نظام تحديد المواقع في الدماغ مرتبط بالذاكرة
يبدو قسما نظام الملاحة الدماغي متماثلَين في تقسيم وظائف الوحدات المعاصرة لنظام تحديد المواقع العالمي. تساعد الخلايا الشبكية على إصلاح إحداثيات الفرد، ويُقال إن الخلايا المكانية تنظم الذكريات في شأن مواقع محددة. تستكشف الأبحاث المستمرة تفاصيل عن طريقة عمل الخلايا الشبكية والخلايا المكانية في ما بينها. التفاصيل من Quanta Magazine كتبتها إيميلي سينغر.
تدين أداة «خرائط غوغل» الإلكترونية الفاعلة بنجاحها لعاملين أساسيين: نظام تحديد المواقع العالمي الذي يحتسب أي موقع على سطح الأرض، وخارطة شاملة تتضمن معلومات مثل عنوان منزلك ومطعمك المفضل ومتجر الحلوى الذي تمر به في طريقك إلى العمل. تبين أن نظام الملاحة الدماغي يعمل بالطريقة نفسها. فاز الباحثون الثلاثة المسؤولون عن الاكتشاف بجائزة نوبل في الفيزيولوجيا أو الطب لعام 2014.مُنحت الجائزة أيضاً إلى جون أوكيفي، عالم أعصاب في جامعة كوليدج لندن، وماي بريت وإدفارد موسر، وهما زوجان يشكلان فريقاً متخصصاً بعلم الأعصاب في الجامعة النروجية للعلوم والتكنولوجيا، بفضل أبحاثهما عن طريقة تنقل الدماغ في المكان. في عام 1971، اكتشف أوكيفي خلايا عصبية خاصة اسمها الخلايا المكانية وهي تنشط كلما تواجد حيوان في موقع معين. في الفترة اللاحقة، اكتشف الزوجان موسر الخلايا الشبكية التي تؤدي دور نظام الملاحة التقديرية الذي يحدد موقع الحيوانات بغض النظر عن المؤشرات الخارجية. تم اكتشاف نوعَي الخلايا عند الفئران لكنهما يُعتبران شائعين في أدمغة الثدييات، بما في ذلك أدمغة البشر.
الخاصية اللافتة في شأن هذا النظام المؤلف من خلايا شبكية ومكانية هي ترميز الخصائص المبهمة. أوضح ديفيد ريديش، عالم أعصاب في جامعة مينيسوتا في مينيابوليس: «يتعلق الإنجاز الأكبر بواقع أن تلك الخلايا لا تتجاوب حصراً مع المؤشرات الحسية مثل الروائح على الأرض». بل إن الخلايا الشبكية تشكل نظاماً داخلياً لتحديد المواقع وتستعمل الخلايا المكانية تلك المعلومات إلى جانب مؤشرات أخرى لإعطاء إحساس بالمكان. يبتكران معاً خارطة غنية. قال ماثيو ويلسون، عالم أعصاب في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «فهم طريقة بناء تلك الخرائط جزء من الإطار الأوسع للعلم المعرفي: كيف نبني النماذج الداخلية؟».كذلك، قد يؤدي تحسين طريقة فهم تقنية رسم خرائط الدماغ إلى نشوء رؤية جديدة في مجالات أخرى من علم الأعصاب. على سبيل المثال، {ثمة أمر أساسي في شأن طريقة الربط بين الذاكرة والمكان} بحسب قول ويلسون. بدل تشكيل نظام داخلي لتحديد المواقع بكل بساطة، قد توفر الخلايا المكانية والشبكية نظاماً لترسيخ ذكرياتنا.إحساس بالمكانتتواجد الخلايا المكانية في الحصين الذي يُعتبر منذ فترة طويلة معقل الذاكرة في الدماغ. عند إزالته، كما حصل مع المريض الشهير هنري موليسون، تتلاشى قدرة الدماغ على تشكيل ذكريات جديدة. لكن أثبت اكتشاف أوكيفي أن الحصين أساسي للملاحة.سجل أوكيفي نبضات من الخلايا العصبية في جزء معين من الحصين لدى الفئران فيما كانت تستكشف مكاناً مفتوحاً. فاكتشف أن الخلايا العصبية الفردية تنشط حصراً حين يتواجد الفأر في موقع معين. من خلال استبدال البيئة المحيطة، أثبت أن الحيوان لا يتجاوب بكل بساطة مع المؤشرات الحسية. بل كانت الخلايا العصبية تتجاوب مع إحساس أكثر تطوراً بالمكان.في كتاب مهم نُشر في عام 1978، طرح أوكيفي وشريكه لين نادل نظرية مفادها أن هذا النظام المكاني له دور أكبر. بدل الاكتفاء بتوفير لائحة بالمواقع ضمن نظام الإحداثيات، قد ينظم أيضاً ذكريات الفرد وفق موقع حصولها. أوضح ريديش: {تأخذ الخلايا المكانية نظام الإحداثيات وتربطه بشيء معين}. بالتالي، حين كنت تجلس في طفولتك على طاولة المطبخ في منزلك، قد تتذكر فطيرة التفاح المفضلة لديك في موسم العيد.منذ ذلك الحين، حصل جميع الأبحاث عن الحصين رداً على ذلك الكتاب، فكانت التجارب تؤيد الفرضيات التي يطرحها أو تنفيها كما يقول ريديش: {في مطلق الأحوال، غيّر ذلك الكتاب كل شيء}.نظام الملاحة التقديرية بعد مرور ثلاثة عقود، اكتشف الزوجان موسر نظاماً من الخلايا يوفر على ما يبدو معلومات مكانية للخلايا المكانية. فاستكشفا خلايا عصبية فردية داخل القشرة المخية الأنفية الداخلية عند الفئران، وهي منطقة دماغية تتصل بالحصين. ثم تركا الحيوانات تركض في مكان فارغ. كانت الخلية العصبية المستهدفة تنشط من وقت إلى آخر. من خلال رسم خرائط النقاط على الأرض في مكان حصول ذلك، اكتشف الباحثون أن النقاط التي شهدت تنشيط الخلايا العصبية رسمت شبكة من المثلثات المتساوية الأضلاع. كان الترتيب دقيقاً لدرجة أن الباحثين اشتبهوا في البداية بوجود خلل في المعدات.قال جيم كنيريم، عالم أعصاب في جامعة جونز هوبكينز في بالتيمور: {كان نشاطها وفق هذا الترتيب المثلث الدقيق أمراً غير مسبوق}. حين قرأ كنيريم البحث في عام 2005، علم أنه سيكون أحد أهم الاكتشافات في مجال علم الأعصاب. يقول: {حين اكتشف الزوجان موسر الخلايا الشبكية (أي الخلايا العصبية التي تنشط وفق نمط شبكي)، حصلنا على مفهوم جديد عن دور نظام تحديد المواقع ضمن نظام الذاكرة}. (صحيح أن نظام تحديد المواقع العالمي يُستعمل في هذا المجال كاستعارة مناسبة، لكن يظن العلماء أن الخلايا الشبكية تستعمل نظام الملاحة التقديرية لاحتساب المواقع).نموذج الفاعليةيتكرر النمط السداسي في نشاط الخلايا الشبكية في مختلف مظاهر الطبيعة، بدءاً من أقراص العسل مروراً بحلقات البنزين وصولاً إلى صناديق البرتقال المتراصة. إنه ترتيب بالغ الفاعلية. يستعمل النحل الشكل السداسي في أقراصه لتقليص استعمال الشمع. في نظام الخلايا الشبكية، لا يكون النموذج السداسي حسياً. بل إنه نهج لتنظيم المكان الذي يشفّر أكثر المعلومات فاعلية. قالت ماريان هافتينغ فين، عالمة أعصاب في جامعة أوسلو في النروج وطالبة سابقة للزوجان موسر: «إنها الطريقة الأكثر فاعلية لضغط البيانات». لم يتأكد الباحثون بعد من السبب الذي يجعل الخلايا الشبكية تستعمل النماذج السداسية، لكن جذب مبدأ التنظيم السداسي انتباه علماء البيولوجيا الحاسوبية الذين يحاولون معرفة طريقة نشوء الشبكة.وفق أحد الاكتشافات المثيرة للاهتمام، يمكن أن تنشط الخلايا الشبكية في ظلمة تامة، أي في ظل غياب أي مؤشرات بصرية. أضاف كنيريم: {يُفترض أن يعكس هذا الأمر نوعاً من الحيوية داخل الدماغ، وهي تكون مستقلة عن المدخلات الحسية الخارجية بدرجة معينة. إنه أحد الأسباب الذي يجعل هذه الظاهرة استثنائية. هذا ما يمنحنا مجالاً لفهم طريقة المعالجة الداخلية}.فك شيفرة الدماغلا يعرف العلماء بعد كيف يبني العقل خرائطه المكانية أو كيف تُستعمل للملاحة. لكن قد تسهم أبحاث أوكيفي والزوجين موسر في نهاية المطاف في كشف مزيد عن نظام الملاحة الدماغية. يمكن أن يقيس الباحثون بسهولة النشاط العصبي والمواقع في المكان، لذا يستعمل علماء الأعصاب الخلايا المكانية والشبكية لدراسة مجموعة متنوعة من المسائل.على سبيل المثال، يريد الباحثون أن يعلموا المزيد عن طريقة الدماغ لتشفير المعلومات في شأن العالم عبر الإشارات الكهربائية وطريقة استيعاب المعلومات الجديدة لأن تلك الإشارات تتحرك من منطقة إلى أخرى في الدماغ. قال كنيريم: {إذا أردنا أن نفهم طريقة عمل الدماغ، يجب أن نعرف التحول الذي يحصل بين جزء دماغي وآخر. أي قواعد تحول المعلومات من منطقة إلى أخرى؟}. من خلال العملية المستعملة كي ترسل الخلايا الشبكية المعلومات إلى الخلايا المكانية في الحصين، يمكن أن يستكشف الباحثون هذا السؤال.استعمل العلماء أيضاً الخلايا المكانية لمعرفة المزيد عن الذاكرة. حين يركض فأر في متاهة، ينشط جزء معين من الخلايا المكانية. يتكرر الأمر بعد خلود الفأر إلى النوم. يظن الباحثون أن هذا التكرار يسهم في نقل ذكرى الفأر عن المتاهة من الحصين إلى موقع تخزين الذكريات الطويلة الأمد.تشير أحدث الدراسات عن النوم إلى أن الفأر يكرر النمط نفسه عند تواجده في متاهة ويحتاج إلى اتخاذ قرار عن وجهته المقبلة. قد يشير ذلك إلى أن الفأر يستعيد ذكريات المتاهة حين يتنقل على أفضل مسار ممكن. قال ريديش: {نعلم أن الفئران تستطيع السفر عبر الزمن في عقلها من خلال عيش الأحداث الماضية مجدداً. نستطيع معرفة ذلك بفضل الخلايا المكانية حصراً}.يظن عدد كبير من الباحثين أن الذاكرة والمكان مترابطان بشكل وثيق. في حيلة شائعة لتذكر الخطابات تعود إلى عهد الإغريق القدامى، يتذكر الخطيب مساراً مألوفاً في مدينة معينة ويربط جزءاً من الخطاب بموقع محدد على طول ذلك المسار. قد تستغل هذه المقاربة عن غير قصد واقع أن الحصين يشفّر المعلومات المتعلقة بالموقع والذكريات الذاتية. ختم ويسلون قائلاً: {يصدف أنّ المكان طريقة جيدة لتنظيم التجارب}.