عذارى لندنستان
{زعلانه عن جدّ والله! لكن لا تنسي أنّ لقاءك به كان مثل قطار يتوقّف عند المحطّة لحظات ثم يغادر}.{وروبرتو؟ أليس هو أيضاً القطار الذي توقّف عند محطّتك وما زال متوقّفاً؟ بل إنّه استأجر مركباً صغيراً من أجل عينيك ليأتي بك إلى هذا الشاطئ. لا بدّ أنّه احتقرني. كنت أظنّ أنّ كبريائي كتُرس السلحفاة لم يقدر أن يخدشها أحد، فإذا بها كفقّاعة صابون}.
{اسمعي إيفون، اسمعي ما قالت أمّنا حوّاء لأبينا آدم عندما سألها كيف ولماذا وقعت في غرامه! جاوبته: {ليش هو كان في غيرك}.تبتسم إيفون، ثم تغشى على نفسها من الضحك وتعانق هدى ثم تبكي بحرقة!تشعر هدى بالحرج وبالقليل من الخيانة، لأنّ ليلتها الرائعة مع روبرتو لم تنته بعد منذ أن غادرا فندقها وسارا في الأزقّة الضيّقة حتى أمسك بيدها وقال:{هدى، دعيني أريك شيئاً خارقاً}.يسرع الخطى بها، وكأنّ ما يريدها أن تراه سيختفي بعد لحظات. سار بها في شوارع مأهولة، غريب! كيف يغيب عن بال السوّاح بأنّ التعرّف إلى أيّ بلد لا يكتمل إلاّ إذا شاهدوا أين وكيف يعيش السكّان حياتكم اليوميّة.{آسف، لا بدّ أنّك جائعة! لكنّني في أشدّ الحماسة لأن أريك شيئاً أتمنّى أن يبهرك وينال إعجابك}.يدقّ على جرس، فيفتح لهما البوّابة الكبيرة حارسٌ يلقي تحيّة على روبرتو بكلّ حرارة. وجدت نفسها في غابة من أشجار الصنوبر وقد سطعت على قممها الأضواء وكأنّ الشيب قد تسلّل إليها فجأة، يُضاء في وسطها بيت من زجاج على شكل هرم، يقودها روبرتو إليه، وما إن يدفش بابه وتنفذ منه رائحة الرطوبة حتى تتراجع هدى وتُصاب بالهلع.{لا أستطيع الدخول، آسفة، أنا أعاني من الربو والرطوبة تؤذيني}. تضع يدها على شعرها تتحسّسه خوفاً من أن تكون الرطوبة قد جعّدت خصلاته!{أوه آسف، آسف، سأدخل إذن وأشير لك من بعيد}.ترى روبرتو وهو يقف أمام شجرة من البلح الإفرنجي، كما كانت تُعرف في لبنان لأنّها عاقر لا تحمل بلحاً؛ شجرة مراوح الأميرة كما يسمّيها الصغار؛ يشير روبرتو إلى أغصانها الوارفة التي تحمل أزهاراً بيضاء، وهو يعلو بنظره ويده إلى أعلى نقطة في الشجرة ثم يخفّض يده لتنتشل أغصان المراوح المتهالكة على الأرض.{إنّها شجرة النخيل المنتحرة}، يشرح لها بكلّ حماسة لحظة خروجه.{شجرة منتحرة؟}.{نعم، أخذت روحها بيدها. لربما أتيت بك في الغد حتى تشاهديها في وضح النهار}. {لقد رأيتها جيّداً وكأنّني في الداخل}، تسرع بالردّ خوفاً من أن يقرّر الإتيان بها في الغد، وهي وإيفون، فتدخل إيفون معه بينما تبقى هي في الخارج تتحسّس شعرها خوفاً من الرطوبة!{لا، لا أغار عليك من إيفون}، تحدّث هدى نفسها وهي تنظر إلى روبرتو. {فقط لا أريد إحراجك مرّة أخرى}. إنّها تتذكّر حين أقدمت إيفون على جرّ روبرتو غصباً عنه للسباحة معها في البحر، في اليوم الأوّل لتعارفهما. وما إن عاد حتى قالت لها هدى باللغة العربيّة: {فهمنا يا ستّ إيفون إنّك سبّاحة ماهرة، لكن لا تنسي: الأسماك أيضاً تجيد السباحة}.{روبرتو، ممكن تقول لي ما الذي قصدته بقولك إنّ هذه النخلة تُميت نفسها بنفسها؟}.{ما إن تزهر هذه النحلة فإنّها لا تتوقّف، تظلّ تزهر وتزهر وتزهر إلى أن تتهالك وتموت. إنّها من مدغشقر. فقد طلب منّي صاحب هذه الفيلا أن أزرع له الغريب وغير المألوف من الأشجار. وقد أحبّ اسمها (Blessed المبروكة)، وكان محظوظاً إذ أزهرت بعد 7 سنوات من غرسها، وكان يخشى أن يموت قبل ذلك. لكن قولي لي، هدى، هل هذا الربو يمنعك من السباحة أو الرياضة عموماً؟}.{لا، لا أبداً، إنّه يضايقني في الساونا والبيوت الزجاجيّة، وربّما في الأمازون أيضاً إذا حدث أن ذهبنا معاً إلى هناك هذا المساء!}.{حسناً، حسناً، هل نذهب إلى الفيلاّ، لقد أعددت الطعام}.تطمئن هدى، فالربو لم يجعله يولي أدباره كما فعل خالها عندما قالت له الصبيّة التي وقع في غرامها أنّها تعاني من فقر الدم.يدخلان الفيلا حيث يسكن، وكأنّ الستائر قد عانقت الشمس طويلاً فشحب لونها الورديّ، والشراشف البيضاء بلون العاج قد طُرحت على الأثاث، والمرايا النائمة غطّت نفسها بوشاح خفيف كأنّه البخار.{هل يعيش روبرتو في ذاك الضوء الخافت أم أنّ المصابيح لم تعد تودّ أن ترى أحداً غير أفراد عائلة الفيلاّ، الذين رحلوا، وبقيت وجوههم هادئة أليفة تطلّ من اللوحات المعلّقة على الجدران وعلى شفاهها ابتسامات باهتة، وكأنّها بانتظار ما سيفعله المهندس وهذه المرأة في خلوتهما}.{أتراه يأتي بكثيرات إلى الفيلا؟!} فكّرت هدى بينها وبين نفسها.{هل هذه طاولة مكتبك؟}، سألته محاولةً إزالة الارتباك الذي بدأ يتراكم بينهما، أو ربّما ارتباكها هي.كان روبرتو قد أعدّ المائدة في ركن من الصالة الواسعة، وترك الشموع تتوهّج وتعكس الظلال على الورود. ما إن رأت غطاء المائدة حتى شهقت لجماله وراحت تتلمّس التطريز عليه.{لهذا الغطاء حكاية}، يقول روبرتو. {فقد قامت بتطريزه شابّة من هذه البلدة، وقد ظلّت ترجئ زواجها حتى تصل به إلى الغرزة الأخيرة. إلى أن تخطّت سنّ الزواج. هل تتصوّرين! لقد كانت في العشرين من العمر. وأرسلت صاحبة هذه الفيلا، وكانت زوجة الدوق، في طلب الشابّة تريد شراء الغطاء منها بعد أن ذاع صيته. وعندما فردته على الطاولة، ورأى زوجها الدموع وسنابل القمح مطرّزة عليه بأجمل الغرز، راح يتأمّل في عينيّ وأصابع هذه المطرّزة الجميلة التي أصبحت عانساً من غير أن تنتبه لذلك، وظلّت تعيش في العالم الذي رسمته على هذا الغطاء. وقع الزوج في غرامها وباح لها بحبّه لها؛ لكنّ المطرّزة رفضت كلّ محاولاته رغم كلّ المغريات من مال وجاه. وعندما أصرّ عليها أن تطلعه على سبب رفضها له وأخبرته بأنّه يكاد يكون بعمر والدها، انتقم منها بأن رفع الغطاء عن الطاولة ورماه تحت أحذيته في قعر خزانته. ظنّت الزوجة أن الجنون قد مسّ زوجها، إذ إنّ طباعه وكلّ ما به قد تغيّر وتبدّل بين عشيّة وضحاها.وحين أدركه الموت ووقعت عين الأرملة على الغطاء المهجور، صُعقت لجماله من جديد، وطلبت من المطرّزة أن تضيف إلى الرسومات أربعة ملائكة على جوانب الغطاء الأربعة؛ فوافقت رأساً، واستبشرت بعودة الشرشف من تحت الأحذية إلى وجه الطاولة ليرى النور. وما إن انتهت من تطريز الملائكة الأربعة على زوايا الغطاء، لم يستطع أيّ شخص يراه ويتأمّل فيه وبجماله أن يحزر ما الذي يمسكه كلّ ملاك بيده: أي تفّاحة أم خنفساء أم تُراها الشمس! ولم تفشِ المطرّزة بسرّ ما يحمله الملائكة في أياديهم إلاّ بعد أن لحقت الأرملة بزوجها.تدنو هدى بوجهها من الغطاء، فترى القلوب وأزرار الورد والعصافير وسنابل القمح والملائكة الأربعة وقد وضعت أصابعها فوق شيء يشبه حبّة الكمثرى. {هل هذه إجّاصة؟}.