صرخة في واد
"حين سكت أهل الحق عن الباطل توهم أهل الباطل أنهم على حق". حكمة بليغة وعبارة من أجمل العبارات التي تتناقلها الأجيال عن الإمام علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، وهي في جانب منها تجيب عن سؤال كثير من القراء لماذا تكتب؟ نعم يبدو السؤال منطقياً، لماذا تكتب إذا كان ما تكتب لا يغير من الواقع شيئا؟ لماذا تكتب إذا كان ما تكتب لا يجد صدى عند المسؤولين؟ لماذا تكتب إذا كان ما تكتب لا يحل مشكلة ولا يغير موقفا ولا يبدل قراراً؟ وكما ذكرت يبدو السؤال منطقيا لمن ينتظر ويتوقع أن الكاتب يملك عصا سحرية، أو بالأدق مقالا سحريا ينشره فيتبدل الوضع وتتغير الحال، ولكن هذا– رغم تمني الكثيرين له– غير صحيح على الإطلاق، فالكتابة بطيئة المفعول لكنها عميقة التأثير، يجب ألا تنتظر منها حلا سريعا أو إنجازا فورياً، ولكن تأثيرها يظهر بعد حين، ويكون قويا وشديدا، فالكلمة أقوى سلاحا من الرصاص؛ لذلك دائما ما يخشاها الظالمون المستبدون كما عبر الأديب الكبير عبدالرحمن الكواكبي "هي كلمة حق وصرخة في واد، إن تذهب اليوم أدراج الرياح، فقد تذهب غدا بالأوتاد". نعم هذه هي الكلمة وقيمتها ومكانتها التي قد يستهين بها البعض ولا يدركون قيمتها، ويعتقدون ضعفها في حين يخشاها البعض الآخر من الظالمين ويسعون إلى خنقها بكل الوسائل الممكنة.*** في الكثير من الدول هناك ما يعرف بـ"لجان وجمعيات حماية المستهلك"، وغالبا ما تكون تابعة للجمعيات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني، وهي تهتم بحماية المواطن من الغش التجاري، وتقف إلى جانبه إذا تعرض للغش والخداع سواء في السلعة ذاتها بوجود عيب أو خلل فيها، أو في ثمنها إذا كان مبالغا فيه، ويتجاوز كثيرا مثيلاتها في متجر آخر، ولهذه الجمعيات دور مهم وفاعل يقدره المستهلك ويحترمه ويستفيد منه.وأيضا هناك مراقب الامتحانات الذي يمنع الغش التعليمي، فيقف بين الطلاب أثناء امتحاناتهم مانعا حديثهم مع بعضهم، أو استخدامهم لوسائل غير قانونية في الإجابة عن الأسئلة.فإذا كان هناك حماية من الغش التجاري، ومنع للغش التعليمي، فهل يمكن أن نرى يوما جمعيات تعمل على حماية القارئ من الغش الإعلامي الذي يتزايد يوما بعد يوم؟! (الحديث بالطبع بعيد عن الرقابة الحكومية التي تحمي الأنظمة ولا علاقة لها بالقارئ)، فقد نرى خبرا كاذبا يتم نشره، وتحليلا خادعا يتم الترويج له من أجل الدعاية لنظام، أو فكرة أو قرارا ما، وقد يتم الهجوم عليه من أجل فكرة أخرى أو قرار آخر... إلخ، وكل ذلك من أجل السيطرة على فكر القارئ ورأيه واقتناعه وقراره، وكما قيل قديماً "الزنّ على الودان أشد من السحر"، وهذا تحديداً ما يقوم به الإعلام المغشوش.هل يمكن أن نرى يوماً جمعيات تعمل على حماية المواطن من الغش الإعلامي؟أمل بعيد ولكن قد يتحقق يوماً.