الصدق... على طريق الحقيقة

نشر في 02-06-2015 | 00:02
آخر تحديث 02-06-2015 | 00:02
No Image Caption
يمكن أن يكون الجميع صادقين... تقريباً! الصدق لا يخص فئة اجتماعية أو ثقافة معينة. يمكن أن يتمتع كل شخص بهذه الصفة، إذ يكفي أن نسلط الضوء عليها إذا أردنا تحقيق ذاتنا والكشف عن حقيقة ما نحن عليه. يؤدي هذا السلوك إلى السعادة إذا نجحنا في تجاوز أحكام الآخرين وقررنا إطلاق العنان لشخصيتنا الحقيقية.
يفقد الصدق أحياناً معناه الحقيقي، لكن تبقى محاولة العيش مع التعبير عن الذات والتعامل مع الآخرين بكل صدق أجمل طريقة لبلوغ السلام الداخلي. لا يمكن الشعور بالسعادة إذا كنا نعيش كذبة. حين ننظر في المرآة في كل صباح، ما الذي نراه؟ هل نشاهد شخصاً كاذباً يخدع الجميع؟ هل نبقى مثلاً مع الشريك لأسباب مادية بدل الحب؟ من يمكن أن يفتخر بوضع مماثل وكيف يمكن أن نقدّر قيمة نفسنا في هذه الحالة؟ هكذا ينتهي بنا الأمر بكره الذات ثم كره الآخرين أحياناً.

 عيش الحقيقة لا يضمن السعادة المطلقة بحد ذاتها، بل إنه يوفر فرحاً معيناً حين نتصرف على سجيتنا ولا نخجل بشيء ونمشي مرفوعي الرأس بدل إنزال العينين خجلاً أمام الآخرين لإخفاء أكاذيبنا. لا يمكن أن يمر ذلك السلوك أصلاً من دون دفع ثمن معين.

 

مفهوم الحقيقة

 

لتحديد مفهوم الحقيقة، لا مفر من تحليل طريقة التعامل مع مشكلة الحقيقة تقليدياً في مجال الفلسفة. تعطي النظرية المرتبطة بالحقيقة معنى كل ما هو {حقيقي} وتسعى إلى تعريف الكيانات التي تحمل تلك الحقيقة. يجب أن نتذكر في المقام الأول أن الحقيقة تعني كل ما هو موجود فعلاً وهي ميزة راسخة في جميع أنواع الكلام ولا تعكس الواقع الذي يرتكز عليه الكلام.

 

مفهوم الصدق

 

يعني الصدق قول الحقيقة بشتى الطرق: عبر الكلمات والتصرفات في آن. يتصرف الشخص الصادق على طبيعته لكن يتجاوز هذا المفهوم التصرفات العفوية والتلقائية. يجيد الجميع التصرف ببساطة وطبيعية. لكنّ الشخص الصادق يتخطى هذه المرحلة. يمكن أن تقوده جميع المزايا أو القرارات المرتبطة بطبيعة الإنسان العميقة إلى الصدق أو الخداع. لكن يجب التمييز بين الشخص الحقيقي والشخص الصادق. الشخص {الحقيقي} لا يعرف {الحقيقة} بالضرورة.

لكن حين نكون حقيقيين، تكمن المشكلة عموماً في عدم تقدير الناس لسلوكنا هذا. يحتاج الناس إلى رؤيتنا من خلال صورة تكون بعيدة عن الواقع في أغلب الأحيان ولكنها تناسبهم أو بالأحرى تطمئنهم. لكن تبقى حقيقة الشخص مختلفة جداً في معظم الحالات. نحن نحدد قيمة الناس بحسب مكانتهم أو أصلهم أو الفئة الاجتماعية والمهنية التي ينتمون إليها، لكن نادراً ما نفعل ذلك بناءً على حقيقتهم. كلما تعددت وجوه الشخصية، يصبح الكشف عن طبيعتنا الحقيقية معقداً، وبالتالي يصعب الكشف عن الجانب الصادق فينا أمام الآخرين.

بشكل عام، يتمثل السلوك الصادق بحركات وكلمات منصفة وملموسة تتماشى مع الشخصية الذاتية. يجب أن يمر الصدق بالتعبير عن الذات. يميل الشخص الذي ينقل مزايا شخصيته وطريقة عيشه وتصرفاته إلى أن يكون صادقاً. يكون الصدق أيضاً جزءاً من العقلية والمواقف الشخصية.

يمكن أن يصبح الضحك مؤشراً على الصدق لأنه يستطيع الكشف عن الشخصية الفردية: الضحك لمجرّد إسعاد الآخر ليس صادقاً. أما الضحك للشعور بالارتياح، فيكون صادقاً. قد يتداخل هذان النوعان من الضحك طبعاً، إذ يمكن أن نضحك لأجل الآخرين ولأجلنا في الوقت نفسه. أهم ما في الأمر هو تجنب الادعاء.

العفوية وسرعة البديهة هما من خصائص الصدق لأنهما تكشفان عن طريقة تعامل الشخص مع الآخرين. أما الشخص الذي لا يكون عفوياً أو يمتنع عن التعبير عن مشاعره الفعلية، فقد يكون حقيقياً لكنه سيجد صعوبة أكبر في الكشف عن جانبه الصادق، إذ سيصعب عليه أن يعبّر عن طبيعته في الوقت اللازم بسبب تحفّظه المفرط. ثمة صفات أخرى تطبع الصدق مثل البراءة والبساطة أو حتى السذاجة لأنها لا تستلزم تغيير الطباع الأصلية للفرد. تُعتبر مرحلة الطفولة مؤثرة جداً في هذا المجال. تكون العواطف والعقليات حقيقية بشكل عام لأنها جزء لا يتجزأ من طبيعة الفرد. لكن في الوقت نفسه يمكن أن نخون أو نخدع المشاعر والأحاسيس الحقيقية التي تكون راسخة في داخلنا...

 

تجديد التواصل مع العواطف الذاتية

 

يعني اختيار الصدق كنهج أساسي في الحياة إعادة التواصل مع العواطف الشخصية. كيف يمكن الشعور بها والإصغاء إليها؟ يحصل كل شيء عبر مفهوم {الذكاء العاطفي}، أي التفكير المنطقي الذي ينعكس على التصرفات، والتوفيق بين الخصائص الفطرية والمكتسبة، والتعرّف إلى العواطف والتعبير عنها بكل حرية بناءً على الحكم الشخصي والحس النقدي، تمهيداً للتحرك والتفاعل بأفضل طريقة ممكنة. يجيد الشخص الحر والمتحرر إقامة التوازن المناسب بين الحس النقدي والأحكام الشخصية والعواطف والأحاسيس. هو يجيد تدبّر أموره في مختلف الظروف، فيبرع في خوض أي جدل ويقارب الأمور بموضوعية، كما يجيد رفع مستواه من دون الشعور بعقدة الفوقية. هو يوجّه كل شيء ويعلم في الوقت نفسه أنه يحتاج إلى من يوجّهه. يفهم أنه سيفقد قيمته من دون الآخر الذي يختلف عنه ويتمتع بمصادر اغتناء يمكن أن تفيده.

 العامل الأهم هو أنه يعرف أنه لن يصبح مثالياً يوماً لكنه يتابع محاولاته رغم ذلك. هذا هو معنى الذكاء العاطفي!

وفق تعريف آخر للذكاء العاطفي، يمكن اعتباره القدرة على إدراك العواطف والتعبير عنها واستيعابها لتسهيل التفكير والفهم وتطوير المنطق من خلال العواطف، فضلاً عن تنظيم المشاعر الخاصة ومشاعر الآخرين.

 

نحو الذكاء العاطفي

 

هل يتوقف مصيرنا فعلاً على معدل ذكائنا؟ هذه النظرية غير صحيحة لأن مفهوم الذكاء التقليدي يهمل جزءاً أساسياً من السلوك البشري: الردود العاطفية. يفشل بعض الأشخاص رغم ارتفاع معدل ذكائهم، بينما يحقق أشخاص آخرون نجاحاً هائلاً رغم تراجع مستوى ذكائهم. يحصل ذلك بسبب وجود شكل آخر من الذكاء: إنه الذكاء العاطفي الذي يمكن تحفيزه وتطويره منذ الطفولة. يمكن النجاح في تحقيق ذلك من خلال التمتع بصفات مثل التحكم بالذات والمثابرة والتحفيز واحترام الآخر. في المقابل، يؤدي أي نقص في هذا الذكاء إلى زعزعة الاستقرار العاطفي ونشوء مشاكل مهنية وصحية.

الذكاء العاطفي جزء أساسي من الطريق التي تقود إلى اكتشاف حقيقة الذات وتجاوز القدرات الشخصية. بحسب طريقة تواصلنا مع ذاتنا الداخلية، سنشعر بالعواطف ونعبّر عنها. العواطف موجودة لخدمتنا ولا يمكن قمعها مهما فعلنا! مع ذلك، ما عدد المشاعر التي نكبتها في حياتنا اليومية؟ عددها هائل جداً! لا شك أن مشاعر الإحباط والغضب والخوف التي تتراكم في أعماقنا تنعكس سلباً على مسار حياتنا اليومية لأن اللاوعي يشعر بالحاجة إلى التعبير عن نفسه. وإذا رفضنا مواجهة حقيقتنا بطريقة مباشرة، سيخوض اللاوعي تلك المواجهة عنا من خلال إفساد حياتنا اليومية وبث مشاعر القلق ومحو الذات وتراجع الطاقة والاكتئاب...

لنتحرر إذاً من هذه الصور الخاطئة التي نتمسك بها ولنتسلّح بالصدق أخيراً مع نفسنا ومع الآخرين. هكذا يمكن أن نحسّن الفرص المستقبلية ونسير على طريق الحقيقة...

عبر عن حقيقتك!

حاول العيش بكل هدوء وسط ضجيج العالم وتذكّر السلام الذي يمكن إيجاده في الصمت. حاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الناس. عبّر عن حقيقتك بكل هدوء ووضوح واستمع إلى الآخرين وتفهّم مواقفهم.

 

تجنب الأشخاص العدائيين والصاخبين: إنهم مصدر إزعاج للروح. لا تقارن نفسك بأحد لأنك تجازف في هذه الحالة بالتحول إلى شخص متفاخر وفارغ. ستجد دوماً أشخاصاً أكبر وأصغر منك.

 

استمتع بمشاريعك وإنجازاتك. تعامل مع مهنتك دوماً باهتمام، حتى لو كانت متواضعة: إنها {ملكيّة} قيّمة وسط ظروف الحياة المتبدلة مع مرور الزمن. كن حذراً في جميع تعاملاتك لأن العالم يعجّ بالخداع. لكن لا تتجاهل القيم الحقيقية لأن عدداً كبيراً من الناس يتابع البحث عن المُثُل العليا ولا تخلو الحياة من القصص البطولية.

تصرف على طبيعتك. لا تدع شيئاً يؤثر على صداقاتك ولا تكن متشائماً في مجال الحب لأنه قد يكون أبدياً فعلاً رغم جميع المصاعب.

 

تقبّل آثار الزمن بكل رحابة صدر، واحرص على قبول انتهاء مرحلة الشباب بكل إيجابية. طوّر قوة روحية كي تحمي نفسك في حال وقوع أي طارئ. لكن لا تحبس نفسك في الأوهام. يمكن أن تنشأ مخاوف عدة بسبب التعب والوحدة. احرص على اتباع أسلوب حياة سليم وكن لطيفاً مع نفسك.

 

أنت ابن هذا الكون مثل جميع الكائنات الأخرى: من حقك أن تكون موجوداً في هذه الحياة وسيتابع الكون مساره سواء قبلت بذلك أو لم تفعل.

 

تصالح مع الخالق، بغض النظر عن أعمالك وأحلامك، حافظ على سلامك الروحي وسط ضجيج العالم. رغم جميع مظاهر الخداع والشقاء والأحلام المكسورة، يجب الاقتناع دوماً بأن العالم يبقى مكاناً جميلاً. اعمل على تحقيق السعادة بكل بساطة!

back to top