أقرب الكائنات إلينا في المحيط المتجمد الشمالي
يبدو أنها كانت تختبئ هناك! تم اكتشاف مجموعة جديدة بالكامل من الكائنات في قعر المحيط المتجمد الشمالي، وتُعتبر من أقرب الكائنات المؤلفة من خلايا بسيطة إلى البشر.
منذ مليارَي سنة تقريباً، انقسمت الخلايا الحقيقية النواة والمعقدة التي تتألف منها الحيوانات والنباتات والفطريات إلى خلايا أصغر حجماً وأكثر بساطة اسمها {بدائيات النوى}. حدد الباحثون أقرب الكائنات إلينا قبل حصول هذا الانقسام. اكتشف ثيجس إيتيما وزملاؤه من جامعة أوبسالا في السويد تلك الكائنات الجديدة حين حللوا الحمض النووي المأخوذ من رواسب جوفية بالقرب من قلعة {لوكي}، وهي منطقة من الفتحات الحرارية المائية على طول مرتفعات وسط المحيط المتجمد الشمالي. تحمل تلك الكائنات اسم {عتائق لوكي}، وهي نوع جديد من العتائق.
على غرار الجراثيم البدائية النواة، تفتقر العتائق إلى نواة خلوية حقيقية وآليات خلوية معقدة أخرى. لكنّ ما يثير الاهتمام أن عتائق {لوكي} تشمل على ما يبدو أكثر من مئة جينة تشير إلى وجود وظائف خلوية معقدة، مثل تشويه أغشية الخلايا وتشكيل حويصلات شبيهة بالفقاعات ونقلها حول الخلية: لا يتم رصد هذه الوظائف في العادة إلا في حقيقيات النوى مثل البشر. يقول يوجين كونين من المركز الوطني لمعلومات التكنولوجيا الحيوية في بيثيسدا، ماريلاند: {إنه اكتشاف ثوري ولافت}. يشير إلى أن خلايا البشر المعقدة قد تكون تطورت بعدما كانت تحمل أشكالاً مميزة وأكثر تفصيلاً من بدائيات النوى القديمة. يوضح إيتيما: {لقد ذُهلنا فعلاً حين حصلنا على أول بيانات عن الجينوم. يمكن أن نقول الآن إن أسلاف العتائق الخاصة بحقيقيات النوى كانت معقدة جداً على الأرجح}. يقول أنثوني بول من جامعة كانتربري في نيوزيلندا: {لا شك في أن فريق إيتيما أثار بلبلة كبيرة}. بحسب رأيه، يساهم اكتشاف عتائق {لوكي} في تحديد الفرق بين العتائق وحقيقيات النوى: {تبقى الكائنات من فصيلة العتائق طبعاً، لكن يُعتبر وجود الجينات التي نربطها في العادة بالمعطيات البيولوجية الخاصة بخلايا حقيقيات النوى مدهشاً جداً}. يعتبر فريق إيتيما أن نتائجه ستساهم في سدّ الفجوة بين خلايا البشر وخلايا بدائيات النوى النموذجية التي يُقال إن البشر تطوروا انطلاقاً منها. لكن يشكك آخرون بحصول ذلك. يقول نيك لاين من جامعة كوليدج لندن: {نحن نقترب من اكتشاف سلف عتيق لحقيقيات النوى}. صحيح أن عتائق {لوكي} تُعتبر معقدة مقارنةً بالعتائق الأخرى المعروفة، لكنها تفتقر إلى جينوم كبير وإلى المتقدرات التي تنتج الطاقة كتلك الموجودة في خلايا حقيقيات النوى. يوضح لاين: {ثمة ألف طريقة لتحليل درجة تعقيد حقيقيات النوى}. لذا لا يمكن اعتبارها خطوة تمهيدية أو حلقة مفقودة. يظن لاين أن الخطوة الحاسمة في مسار تطور حقيقيات النوى كانت تتعلق باكتساب المتقدرات التي يمكن أن تكون وفرت الطاقة لتطوير عمليات خلوية أكثر تعقيداً ولاكتساب جينوم أكبر حجماً. لا يظن إيتيما أن عتائق {لوكي} مزوّدة بالمتقدرات، لكنه يقول إن شكلاً معيناً من عمليات النقل بين الخلايا قد يكون تطور قبل أن يكتسب أسلافنا قوتهم. صحيح أن بيانات الحمض النووي تثبت أن عتائق {لوكي} هي أقرب كائنات بدائية النوى إلينا، لكنها قد تكون مختلفة جداً عن السلف المشترك الذي كنا نتقاسمه منذ مليارَي سنة. لا يمكن أن نحدد للأسف كيف تستعمل عتائق {لوكي} جيناتها إلى أن نتمكن من مراقبة خلاياها مباشرةً. لم يشاهد فريق إيتيما تلك الخلايا بنفسه: فقد استعمل وسائل محوسبة لجمع خرائط الجينوم المأخوذة من الحمض النووي الموجود في رواسب قاع البحر. قد يصعب جمع العتائق وزرعها في المختبر، لذا قد لا نتمكن يوماً من رؤية أنسبائنا المفقودين منذ زمن بعيد!