طفلي يخاف من الوحوش!
يرتبط الخوف من الوحوش لدى الطفل بتطور حياته النفسية ومخيلته وغالباً ما يكون السبب في اضطراب لياليه. في ما يلي مقابلة مع عالمة النفس فيرجيني مارتان لافو عن كتابها الذي يشرح مصدر هذه المخاوف وكيفية كبحها.
ما الذي دفعك إلى التكلم عن الوحش في الحياة النفسية لدى الطفل؟أنا عالمة نفس عيادية في المدارس منذ 15 سنة، وأقابل الأولاد بين عمر السنتين والنصف والثانية عشرة. استناداً إلى مختلف تجاربي المهنية، لاحظت أن الأولاد يذكرون الوحش في مناسبات متكررة. أردت أن أعرف مفهوم الوحش في مخيلة الأولاد.هل هذا المفهوم مرحلة إلزامية لدى الجميع؟لا. لا يتحدث جميع الأولاد بالضرورة عن الوحوش. لكن حين يفعلون، يندهش الراشدون حين يلحظون مدى سهولة استعمالهم لهذه الكلمة. بين عمر السنتين والثانية عشرة، يبني الأولاد في عقلهم النماذج والمراجع والمعايير. مع نمو حياتهم النفسية ومخيلتهم، يصبحون أكثر قدرة على استيعاب هذا المفهوم الغريب الذي يذكّرنا بكيان غير موجود. يرتكز الراشدون من جهتهم على أمور معروفة وأكثر شيوعاً ومعايير موروثة وأكثر منطقية للتعبير عن مخاوفهم.ما الفرق بين الوحوش التي نشاهدها على التلفزيون وتلك التي يشاهدها الطفل في أحلامه والتي تتجاوز الواقع أحياناً؟يعرض التلفزيون شخصية الوحش أمام الطفل. بالتالي، لا يعتبره الطفل بالضرورة وحشاً بمعنى الكلمة، حتى لو كان يستطيع إطلاق هذا الاسم عليه. أما الوحش الذي يشاهده الطفل في أحلامه فهو مختلف. هو يتأثر بما شاهده الطفل في الخارج (على التلفزيون أو في السينما)، أو بما طوره في داخله عن نفسه (وحش شخصي). في هذه الحالة الأخيرة، يصبح الوحش شكلاً من الإسقاط الخارجي عن ما هو متوحش في داخله.بعبارة أخرى، يجسد الوحش هنا إسقاطاً لرغبات الطفل والاندفاعات التي لا يستطيع التحكم بها...الوحش الذي يتخيله الطفل في أحلامه أو في مخيلته يعكس الناحية الحميمة لديه، أي جميع رغباته وغيرته ومخاوفه ومشاعره تجاه والديه وخوفه من فقدانهما... إنها نتيجة فائض من العواطف والاندفاعات. هذه العواطف الجارفة تهاجم الطفل دفعةً واحدة. ويكون تصنيف تلك المشاعر تحت تسمية “وحش” الخطوة الأولى التي يتخذها الطفل للتحدث عن ما يزعجه ويجعله يضطرب. نستنتج عموماً أن شكل الوحش الذي يبتكره الطفل يكون مبهماً وسرعان ما يثير خوفه. في المقابل، كلما كان الوحش دقيقاً، يصبح الكلام عنه غير محدد ويسعى الطفل إلى إبعاده سعياً وراء تدميره.الوحش ليس مرادفاً للشر بالضرورة؟يمكن أن يصبح لطيفاً إذا أعطاه الطفل صفة شخصية أو إذا أطلق عليه اسماً. كيف يمكن مساعدة الطفل على التخلص منه؟إصغاء الأهل عامل أساسي. حين يشاهد الطفل كابوساً أو يسأل إذا كانت الوحوش موجودة فعلاً، هو لا يريد أن يعرف الجواب بل يطلب من يساعده كي يعبّر عن مشاعره. من الضروري في هذا المجال إقامة حوار معه لمحاولة فهم ما يقوله عن هذا الوحش وكيف يشعر به ويعبّر عنه: من شاهد في حلمه؟ ماذا كان يفعل؟ كيف كان شكله؟يجب استيعاب ما يقلق الطفل فعلاً لفهم ما يخفيه وراء خوفه. يسهم الحوار في تحسين نوعية “الوحش” وفهمه والتحكم به بشكل أفضل. من خلال الكلمات، يبني الأطفال رد فعلهم بأنفسهم.ما هي الخلاصةهل يجب أن نسرد القصص المخيفة للأولاد؟ حين يطلب الطفل سماع هذا النوع من القصص، لا ضير في ذلك لأن هذه القصص تطمئنه من خلال إعطاء شكل وحقيقة ملموسة لمخاوفه. تساعده هذه المغامرات المشوقة على فهم عواطفه الخاصة بشكل أوضح واستيعاب مخاوفه وكبحها من خلال جعلها مفهومة، وبالتالي يصبح من الأسهل التحكم بها.هل هو مقتنع بأنه شاهد وحشاً؟ ما العمل؟يجب تذكير الطفل بهذه الحقيقة الأساسية: الوحش غير موجود بل إن خيالك يخدعك.عدم السخرية من الطفل حتى لو بدا سبب خوفه مضحكاً أو سخيفاً.الإصغاء إليه وطمأنته إلى أنه ليس وحده.عدم السعي إلى تفسير حقيقة الوحش شفهياً له. هذا العالم الخيالي هو ملك له ويجب أن يتعلم بنفسه كيفية السيطرة عليه.مرحلة إلزامية؟بعض الأطفال الذين لم يختبروا يوماً قلقاً معيناً قد يعبّرون فجأةً عن مخاوفهم ويرفضون النوم وحدهم مساءً. وراء هذه المخاوف من الوحش، يسعى الطفل أحياناً إلى جذب انتباه أهله وطلب المساعدة والراحة في مرحلة من حياته، حين يشعر مثلاً بانعدام الأمان العابر. من الضروري تبني موقف مطمئن والأهم هو تشجيعه على مناقشة مخاوفه (من دون السخرية منه مطلقاً). تختفي هذه المخاوف من تلقاء نفسها مع مرور الوقت.متى يجب استشارة الاختصاصيين؟يمكن أن تظهر نوبات الرعب الليلي عند جميع الأولاد، بغض النظر عن جنسهم والبيئة العاطفية أو الاجتماعية التي ينمون ويتطورون فيها. حين تظهر هذه المخاوف، لا بد من محاولة تحديد مصدرها. حداد؟ انفصال عاطفي؟ مرض أحد الوالدين أو مشاكل مدرسية؟ يتعلق هذا النوع من الاختلالات في أغلب الأحيان باضطرابات سلوكية. عندها تبرز أهمية استشارة الاختصاصي الذي يستطيع تقديم المساعدة لفك شيفرة المواقف التي لا تكون كارثية بالضرورة.