وملابسها الرثة. مقهى اكتسب شهرة واسعة بين المسافرين بما يقدّمه من شواء فريد، ومع اتساع سمعته استقطب بعض الأهالي الذين يستنكفون من الأكل في المقاهي أو الاستراحات، فكانوا يأتونه ملثمين...

وبعدما كان المقهى يستقبل الغرباء من المسافرين عثر الأهالي على طرق عدة توصلهم إلى بوابته المنخفضة والتستر ريثما يتمّ تجهيز الكميّة المختارة من اللحم المشوي.

كان البيشي يمنّي نفسه ببلوغ مدينة الطائف قبل حلول الظلام، وبسبب العطلة كان من المتوقع إظهار تدرجه إلا أن مزاجه الرائق رتّب الوضع والوقت اللذين لا يتنافران بين العطلة ولحظات الأنس.

– سننام الليلة في المقهى.

أطلق تلك الجملة غير آبه بسماع الردّ.

أوقف سيارته بجوار حافلة كانت على وشك الانطلاق، فالمسافرون يتنادون بقرب لحظة الرحيل، وكثير منهم يتسابقون راكضين ليندسّوا داخل الحافلة.

دفع البيشي ابنه محفزاً إياه على اختيار المكان المناسب ريثما يفرغ خزان خصيتيه من مائه:

– لا أوصيك يا فاتر، وأنا أبوك، أن لا تختار مكاناً صاخباً ولا رثا.

وكأن قحف جمجمة فائز تعرضت لعمليّة نخر سريعة ومركّزة فاختار أصخب الأماكن وأقذرها.

تلقى صفعتين على هامته جزاء اختياره، فأظهر عناداً طفيفاً ومكابرة على أن اختياره كان صائباً مؤكداً أنه كان ينتظر نهوض بعض المسافرين في مقاعدهم، هذا العذر سرعان ما تمّ تأكيده بخلوّ مكانين غادرهما صاحبيهما على عجلة من أمرهما، وهما يطلقان الشتائم القميئة بسخاء مفرط ولا يُعرف لمن كانت موجهة.

تحرّك فائز إلى إحدى الأريكتين فيما كانت أجواء المكان عابقة برائحة الشواء.

جلبة رواد المقهى غير مألوفة وازدحام المسافرين في جزء من الموقع يثير الاستغراب.

رفع البيشي صوته عالياً:

– يا قهوجي.

وهمّ بتكرار النداء لولا التفاتة نادل يمني كان على مقربة منه وهو يحاول ثني بعض المغادرين عن الرحيل، على صوت النداء أقبل منفرج الأسارير:

– تأمر يا عمّ.

دهش البيشي من بشاشة النادل واستعداده لتلبية ما يشاء من طلبات، واستملح خلقه وخلقه، سائلا عن اسمه وبلده:

– اسمي طارش.

طارش في الثلاثين من العمر، وأغلب الظن أنه تجاوز منتصفها. كان يتنقل سريعاً بين مقاعد المسافرين ببشاشة وتودد، وإزاء كل طلب يسكب كلمات الود بوفرة.

– ما بال المقهى يفتقر إلى العمال؟

– لا عليك سأوفر لك ما تحتاجه من طلبات، ثق بي.

– ألا توجد ورشة ملحقة بالاستراحة؟

– بلى. أجلب لك ما تحتاجه وأصف لك موقعها.

فطن البيشي إلى أن المسافرين ما إن يسترخوا في مقاعدهم حتى يهبّوا مغادرين المكان، وبعضهم يترك ما قُدّم لهم من شرائح اللحم وملحقاتها ويسارعون إلى الخروج.

تنقلت عيناه في جوف المقهى تتبع خطوات المغادرين، وهاله منظر تساهل المحاسب معهم من غير أن يتقاضى نقوداً لقاء ما طلبوه.

كان هذا يحدث بصمت من دون أي كلمة، حتى ظن البيشي أن ما يحدث ما هو إلا لعبة متفق على قوانينها: يقف المسافر أمام المحاسب ويهمس في أذنه ثم يغادر المكان صامتاً.

المشاهد تزدحم في حركة استفزازية، الكلّ يعطي أذنه للكلّ، والعيون تتسع وتضيق على العمال الثلاثة المنشغلين بتلبية طلبات النزلاء الجدد، يسجلون الطلبات وقبل أن تحضر طلباتهم تتسع الآذان لسماع خبر ما يجعلهم ينفضون مؤخراتهم ويغادرون المقهى، يظهر معظمهم الاستعداد التام لإطلاق كلمات نابية بعد أن تجاوز الواحد منهم المقهى. فجأة تسارعت الأحداث وكأن نزلاء المقهى حضروا لمشاهدة بث مسلسل انتصفت حلقاته...

back to top