صائدو الأحلام... أبحاث ومشاريع

نشر في 08-03-2016 | 00:00
آخر تحديث 08-03-2016 | 00:00
No Image Caption
منذ أن بدأ السومريون ينقشون السجلات على ألواح إسفينية، حصل البشر، بدرجات متفاوتة، على سجلات تسمح بجمع قواعد البيانات. لكن قبل فترة طويلة من تلك الحقبة، بدأنا البحث عن طرق للتمسك بأبرز البيانات الشخصية القابلة للزوال (الأحلام) وحاولنا اكتشاف أسرارها.

خلال الخمسينيات، توقّع مشروع طموح سعى إلى إنشاء قاعدة بيانات دائمة للأحلام هوسنا المعاصر بتخزين المعلومات الشخصية وما يرافقه من إخفاقات.

تعود ريبيكا ليموف وهي، أستاذة مساعِدة في تاريخ العلوم في هارفارد، إلى حقبة الخمسينيات في كتابها الجديد، وتبذل جهداً غير مسبوق لجمع «وثائق بشرية» وتخزينها استناداً إلى رؤية باحث شاب في علم النفس اسمه بيرت كابلان وزملائه في «لجنة السجلات الأولية عن الثقافة والشخصية» في «المجلس الوطني للبحوث».

كانوا يهدفون إلى تخزين أحلام متعددة الثقافات وقصص حقيقية عبر تكنولوجيا متطورة يمكن أن تحتفظ بالبيانات إلى الأبد. تقول ليموف إن الوسيلة التي اختاروها تسمح بالحفاظ على المواد لعشر سنوات تقريباً، ومع ذلك تبقى جهودهم جديرة بالثناء.

كان كابلان طالب دكتوراه في هارفارد في حقبة ما بعد الحرب وقد سافر إلى نيومكسيكو وأخضع أعضاء بعض القبائل الأميركية الأصلية لاختبارات رورشاخ وجمع منهم بيانات نفسية أخرى. لكنه بدأ يقلق بشأن حماية مواده ومواد الباحثين الآخرين في المنطقة، علماً أن بعضهم كانوا يجمعون تقارير عن الأحلام منذ سنوات. كان يطمح إلى استعمال أحدث تقنيات جمع البيانات بأفضل آلية متاحة لتخزين البيانات: بطاقة {ميكروكارد}. من خلال تكثيف الجهود الرامية إلى تصغير حجم المعلومات في تلك الفترة، قلّص هذا النظام الصفحات النموذجية من النصوص وحوّلها إلى صور أصغر بأربع وعشرين مرة وأعاد نسخها على بطاقات يمكن مشاهدتها عبر آلة مكتب {ريدكس} أو قارئ محمول سعره 25$، تزامناً مع تخزين الأفلام الأصلية بكل أمان في شركة {ميكروكارد}.

مشروع طموح

كان المشروع طموحاً على المستويين النفسي والتقني معاً. لطالما كان اليسوعيون وغيرهم يجمعون الأحلام ويسجلونها، لكن تشير ليموف إلى أن هذه العملية كانت تهدف دوماً إلى {دعم نظرية معينة أو تطوير علم الكونيات}. تعامل كابلان وزملاؤه مع التقارير المرتبطة بالأحلام وكأنها بيانات حقيقية، سواء أتت من أشخاص أصحاء أو مرضى أو تعلّقت بالشياطين أو قوائم البقالة، فجمعوا {المواد الدنيوية والماورائية في نقطة التقائها} كما تقول ليموف. يمكن أن يطّلع أي باحث على ذلك المخزون في أي وقت. توضح ليموف: {لم ترتكز المهمة على اعتبار هذه النتائج المجمّعة إثباتاً قاطعاً على نظرية أو أخرى، بل تساءلت عن احتمال عدم طرح أي أسئلة إضافية عن البيانات مستقبلاً}.

صحيح أن أكثر من نصف سجلات قاعدة البيانات أُخِذت من أعضاء القبائل الأميركية الأصلية، معظمها في الجنوب الغربي، لكنها جُمِعت أيضاً من ملفات شملت تقارير عن الأحلام وارتبطت بسكان محليين من ألاسكا والبرازيل وميكرونيزيا والفيليبين. لقد استوعبت قاعدة البيانات مجموعات متنوعة على شكل ملاحظات دقيقة عن أشخاص محصورين في غرف محرومة حسياً بهدف الدخول في حالات متغيّرة. كتبت ليموف أن المعلومات كانت {حميمة بشكل غير مسبوق} بالنسبة إلى بيانات متنوعة لهذه الدرجة. حين بدأ المشروع يجذب الانتباه تدريجاً، بيعت أول مجموعة من بطاقاته (نُشرت أربع بطاقات فقط على الإطلاق) مقابل 35$.

لا تزال مجموعات {ميكروكارد} محفوظة في بعض المراكز البحثية، من بينها مكتبة الكونغرس، وتؤكد ليموف أنها تقدم مواد ممتعة تستحق القراءة.

تأثير الثقافة الواسعة

في مجموعات الأحلام التي جمعتها عالِمة الأنثروبولوجيا دوروثي إيغان التي عملت في البداية مع قبيلة {هوبي} وجمعت على مر العقود سجلات يمكن إدراجها في قاعدة البيانات، يمكن رصد التأثير الضمني للثقافة الواسعة على عملية حفظ البيانات. حددت إيغان بعض السكان الذين كانوا يتمسكون ظاهرياً بثقافتهم التقليدية. لكن طرحت أحلامهم قصة مختلفة: تداخلت أحلام عن إلهات مثل {المرأة العنكبوت} و«ماتسو} مع تلك المتعلقة بقيادة حافلات المدارس وشراء أسرّة جديدة ومقابلة أرواح شريرة. في نهاية اليوم، كانوا يحلمون بعالمٍ يعيشون فيه (وبجامعي أحلامهم أيضاً).

سمحت قاعدة البيانات {ببلوغ ما كان يستحيل بلوغه}، ولم تكتفِ بحفظ {سجلات عن الخسائر المؤثرة والتغيرات العميقة على المستويين الشخصي والثقافي}، بل طرحت أيضاً أفكاراً عن {غموض التغيير ومعنى الإصرار بحد ذاته}. لم يسبق أن ابتكر أحد مواد يسهل الوصول إليها لهذه الدرجة (كانوا يميلون طبعاً إلى إضافة طبقات من التفسيرات الشخصية إليها).

تعتبر ليموف أن رؤية كابلان ظهرت قبل نصف قرن من ابتكار التكنولوجيا التي أنتجت اليوم مجموعة سجلات يسهل أن يصل إليها الجميع. بحسب رأيها، اعتُبر هذا المشروع هدفاً بحد ذاته قبل ظهور أهم معاصريه السابقين لعصرهم بعشر سنوات، وقد شكك بعضهم بما يجعل الشخص يقع في المشاكل واعتبروا أن الباحثين الذين يحملون {ميلاً شرجياً} سيهتمون وحدهم بعملية جمع البيانات هذه (اليوم نحمل جميعاً هذا الميل إذاً!). لكن أصرّ كابلان على وجود كنز ثمين في مواد يعتبرها الآخرون بلا قيمة كونها تحمل {مجموعة كاملة من ملاحظات تجريبية يرتكز عليها علم النفس}.

كانت المعضلات الأخلاقية التي طرحها المشروع سابقة لعصرها أيضاً. أصبحت السجلات الحميمة، مثل تفاصيل الأحلام وقصص الحياة التي كانت تُجمَع تقليدياً كي يستعملها فريق بحثي واحد، متاحة لأي شخص يملك قارئ {ميكروكارد}، ما أثار قضايا مقلقة عن الخصوصية، تحديداً قبل ظهور أشكال الإصدار المعاصرة (أُخِذت مواضيع عدة من مجتمعات لم تكن تستعمل الكتابة كوسيلة ثقافية بعد). كان واضحاً أنّ أي شخص من بلدات المشاركين يستطيع تحديد أصل البيانات من خلال قصص السكان بسهولة نسبية. لكن همّش فريق كابلان ما سمّته ليموف {الفجوة التي يستحيل ردمها بين الخصوصية والضرورة والتي ستزداد عمقاً}.

الواقع مغاير

ليموف مؤرخة علوم تعشق الأدوات الميدانية. لذا تذكّرنا بأن تطور التكنولوجيا يُعتبَر عموماً مسيرة كبرى تمتد من صاحب رؤية إلى آخر، لكنّ الواقع مغاير. نادراً ما تحصل {رحلات جمع البيانات} بسلاسة، حتى أن بعض الرواد من أمثال كابلان قد لا يدركون أهمية ما ساهموا به. لم يكن كابلان بائعاً بارعاً وبقيت مبيعاته محدودة وسرعان ما أصبحت التكنولوجيا التي اختارها في طي النسيان مع أنها كانت أحد أفضل الابتكارات في بداية المشروع. خلال عقد من الزمن، انتهى تمويل الفريق. وبحلول عام 1964، انهارت الشركة ولم يطلق أي مهمة مماثلة بعدها.

مع ذلك، صَدَقت توقعاته حين قال إن نسبة كبيرة من الأفكار النفسية المهمة والمفاهيم المرتبطة بالصحة العامة اليوم تشتق من طرح أسئلة جديدة عن مجموعات البيانات القديمة التي يسهل الوصول إليها. استُخلِصت الاستنتاجات عن البدانة والتأثير الاجتماعي مثلاً من {دراسة فرامنغهام الطولية للقلب}. اشترت مكتبة الكونغرس أرشيف {تويتر} كله وكانت تجمع يومياً أكثر من 20 مليون رسالة تسمح بدراسة المزاج الاجتماعي والأعراف اللغوية. ومن خلال جمع سجلات عن مستخدمي شبكة {نتفليكس}، يمكن الحصول على بيانات قيّمة عن ثقافتنا أيضاً وهي تنتظر أن يحللها علماء الاجتماع.

تساعدنا مساهمات ليموف على فهم طريقة التعامل مع الأبحاث النفسية وتفسير مساهماتنا اليومية، الطوعية منها واللاإرادية، للحصول على قاعدة بيانات {خالدة} بدأت تتخذ طابعاً حميماً متزايداً. كتبت ليموف في هذا السياق: {إنها تجربة عالمية في مجال جمع البيانات الشخصية ونحن نعيش جميعاً في هذه التجربة ونشارك فيها بفاعلية}.

back to top