جينة تقلّص حاجتنا إلى النوم؟!
منذ يونيو 1957، تراقب {مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها» العادات الصحية الأميركية من خلال تصنيف بعض السلوكيات، مثل التدخين أو شرب الكحول أو الجلوس من دون حركة طوال اليوم، عدد الزيارات الطبية المنتظمة، طريقة أخذ الأدوية في الموعد الصحيح. لكن حتى الفترة الأخيرة، أغفل الجميع جانباً واحداً من السلوكيات: مدة النوم. لذا قررت «مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها» في 2009 إضافة موضوع النوم إلى دراستها. يشهد متوسط مدة النوم تراجعاً في أنحاء البلد ولدى الفئات العمرية كافة منذ الثمانينيات، وربما يؤدي تراجع مدة النوم إلى تدهور صحة الناس. حين قامت {مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها» باستطلاع شمل نحو 75 ألف أميركي راشد لمعرفة عادات النوم لديهم، اعترف أكثر من 35% منهم بأنهم ينامون أقل من سبع ساعات في الليلة. لم تنحصر هذه الظاهرة بين الأفراد الذين يقدمون أداء أضعف من العادة: حتى نظراؤهم الذين ينامون لفترات أطول (أي أولئك الذين ينامون أكثر من سبع ساعات لكنهم لا يبلغون المدة الموصى بها)، كانوا يشعرون بآثار الحرمان من النوم. غطّ في النوم نحو 40% منهم عن غير قصد مرة على الأقل في الشهر السابق، في حين غفا 5% (أكثر من 15 مليون ونصف مليون نسمة على مستوى البلد) وراء المقود مرة على الأقل خلال الفترة الزمنية نفسها. عند حصر عينة الناس بين عمر 24 و34 عاماً (وهي المجموعة التي تنام لأقصر مدة)، ارتفع المعدل لأكثر من 7%.
لم يكن آلن باك خبيراً في النوم دوماً. فقد بدأ مسيرته المهنية كاختصاصي في أمراض الرئة، وقصد جامعة بنسلفانيا في أواخر السبعينيات لدراسة الناحية الفيزيولوجية العصبية من التنفس. كانت الدراسة مثيرة للاهتمام لكن أراد باك درس موضوع له أثر ملموس ومباشر على صحة المرضى: «أدركتُ ألا أهمية كبرى لأمراض الرئة من الناحية العيادية». في الفترة نفسها تقريباً، رصدت الأوساط العيادية اضطراباً جديداً: إنه انقطاع التنفس أثناء النوم (حالة مزمنة حيث يسبب عدم انتظام التنفس اضطراباً حاداً في النوم). بدا وكأنه المجال المثالي كي يستعمل باك خبرته.تتعلق المسألة بالتنفس لكنها تترافق مع تداعيات عيادية واسعة: «أدركتُ أهمية الموضوع في حياة الناس ومدى فاعلية العلاج المناسب. في النهاية، تخليتُ عن مجال أمراض الرئة نهائياً وأصبحت متخصصاً بالنوم». في بداية الثمانينيات، قرر باك تخصيص مختبره للإجابة على الأسئلة الجوهرية بشأن النوم: لماذا ننام؟ ما هي الجينات التي تحدد عادات النوم، إذا وُجدت؟ وماذا يحصل حين يضطرب النوم؟تفاعل إيجابيحين بدأ باك يدرس طبيعة الحرمان من النوم، فاجأته حقيقة واحدة: في حال الحرمان من النوم، يتفاعل بعض الأشخاص بطريقة أفضل من غيرهم. بعد 36 ساعة من دون نوم، قد يقوم البعض بسلوكيات مثل ترك مفتاح المنزل في الثلاجة أو الذهاب إلى العمل من دون حذاء رسمي. لكن يبلي آخرون حسناً: {كنا نعلم أنها ميزة ثابتة: يتفاعل الشخص نفسه بالطريقة عينها عند حرمانه من النوم في مناسبتين مختلفتين. لكن أردنا أن نعرف مدى تأثير العامل الوراثي على هذا السلوك}. هل كانت المقاومة سمة موروثة يمكن ترسيخها ثم استعمالها لفهم آليات النوم نفسها ومساعدة كل من يواجه مشاكل مزمنة في النوم، كونها الفئة الأكثر حاجة إلى هذا الحل؟بعد ثلاثة عقود من الأبحاث، بدأ باك يقترب من الجواب. في عام 2012، نشر هو وزملاؤه في {مركز النوم وعلم الأحياء العصبي} في جامعة بنسلفانيا نتائج دراسة مستمرة عن أنماط النوم لدى توائم متطابقة وأخرى غير متطابقة. طوال 38 ساعة، بقي كل توأم مستيقظاً فيما كان فريق البحث يراقبه عن كثب. كل ساعتين، كان كل واحد منهما يخضع للاختبار النفسي لليقظة، حيث يتفاعل الفرد سريعاً مع ضوء أو نقطة تظهر على شاشة في أوقات عشوائية، لتحديد ردة فعله في ظروف مختلفة. قال باك: {إذا كانت الحساسية تجاه الحرمان من النوم موروثة، فيجب أن يكون التوأمان المتطابقان متقاربين في أدائهما والتوأمان غير المتطابقين أكثر تباعداً}. لكن اكتشف الباحثون أن ردة الفعل تجاه الحرمان من النوم يمكن تناقلها وراثياً. فسّرت المعطيات الوراثية 80% من الاختلافات على مستوى قابلية الناس لمواجهة تداعيات معرفية للحرمان من النوم: {من الواضح أن الجينات تؤثر على طريقة تفاعل الفرد مع قلة النوم}.الساعة البيولوجيةلكن ما طبيعة تلك الجينات؟ وكيف ينعكس الاختلاف داخل أجسام التوائم؟ توصّل باك إلى نصف الجواب (الحرمان من النوم يتأثر بعامل وراثي) لكنه لم يعلم طبيعة العامل الآخر. في عام 2009، حصل على لمحة عن الجواب الكامل حين قام مختبر يينغ هيو فو المتخصص بدراسة جزيئات سلوك النوم عند البشر في جامعة كاليفورنيا- سان فرانسيسكو، برصد عيب مثير للفضول في بيانات النوم. من بين مئات الأشخاص الذين درستهم فو على مر السنين، برز شخصان: أم وابنتها كانتا تنامان طوال ست ساعات في الليلة (يُعتبر هذا المستوى من النوم شائباً بالنسبة إلى غالبية الناس) لكن بقي أداؤهما جيداً.فو اختصاصية في علم الوراثة، وقد حللت حمضهما النووي ووجدت طفرة معينة في جينة مسؤولة عن تنظيم إيقاعات الساعة البيولوجية، وهي تجعلهما على ما يبدو مختلفتَين عن نظرائهما المحرومين من النوم. ثم دسّت تلك الطفرة داخل جينوم الفئران. كان الأثر واضحاً: بدأت الحيوانات التي تحمل الطفرة تنام لفترة أقل من نظرائها، ولم يقتصر الأمر على ذلك بل تابعت تقديم أداء جيد بعد ست ساعات من دون نوم (إنه وقت طويل بالنسبة إلى الفئران). أما المجموعة التي لا تحمل الطفرة، فقد أظهرت إشارات مألوفة على نقص النوم.بالنسبة إلى باك، كان العمل الذي قامت به فو أساسياً. إذا انعكست طفرة واحدة على مدة النوم، وبالتالي على الوظيفة المعرفية، ألا يعني ذلك احتمال وجود جينات إضافية تلعب الدور نفسه؟ لذا قرر باك اختبار تلك النظرية مع توأمين كان يدرس أنماط نومهما. عمد أعضاء فريقه إلى تجزئة الجينة نفسها التي رصدتها فو في عينة التوائم لمعرفة ما إذا كانوا يستطيعون إيجاد الطفرة نفسها أو أخرى ذات صلة كي يتكرر أثر الحرمان من النوم. كان الحظ حليفهم، فوجدوا العينة المثالية: توأمان ذكران عمرهما 27 عاماً، يحمل أحدهما الطفرة. لم تكن المعطيات تشبه تلك التي حللتها فو بالكامل، لكنها كانت ترتبط بالجينة التي تنظم الساعة البيولوجية أيضاً.تبين أن التوأم الذي يحمل الطفرة كان ينام في الليلة الواحدة أقل بساعتين من شقيقه. حين راقب باك أداء الثنائي في الاختبار النفسي لليقظة (إنه المقياس الذي استعمله في دراسته السابقة لتقييم مستوى الحرمان من النوم)، وجد أن التوأم الذي يحمل الطفرة يقدم أداء أفضل من شقيقه.وحين سُمح للتوأمين بالتعويض عن مدة النوم التي خسراها خلال الدراسة، احتاج التوأم الذي يحمل الطفرة إلى وقت أقل كي يستعيد قواه (أقل بمئة دقيقة تقريباً). ها قد ظهرت متغيرة جينية تسمح لحامليها خلال ست ساعات بالاستفادة من المنافع التي يحصدها معظم الناس الآخرين خلال ثماني ساعات. نشر باك وزملاؤه النتائج في الشهر الماضي. تجزئة الجيناتلكن استنتج باك سريعاً أن عينات الطفرة تبقى ضئيلة، حتى عند جمعها مع بيانات فو. بالتعاون مع مجموعات دولية معنيّة بالنوم من بريطانيا وكوريا الجنوبية والصين، بدأ باك يجمع بين نصف مليون ومليون مشارك. تقضي الخطوة المقبلة بتجزئة الجينات العشرين المرتبطة بتنظيم إيقاعات الساعة البيولوجية بحثاً عن الطفرتين اللتين وجدهما باك وفو، وعن أي متغيرات جديدة يمكن أن تؤثر على الناحية الفيزيولوجية من النوم.قد تكون النتائج مهمة بالنسبة إلى المهن التي تحرم الناس من النوم لفترات طويلة. أوضح باك: { قد يساهم تحديد تلك المتغيرات في توقع الأشخاص الذين يتأثرون بقلة النوم وأولئك الذين لا يتأثرون. يمكن أن نستعمل المعطيات الوراثية لمساعدتنا على ابتكار أفضل برامج عمل لبعض الأشخاص}. لكنّ الأهم من ذلك على الأرجح أن النتائج قد تحسّن نوعية حياة ملايين الناس الذين يواجهون حرماناً مزمناً من النوم. أوضح باك: {عند تحديد هذه المتغيرات الجينية، سنحصل على لمحة عن المعطيات البيولوجية التي تؤثر على حاجتنا إلى النوم}. حين يفهم العلماء تلك المعطيات البيولوجية، سيتمكنون من اختبار جزيئات معينة تؤثر على بعض مسارات النوم (إنه طريق محتمل لابتكار أدوية وعلاجات جديدة). حتى لو لم نكن نحمل طفرات مهمة، يمكن أن نستعمل تلك الطفرات لمعرفة المزيد عن طبيعة النوم. إذا تمكّنا من تقليد مفعولها، قد نتوصل إلى تحسين نوعية النوم وتقديم أداء أكثر فاعلية حتى لو نمنا لفترة أقل.أضاف باك: {تكثر الاضطرابات التي يواجهها معظمنا نتيجة الرسائل النصية والإلكترونية وجميع النشاطات التي نقوم بها الآن خلال الليل بدل النوم بشكل متواصل. الوضع يزداد سوءاً. نحتاج إلى المساعدة}.ضرر جسديقد يسبب الحرمان من النوم ضرراً جسدياً فعلياً، كما تفعل حوادث السير، أو قد يؤدي إلى تخبط شامل في وقت غير مناسب (اصطدام من نوع آخر)، ما يسبب اختلالات معرفية حادة: تراجع الإنتاجية، صعوبة في التركيز، مشاكل في الذاكرة والتحفيز. حتى أننا قد لا نعود نحب هواياتنا بالمستوى نفسه. ولا ننسى المخاطر الصحية المتزايدة مثل ارتفاع ضغط الدم، أمراض القلب، البدانة، الجلطة الدماغية، السكري، السرطان وحتى الأمراض العصبية التنكسية مثل الزهايمر. قد يكون الحرمان من النوم أحد أكبر التهديدات الصحية غير المرئية. في هذا السياق، كتب إيان باركر في السنة الماضية أن هذا التهديد لا يسهل مواجهته عبر مقاربتنا العادية التي تقضي بأخذ أدوية أفضل أو زيادة كميتها.طفرات النوم الوراثيةلا تتعلق أفضل طريقة للمساعدة بابتكار الأدوية. حتى الآن، نعلم أمراً واحداً بشأن طفرات النوم الوراثية: تساعدنا على تقديم أداء جيد رغم قلة النوم. لكننا لا نعلم ما إذا كانت تلك القدرة تترافق مع عواقب سلبية على المدى الطويل. يوضح باك: {صحيح أن حاملي الطفرة يقدمون أداء أفضل، لكنهم قد يختبرون العواقب على مستوى الأيض مثل بقية الناس.ما هي عواقب الطفرة على المدى الطويل؟ ما من بيانات وافية لمعرفة الجواب على ذلك. لكن لا بد من التساؤل: إذا كانت هذه الطفرة مفيدة لهذه الدرجة، فلماذا لا تكون أكثر شيوعاً؟ أظن أنه سؤال مفتوح}.إلى أن يصبح هذا السؤال خارج التداول، قد لا نرغب في سماع أفضل جواب متوافر حتى الآن: احرصوا على النوم لساعات إضافية... كلما سنحت الفرصة!