غورباتشوف: تجاهل بوتين سياسة خاطئة ولا أخاف الموت!
في مقابلة مع «شبيغل» يتحدث زعيم الاتحاد السوفياتي السابق ميخائيل غورباتشوف عن خطر العلاقات المتردية بين روسيا والغرب بسبب الأزمة الاوكرانية، محذراً من تدهور الأوضاع بشكلٍ أكبر. وفي رأيه، أن ألمانيا تستطيع أن تؤدي دوراً كبيراً في هذا المجال.تتساقط الثلوج بغزارة أمام مكتب في شارع لينينغرادسكي في شمالي غرب موسكو. إنه موقع «مؤسسة غورباتشوف» منذ 23 سنة، وهو مركز للأبحاث والمشاريع السياسية والمبادرات الخيرية وتنظيم المؤتمرات ونشر الكتب. ثمة صور كثيرة من الأزمنة الغابرة على جدران مكتب ميخائيل غورباتشوف. صور تظهره مع جورج بوش وأخرى مع فرنسوا ميتران وأخرى مع هيلموت كول أو شيمون بيريز. ثمة كذلك صور كثيرة مع زوجته رايزة غورباتشوف التي توفيت في عام 1999 بعد صراع طويل مع مرض اللوكيميا. وثمة لوحة زيتية كبيرة فوق مكتبه وهي آخر صورة للسيدة الأولى. صوته يتهدّج حين يتحدّث عنها.
خضع غورباتشوف البالغ من العمر 83 سنة لثلاث جراحات جدية أخيراً: واحدة في فقرته، واحدة للبروستاتا وأخرى لشريانه التاجي. ويبدو أنه سيخضع لجراحة إضافية قريباً. وقد غيّر الدواء الذي يتناوله من شكل وجهه فبات لا يحب التصوير: «شكلي في الصور كمظهر كلب بولدوغ الآن» يقول. «لا تبدو ككلب بولدوغ!» نردّ مؤكدين. يقول مصراً: «طبعاً أبدو كذلك، لا تجاملوني!». وسرعان ما يرسل معاونه إلى الغرفة المجاورة ليعود بصورةٍ له منشورة في جريدة روسية. فهمنا وجهة نظره، فالصورة لا تظهره في أفضل حال ولكنه كان حاد البديهة ومتيقظاً طوال الحوار الذي أجريناه فقدراته الذهنية ما زالت في أوجها.قلة أسهمت في وضع حد للحرب الباردة. نراها اليوم مجدداً تلوح في الأفق كنتيجة للأزمة الأوكرانية. كم يصعب عليك أن تشهد ذلك؟طبعاً اشعر وكأنني قد عشت هذه التجربة سابقاً. لعلّ أفضل عنوان لهذه المقابلة هو: «التاريخ يعيد نفسه»، كان هناك وقت لبناء الجدار، ووقت آخر لتدميره. لست الشخص الوحيد الذي عليكم شكره على تدمير الحائط. اشكروا سياسة وزير خارجيتكم السابق ويلي براندت والتظاهرات في شرق أوروبا. أما اليوم، فنشهد قيام جدار آخر وينذر الوضع بتصعيد خطير. إني أرى إمارات حرب باردة جديدة. قد ينفجَّر الوضع إن لم نتصرف حالاً. ليس أسوأ من فقدان الثقة. فقدت موسكو ثقتها بالغرب والأخير فقد ثقته بها. وهذا أمر مؤسف.هل نشهد حرباً كبرى أخرى في أوروبا؟لا يجب حتى التفكير بحرب من هذا النوع، إذ لا شكّ في أنها ستؤدي إلى حرب نووية. ولكن التصاريح من الطرفين والبروباغندا القائمة تجعلني أخشى الأسوأ. إذا فقد طرف ما أعصابه سنشهد نهايتنا في السنوات المقبلة حتماً.ألست تبالغ قليلاً؟لا أقول هذه الأمور باستخفاف. أنا رجل له ضمير. ولكنني أنقل الواقع القائم. إني قلق بالفعل.تعتبر العقيدة العسكرية الروسية الجديدة توسع حلف الأطلسي شرقاً و»تعزيز الحلف لقدراته الحربية» من أهم الأخطار التي تواجه روسيا. هل توافقها الرأي؟لا شك في أن توسع الأطلسي شرقاً هدم هيكلية الأمن في أوروبا كما حُدِّدت في ميثاق هيلسينكي النهائي في العام 1975. شكل هذا التوسع شرقاً انعطافة من ميثاق باريس الذي اتخذت فيه البلدان الأوروبية كلها قراراً برمي الحرب الباردة وراء ظهرها إلى الأبد. وقد تجاهل الغرب بوقاحة نداءات الروس، بما فيها نداءات الرئيس السابق ديمتري مدفيديف للجلوس معاً للعمل على وضع هيكلية جديدة للأمن في المنطقة، وها نحن نرى اليوم نتائج هذا الأمر. لأزمة أوكرانيا طابع شخصي بالنسبة إليك وليس لأسبابٍ سياسية فحسب.هذا صحيح ومنطقي. فأنا نصف أوكراني. والدتي أوكرانية وزوجتي رايزا كذلك. نطقت بأولى كلماتي بالأوكرانية، وأولى الأغاني التي سمعتها كانت بالأوكرانية. منطقة سترافوبول الجنوبية، وهي مسقط رأسي وخدمت فيها كقائد ذات مرة، عقدت شراكة ذات يوم، إبان الاتحاد السوفياتي، مع دونيتسك الأوكرانية التي تشهد اليوم حرباً ضروساً. في تلك الفترة تكاتفنا. كنا أصدقاء ونعيش في بلدٍ واحد. حتى اليوم لدي كثير من الأصدقاء والأقارب في أوكرانيا وتلك حال كثير من الروس.كأمين عام للحزب الشيوعي، حاربت في سبيل «الغلاسنوست» (الانفتاح) و»البريسترويكا» (إعادة الهيكلية). هل انهار كلّ ما سعيت إلى بنائه في حياتك السياسية في عهد بوتين؟أنظر إلى الأمور من منظار آخر. «الغلاسنوست» لم تمت ولا الديمقراطية. ثمة جيل جديد ينمو في روسيا في ظروفٍ مختلفة تماماً، حيث الحرية أكبر مما شهدناه في عهد الاتحاد السوفياتي السابق. لا يمكن إعادة عقارب الساعة إلى وراء. لم ينهار كل شيء.ومع ذلك باتت القيادة الروسية أكثر ديكتاتورية مما كانت عليه منذ زمن بعيد.ما الذي تقصده بـ»الزمن البعيد»؟الزمن السابق لغورباتشوف. أما اليوم فمرة جديدة نرى فرض قيود على حرية الرأي والصحافة وليست الانتخابات حرة.إذاً نظرتنا إلى الأمور مشتركة. منذ ذلك الوقت هرمت وعشت حياة مديدة. عندما أصبحت عضواً في الحزب الشيوعي كتبت دراسةً عنونتها: «ستالين، مجد حربنا، ستالين وحيُنا، نحن الشباب». أما اليوم فأدعم من يحارب نزعة تقديس ستالين.يضع بوتين قيوداً على الحرية ولكن الأغلبية ما زالت راضية عنه. لماذا؟عندما انتقل بوتين إلى الكرملين كان لديه إرث صعب. كانت الفوضى في كل مكان. كان الاقتصاد منهاراً ومناطق بأكملها تريد الانفصال. وكان هناك خطر حقيقي بتفكك روسيا. بوتين أوقف الخطر، وذلك أكبر إنجاز يسجّل له في ولايته. حتى لو لم يحقق بوتين أي أمر آخر سيبقى ماثلاً في الأذهان لهذا الإنجاز بالذات. نعم، لا شك في أنه يلجأ أحياناً إلى وسائل ديكتاتورية وغالباً ما عارضت أنا ذلك. ولهذا السبب بالذات عارضت توليه المنصب لولاية ثالثة.هل روسيا بحاجة اليوم إلى صاحب نظرة «بريسترويكا» جديدة كما قال وزير المال السابق ألكسي كودرين أخيراً، أي إلى بوتينٍ أهلٍ للثقة ويحظى على احترام الغرب؟أوافق كودرين الرأي. خطت روسيا نصف مسيرتها نحو الديمقراطية وما زال علينا أن نكمل النصف الآخر. للأسف، جدول الكرملين اليوم محافظ جداً، أعتقد أن ذلك خطأ كبير.ما هو سرّ بوتين؟ قبل سنوات كتبت أنه لا يهتم إلا بالبقاء في السلطة.لا أستطيع معرفة ما في داخله. ولكن لا نستطيع أن نتقدم من دون ديمقراطية ومن دون مشاركة الشعب. إننا بحاجةٍ إلى انتخابات نزيهة وحرة وإلى إشراك الناس في العملية السياسية. لا يسعنا الاستمرار بالأمور على هذا المنوال، أي أن نتحدَّث عن قانون في الصباح لنقرّه في الليل.هل الشعب الروسي جاهز لمزيد من الديمقراطية؟عليك أن تسأل المعارضة هذا السؤال وهي ليست نافذة بما فيه الكفاية.ولكننا نسألك أنت؟لا يبدو صائباً قمع كل من يفكر بطريقة مختلفة، أو وضع شخص مثل معارض الفساد والناشط ألكسي نافالني قيد الاعتقال لمجرّد أنه فتح فمه. كذلك ليس صائباً توزيع المناصب الحكومية الأساسية أو المناصب الإدارية في مؤسسات الأعمال الكبرى وفق الصداقات كما يحصل الآن. هل من الممكن أن يغيِّر بوتين من سياسته مع تخبط الاقتصاد وانهيار الروبل؟لا يخشى بوتين شيئاً لأنه ما زال يتمتَّع بشعبية كبرى. إن شعَر بوتين أنّ لا خيار لديه إلا ذلك سيتصرّف على هذا الأساس.أثناء تقديمك لكتابك في شهر نوفمبر قلت إن بوتين يعاني إفراطاً في الثقة بالذات. فهو يخال نفسه «شبه إله» على الأرض كما وصفته آنذاك.لعله يعتبر نفسه «إلهاً» (يضحك). طبعاً ليس بوتين إلهاً. ولكن لا شكّ في أن من يتولى مسؤولية، عليه أن يتّخذ قرارات ومن هنا جرعة لا بأس بها من الثقة بالذات قد تكون ضرورية.غالباً ما اتهمت أنت أيضاً بالتردد وعدم اتخاذ القرارات.كيف استطاع غورباتشوف المتردد هذا أن يفرض سياسة «البريسترويكا» هذه في ظل مقاومةٍ شديدة؟ كيف أعلن «الغلاسنوست» التي سمحت بحرية الرأي والمعتقد؟ كيف عمل على تأمين حرية السفر بينما كانت إجراءات السفر مضنية ومعقدة لكل مواطنٍ سوفياتي؟ وكيف قرر هذا المتردد إنهاء سباق التسلح النووي فخفّض ترسانة الأسلحة المتوسطة والبعيدة المدى إلى النصف؟ إن لم يكن كل ما ذكرت ينم عن شجاعة وعزم في القرار، فكيف تفسره إذاً؟ هل يزعجك أن عدداً كبيراً من الناس في بلادك يرون فيك الرجل الذي هدم الاتحاد السوفياتي؟يعرف كثير من الناس أن هذا الاتهام ليس صحيحاً. للأسف، أسمع هذا النوع من الكلام السطحي من الرئيس بوتين نفسه ومن الوطنيين الزائفين. ولا شك في أنّهم يتحرقون لمقاضاتي والحزب الشيوعي بتهمة الخيانة العظمى.ألا تعتقد أن الأمور كانت لتكون أفضل لو لم يتم المساس بالاتحاد السوفياتي؟طبعاً. لا شك في انّ الانهيار السريع للاتحاد السوفياتي هو سبب أعمق للأزمة الأوكرانية الحالية.أنت تتحدَّث عن العام 1991، عندما تفكك الاتحاد السوفياتي كنتيجة للنزاعات بين القوميات المختلفة وبسبب أزمات التموين والأزمات الاقتصادية.كان معارضو «البريسترويكا» قد خسروا المعركة السياسية العامة، لذلك ركزوا على التصعيد وسعوا إلى انقلاب. كانوا طامعين في السلطة ولكنهم دمروا الاتحاد السوفياتي. وكان علاج سلفي بوريس يلتسين «علاج صدمة» ما زالت روسيا تعانيه حتى اليوم. كان عندي برنامج إصلاحي. ورغم أن مفردة اتحاد كانت جزءاً من اسم الاتحاد السوفياتي ولكنه لم يكن اتحاداً بالفعل. لذلك قدمت ميثاقاً معدلاً للاتحاد كان ينبغي توقيعه في أغسطس عام 1991، ولكن الطبقة السياسية الحاكمة كانت تخاف من الحقبة الجديدة.في خطاب وداعك قبل أن تغادر الكرملين في نهاية العام 1991، شدّدت على نجاح سياساتك وعلى أنه ليس على البلدان المجاورة أن تخشى من القوات الروسية بعد الآن. عاد هذا الخوف إلى النفوس مجدداً اليوم.للأسف، غالباً ما ننسى ما يعلمه لنا التاريخ.ومن نلوم على ذلك؟ تسألني السؤال الأبدي: «من المسؤول الكنة أم الحمى؟». في الحقيقة، يتحمل كلّ من روسيا والغرب وزر مسؤولية ما حصل معاً، وإن بدرجات مختلفة. تعامل الطرفان مع الموضوع باستخفاف.من المسؤول الأول عن الأزمة الأوكرانية؟لا ينفع تبادل اللوم في أزمةٍ خطيرة من هذا النوع. ولكن فلنوضح بعض الأمور. في نوفمبر من العام 1990، في مؤتمر الأمن والتعاون في باريس، دار النقاش حول نظام عالمي جديد يكون سلمياً. عملنا أنا وجورج بوش الأب على الترويج لهذا الأمر. ولكن ذلك لم يتحقق، بل على العكس انتشرت عقلية الغطرسة والانتصار بشكلٍ خطير في أميركا. كلما أزور الولايات المتحدة أنتقد هذا الأمر. أذكِّرهم كيف أن جون ف. كينيدي وقف ضد «شيطنة» الناس في الاتحاد السوفياتي وكيف قال بأنّ السلام الحقيقي لا يمكن أن يكون مفروضاً من أميركا. فالسلام إما يعم في البلدان كلها أو لا يعمّ أبداً. ولكن ألم تخرج الولايات المتحدة منتصرة من الحرب الباردة؟وهل كانت الولايات المتحدة لتُحقق أياً من التغييرات الكبرى هذه من دون موسكو؟ من دوننا؟ طبعاً لا! في تلك الفترة أريناهم ما يمكن تحقيقه معاً: قمنا بحل النزاعات الإقليمية، وحققنا إعادة التوحيد الألمانية، انسحاب القوات السوفياتية من شرق أوروبا، نزع الأسلحة النووية. للأسف، من بعدها راحت الولايات المتحدة تبني امبراطوريةً عالمية متغطرسة.متى بدأت الولايات المتحدة تتخذ هذا المنحى؟أنت تعرف متى. لدى انهيار الاتحاد السوفياتي، ذرف البعض دموع التماسيح أمامنا فيما كان يضحك فرحاً في سرّه. وبدأت الولايات المتحدة محاصرة روسيا بما سمّته درعاً دفاعياً: توسع حلف شمال الاطلسي شرقاً. تدخّل الحلف عسكرياً في الحرب الأهلية اليوغوسلافية من دون موافقة الأمم المتحدة. وكانت تلك سابقة. انعكس الأمر سلباً على روسيا وما كان باستطاعة أي قائد في الكرملين تجاهل هذا الأمر.«ليست العقوبات أداة ينبغي استخدامها»مثير جداً كيف أن الجيل القديم من السياسيين، وزير الخارجية السابق هنري كيسنجر ووزير الخارجية الألماني هيلموت شميدت مثلاً دعوا إلى التعامل مع موضوع الأزمة الأوكرانية بحذر شديد. وقد دعوت أنا نفسي أميركا وروسيا إلى التحاور معاً حول الأزمة لأنها تهدد العالم بأسره وتهدد جيران أوكرانيا. كنت بذلك أطلق نداء استغاثة فعلية.وهل لاقت استغاثتك صدى؟لم أجد آذاناً صاغية.«علينا أن نزيل الجليد عن علاقاتنا»التقيت أخيراً وزيرة الخارجية الألمانية، هل انتقدت أمامها العقوبات المفروضة على روسيا؟ هل تعارض فرضها؟إنها مضرة للبلدين. إقصاء روسيا من مجموعة الدول الثمانية كان خاطئاً. ليست العقوبات أداة مفيدة إن أردنا الإبقاء على علاقات مثالية بين الأطراف.يبدو أن العلاقات الجيدة أصبحت جزءاً من الماضي.بعد انهيار الجدار نعمل على تحسين العلاقات. تقصي الدول الغربية روسيا اليوم من الجهود اللازمة لحل المشاكل العالمية، من الحرب ضد الإرهاب إلى الدولة الإسلامية إلى التغيير المناخي. ما هو الجيد في هذا السلوك؟ علينا أن نزيل الجليد عن علاقاتنا ونحن الروس سنفعل كل ما بوسعنا لتحسين العلاقات.ماذا عن القرم؟تريد ألمانيا الجديدة التدخل في كل مكان. ما هي الشرعية التي نحتاج إليها في القرم؟ حتى لو كان الاستفتاء يشوبه بعض الشوائب لا شكّ في أنّ الناس عبروا بوضوح تام ومن دون مواربة عن أنهم يريدون أن يكونوا جزءاً من روسيا.موقفك من الاستفتاء ليس قاسياً. حتى لجنة بوتين لحقوق الإنسان اعترفت بوجود تزوير في الاستفتاء. لماذا تستاء إذاً من انتقادات ألمانيا؟يبدو أن الكثير في ألمانيا يريدون المشاركة في تقسيم جديد لأوروبا. دعني أتوقف هنا ولا تستفزني. أنا روسي ولا يجب أن أتكلم كثيراً عن الشؤون الداخلية الألمانية.ما هو الحل الذي تقترحه؟وقف إطلاق نار فوري، يتبعه جهد دولي لإعادة بناء المناطق المدمرة. وإذا ما دعت الحاجة علينا أن ندعو أوتو فون بسمارك مجدداً فقد قال إن ألمانيا لا يجب أن تشن حرباً مع روسيا أبداً. حاولت ألمانيا ذات مرة خلال الحرب العالمية الثانية توسيع نفوذها شرقاً. هل تحتاج إلى دروس أخرى في هذا المجال؟ هل نسينا الدمار الهائل، عدد القتلى الجنوني؟ من الجيد أن شعبينا قد تصالحا.ولكن ذلك لم يمنع أنجيلا ميركل من القول بأن بوتين يعيش في عالم آخر. هل تفهم لم قالت ذلك؟ليس تماماً. تذكروا خطاب بوتين في مؤتمر ميونيخ للأمن في العام 2007. حينها حدّد بوتين ما هي الخطوط الحمر لدى روسيا وبأنّها تعارض توسع حلف الاطلسي. لم يقل شيئاً جديداً بالنسبة إلينا نحن الروس. إذا لم كان شركاؤنا متفاجئين من ذلك؟ أخال أحياناً أن الشعب الالماني يفهم الروس أكثر من النخبة السياسية في ألمانيا. من الخطأ التخلص من بوتين.لماذا تجد في الأمر خطأً؟لأنّ في ذلك غباء وخطراً. على بوتين مغادرة السلطة عند نهاية ولايته. للأسف، الفكرة الألمانية مختلفة تماماً. تفضل ألمانيا زيادة العقوبات على روسيا حتى ينزل الروس إلى الشارع للإطاحة بالرئيس الروسي.يبدو أنك لا تنظر إلى ميركل بعين الرضا كثيراًعلى العكس، أحبها كشخص وكسياسية ولكن ذلك لا يعني أنه لا يجب أن انتقدها ومن حقها انتقادي كذلك. الأمر نفسه ينطبق على علاقتي ببوتين. إنه رئيس متمرّس فعل الكثير لروسيا وما زال. ولكن عليك أن تقول له الأشياء بوضوحٍ أحياناً.«المحاضرات مصدر رزقي»هل تعتبر نفسك شخصاً سعيداً اليوم؟كتبت منذ سنوات بأنّ ما من مُصلِحٍ سعيد. لعلّني كنت على خطأ. عندما أنظر اليوم إلى وراء أجد أنني شخص سعيد. لا شكّ في أنّ إدارة المشاريع المهمة وإدارة بلدٍ كبير كانا أمرين رائعين.ما هو روتينك اليومي؟ كيف تمضي أيامك؟كانت لدي هواية أمارسها مع زوجتي رايزا. كنا نمارس رياضة المشي لخمسة أو ستة كيلومترات. وكان ذلك يخفف من الضغط عنيّ. لست قادراً على القيام بذلك بشكل تام للأسف الآن ولكنني لست وحدي من يعاني هذه المشكلة. زرت هيلموت شميدت أخيراً كان واقفاً حين رحب بي، ولكنه أخبرني أنه غالباً ما يستخدم الكرسي المتحرّك. كما أن هيلموت كول وجورج بوش الأب أيضاً بدآ يعتمدان على الوسائل التقنية المساعدة للتنقل. أشعر أنني سألجأ إليها في الوقت القريب كذلك.هل من الصعب أن ترى هذا الوهن وتلاشي قدراتك؟في ما يتعلّق بصحتي كنت أشعر أنني على خير ما يرام حتى بلوغي الخامسة والسبعين. كنت أسافر حول العالم. ولكن وفاة زوجتي شكلت صدمةً كبيرة لي. لم تكن السنتان الأخيرتان المنصرمتان جيدتين بالنسبة إليّ، خصوصاً أنني خضعت لأكثر من جراحة، وكلها في ألمانيا لعلمك. العالم كله يحارب الشيخوخة ولكن ما بيدنا حيلة ضدها. أشعر أنني عجوز أحياناً، وأنني ما زلت شاباً فتياً أحياناً أخرى. هكذا حالي اليوم.ما هو أهم أمر بالنسبة إليك في الأيام المقبلة؟أن أحيا حياتي وليس أن أعيش حياتي كأنني نبتة تنتظر الموت. أريد أن أسافر مجدداً إلى أميركا في فبراير لإلقاء المحاضرات. بالإضافة إلى كتبي، تشكِّل المحاضرات مصدر رزقي الوحيد. ما زالت لدي أهداف كثيرة وهذا ما يبقيني على قيد الحياة.ما هي تلك الأهداف؟أريد أن أكون جزءاً من النقاش حول مستقبل روسيا، حول السلام العالمي وحماية البيئة. أريد تأليف الكتب وحضور المؤتمرات وإعطاء المقابلات.تريد تغيير العالم مجدداً وجعله مكاناً أفضل؟لم يعد ذلك ضرورةً. فالغلاسنوست والبريسترويكا ما زالتا قائمتين ولا يمكن إيقافهما.هل تخاف الموت؟لا أبداً. لا أعرف لماذا؟ ولكن ليس لدي أدنى خوف من ذلك.