الألم في رأسك... اطرده
عندما تضرب نفسك بمطرقة، تشعر أن الألم في إبهامك، إلا أنه فعلاً في دماغك. يعود ذلك إلى أن نظرتنا إلى الألم ترتبط بدارات في الدماغ تصفي باستمرار المعلومات التي نتلقاها من أعصابنا الحسية.
ديفيد لندن بروفسور علم أعصاب في جامعة جونز هوبكنز، ومؤلف الكتاب الجديدTouch: The Science of Hand, Heart, and Mind (اللمس: علم اليد، القلب، والعقل)، يذكر: {عند التعرض للضرب مثلاً قد يقول الدماغ: هذا مثير للاهتمام. ارفع حجم الصوت لنصغي إلى معلومات الألم القادمة، أو كلا، لنخفض حجم الصوت ولا نعيرها اهتماماً}.توضح القدرة على التلاعب بالألم تجارب أناس مثل دواين تورنر، طبيب في الجيش شارك في الحرب في العراق تلقى وسام تقدير رفيع الشأن.
في عام 2003، كان تورنر يفرغ مؤنة حين تعرضت وحدته لهجوم، فأصيب بقنبلة يدوية. يقول لندن: {أصيب بشظية في ساقه وجنبه. رغم ذلك، لم يلحظ أنه تعرض لإصابة}.رغم إصاباته، بدأ تورنر يسعف المصابين وسحب جنوداً آخرين إلى منطقة الأمان. وخلال عمله، أصيب برصاصتين، كسرت إحداهما عظماً في ذراعه. مع ذلك، يؤكد تورنر أنه لم يشعر بأي ألم تقريباً.يخبر لندن: {لا يميز الجنود في ساحة القتال الألم الذي يصيبهم}. ولكن ما إن يزول وضعهم الحرج هذا، قد يشعر الجنود أنفسهم بألم كبير نتيجة إصابة أقل خطورة بكثير، على غرار حقنة عادية، وفق لندن.يحدد الدماغ أيضاً العواطف التي نربطها بكل تجربة مؤلمة، حسبما يوضح لندن، الذي يضيف أن هذا ممكن لأن الدماغ يستخدم نظامين مختلفين لمعالجة معلومات الألم القادمة من أطرافنا العصبية.يحدد أحد النظامين موضع الألم، حدته، وخصائصه: طعن، وجع، حرق...يقول لندن: {ثمة نظام منفصل تماماً مخصص للوجه العاطفي من الألم، الجزء الذي يجعلنا نقول: يا إلهي! هذا فظيع}.يذكر لندن أن الأحاسيس الإيجابية، مثل الشعور بالهدوء والأمان والتواصل مع الآخرين، قد تحد من الألم. لكن الأحاسيس السلبية تؤدي إلى تأثير معاكس. وقد استغل المعذبون هذا الوجه طوال عقود. يوضح: {إذا أرادوا تعزيز حدة الألم خلال التعذيب، يحققون ذلك بإذلال الشخص أو اتباع برنامج تعذيب لا يمكن توقعه. ولا شك في أن هذه الخطوات تجعل العنصر العاطفي من تجربة الألم أقوى}. استخدم مستجوبو وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية كلا التكتيكين بعد الحادي عشر من سبتمبر، وفق تقرير مجلس الشيوخ الذي صدر في وقت متأخر من السنة الماضية.لكن العلماء ما زالوا يحاولون فهم مسألة مهمة: كيف يضبط الدماغ نظرته إلى الألم؟ توصل فريق من جامعة براون إلى بعض الأدلة.درس الفريق موجات الدماغ المنخفضة الوتيرة في جزء من الدماغ يتفاعل مع الأحاسيس في اليدين، حسبما توضح ستيفاني جونز، بروفسورة مساعدة متخصصة في علم الأعصاب في جامعة براون. أظهرت الأبحاث الباكرة أن هذه النظم تزداد عندما يعمل الدماغ على صد المعلومات الحسية من اليد.ولكن ما سبب تنامي هذه النظم؟ يعتقد الفريق أنه عثر على الجواب في منطقة أمامية من الدماغ تساعدنا في تجاهل مصادر الإلهاء.نتيجة لذلك، راقب الباحثون موجات دماغ 12 شخصاً طُلب منهم التركيز فحسب على يدهم أو قدمهم. وخلال التجربة، عرض الباحثون إصبع يد أو قدم كل منهم لضربة خفيفة.عندما ركز المشاركون على قدمهم، ازدادت النظم المنخفضة الوتيرة في منطقة الدماغ التي تتفاعل مع الأحاسيس في اليد لأن المشاركين كانوا يطلبون من دماغهم صد المعلومات الحسية الواردة من يدهم، وكانت هذه النظم المنخفضة الوتيرة ما يعيق معلومات مماثلة. وقد جاءت النتيجة غير متوقعة.لكن النظم المنخفضة الوتيرة ارتفعت أيضاً في منطقة أخرى من الدماغ: المنطقة التي تتجاهل مصادر الإلهاء، حسبما اكتشف الفريق. ونشروا اكتشافاتهم في العدد الأخير من مجلة علم الأعصاب.تشير جونز إلى أن منطفتي الدماغ تعملان بتناغم. وتضيف: {ثمة تنسيق بين الجزء الأمامي من الدماغ، الذي يُعتبر منطقة التحكم التنفيذي في الدماغ، والجزء الحسي من الدماغ، الذي يصفي المعلومات القادمة من البيئة المحيطة}.يعني ذلك أن بعض الناس يستطيع على الأقل تعليم الدماغ كيفية تصفية أمور مثل الألم المزمن، ربما من خلال الأدوية، وفق جونز.تدعم دراسة أُجريت عام 2011 هذه الفكرة. فقد اكتشفت أن مَن يمارسون التأمل الواعي طوال ثمانية أسابيع يحسنون إلى حد بعيد تحكمهم في نظم دماغهم التي تصد الألم.