امرأة بلا شهوة
شهد فتاة في الثلاثين من العمر، مذيعة في قناة تلفزيون {التوافق} التونسية، نالت العديد من الجوائز والدروع، تحصلت أكثر من مرة على المايكروفون الذهبي، كما تحصلت على قلم البلاغة ودرع الحرية الفكرية، لكن لم يكن لها يوماً لقاء خاص بعيداً عن الأنظار ولا موعد مع موج البحر وهمساته. رنّ جرس جوالها فاستفاقت من غفوتها، رجعت مسرعة إلى الغرفة تبحث عن حقيبتها، أخرجت منها الجوال وردّت، كان المتصل رمزي جبارة مدير قناة التوافق. طلب منها أن تستعدّ غداً للمؤتمر الذي سيحضره وزير الصحة ووزير التجهيز ووزير الشؤون الاجتماعية للكشف عن المشاريع التي ستنفذ في المنطقة خلال الفترة القادمة.نامت شهد ليلتها والأفكار تتقاذفها من موضوع إلى آخر، اعتادت أن تدوّن أسئلتها قبل كل لقاء، لكنها هذه اللية قررت أن تترك القدر يتكلم على لسانها، فعندما يتكلم القدر تنكّس الأعلام وتجف الأقلام طاعة وامتثالا.
في تمام الساعة الواحدة بعد الظهر حضر جميع الوزراء والصحفيين ورجال أعمال المنطقة في قاعة المؤتمرات التابعة للنزل، ارتدت قميصا أبيض كشف عن ذراعيها وبنطلونا من الجينز، أما شعرها البنّي فقد أسرفت في تجعيده حتى غدا كأسلاك الهاتف. انطلقت الندوة وتكلم جميع الوزراء وسأل جميع الصحفيين، إلا هي فقد ظلت صامتة، وخزها مصور القناة أيمن من كتفها قائلا:شهد لم نأت لتصمتي!ابتسمت وقالت:اطمئن.ثم رفعت يدها تريد التدخّل، أذن لها المسؤول عن إدارة الندوة، فتقدمت من منصة الوزراء ورجال الأعمال وقالت:قبل كل شيء اسمحوا لي بأن أهنئكم على الإنجازات والمشاريع العظيمة التي ستحضى بها المنطقة، ولكن سادتي الكرام أرى أنّكم قد احتفيتم بمشاريع البنية التحتية من طرقات ومعامل صغيرة وبناء مدارس ومستشفيات ودور أيتام، ولكن للأسف الشديد لم أسمع في خطتكم حديثاً عن تهذيب العقول والرقي بها من التفكير المتبلد إلى التفكير الواعي الحرّ. لقد كنت أنتظر خطة للقضاء على ظاهرة الميز العنصري التي مازالت ضاربة بجذورها في المنطقة والمناطق المجاورة، لكن للأسف الشديد...قبل أن تنهي كلامها قاطعها وزير الشؤون الاجتماعية قائلا مستغربا:ميز عنصري في تونس وفي القرن الواحد العشرين؟ابتسمت شهد والتفت إلى الحضور قائلة:نعم سيدي الوزير، ففي هذه المنطقة ما زال الميز العنصري يمارس على مرأى ومسمع من الجميع دون أن يتجرأ أحد على تحديد هويته أو تقديم شكوى ضده.نهض وزير الصحة قائلا وهو يكضم غيضه:آنسة شهد لو سمحت تكلمي بوضوح، لدينا مشاغل أخرى تنتظرنا.التفتت إليه ثم إلى الحضور واستأنفت حديثها:من منكم يعترف بحرية الألوان والحق بامتزاجها بهذه المنطقة؟ فحسب الأعراف السائدة هنا لا يحق لأسود أن يتزوج من بيضاء ولا يحقّ لبيضاء أن تتزوج من أسود. ومن منكم ينكر أن كل قصة حبّ تنشأ بين شاب أسمر وفتاة بيضاء يستنكرها كل من في المنطقة، ويرفضونها رفضا قاطعاً، ويلحقون بالفتاة أفضع النعوت والاتهامات لأنّها قبلت الزّواج بأسمر. ومن منكم يا سكان المنطقة ليس له قريب أو صديق إلا وقد تحطم قلبه، لأنه أحبّ فتاة ليست من عرقه أو العكس؟ ومن منكم ينكر أنّ الزواج صار زواجاً بين الطبقات، فلا حق للفقير في الغنية ولا للغنية في الفقير؟ثم التفتت إلى منصة الوزراء ورجال الأعمال وقالت:سادتي الكرام، قبل أن نقوم بتهذيب شكل المدينة وتشييد المستشفيات والمؤسسات، يجب أن نقوم بتنوير تلك العقول التي تقف خلف هذه الظاهرة، ويجب أن نستأصل تلك الأفكار العقيمة التي ما زالت مشدودة إلى الماضي وإلى عصر الجاهليّة. ولذا أرجو أن يكون هذا الموضوع على قائمة أعمالكم في الزيارة القادمة للمنطقة، وشكراً.أصيب الحضور بذهول لجرأة شهد وتحديها للأعراف، وانبعث من آخر القاعة تصفيق لشابين؛ فتاة شقراء وشاب أسمر، ثم انتقلت عدوى التّصفيق لتعم جميع الحضور مصحوبة بنظرات الإعجاب والتقدير.تلك الكلمات القدرية التي أرادت بها فك الحصار عن قلوب مترعة بقسوة أفكار بربرية، غيرت مسار حياتها العملية والوجودية وأوقعت بها في فخ الاحتمالات القدرية. فقد أثارت تلك الكلمات أرباب رؤوس الأموال المساهمة في دعم القناة، واعتبروا كلماتها مفتاحاً لأبواب أحكموا غلقها أمام ما سمّوه بالطفيليّين المتسلّقين عبر أكذوبة الحب وأسطورة العشق، فهدّدوا بسحب تمويلاتهم للقناة إن لم تلق الفتاة جزاءها، ورمزي جبارة مديرة القناة لا يعرف نقاشاً في الأموال والاعتمادات، لذلك أصبحت شهد بين لقاء وآخر غير مرغوب بها في القناة، وكأنه نسي سيرتها الذاتية وتاريخ قلمها وفصاحته.لم تعترض شهد على إقالتها من القناة ولم تذرف الدّموع لأنها فقدت وظيفتها، فلقد علمتها الحياة أن كل دمعة إحساس بالهزيمة، وكل هزيمة ضعف، وكل ضعف حاجز أمام فرص أخرى أفضل من التي مضت. فلقد اعتادت أن تكون أكبر من مشاعرها ورغبتها في البكاء، لذلك كل ما فعلته هو حمل أغراضها وعادت إلى مدينة عين دراهم مسقط رأسها لتلتقط أنفاسها وترتب أوتار حياتها من جديد.وصلت إلى الحيّ الذي تسكنه قبل الغروب بقليل، فوجدت والدها يجلس على كرسيّه أمام دكان البقالة الذي يملكه، وكأنه لم يغادره منذ أن تركته عليه آخر مرة. عم بلقاسم أنهكته الأيام والسّجائر، بلغ السّبعين من العمر لكنّه ما زال متشبثاً بمتع الحياة وشهواتها، فهو مدمن على التهام السّجائر ولعب الورق بعد صلاة المغرب في مقهى المدينة مع شلّة العُمر.بمجرد أن رأى سيارتها تدخل الحيّ نهض متثاقلا نحوها، هو يعلم أنها تخلت عن وظيفتها كمذيعة، فهكذا أوحت إليه آخر مكالمة لها. ولقد انتظر برنامجها هذا الأسبوع لكنه لم يأت، فأدرك أنها في طريقها إلى المدينة. وهو يعلم أيضاً أن شهداً لا تنتظر منه عزاء ولا تطميناً لأنّها فتاة بقلب ألف رجل. هكذا ربّاها وهكذا صنعها على يديه. بمجرد أن اقترب من السّيارة نزلت وهي تقول بالفرنسية:كيف حال العجوز الهرم؟ابتسم وهو يرفع قبعته من على رأسه قائلا بالفرنسية:وكيف حال الفتاة الشابة؟احتضنته ثم ربتت على ظهره وقالت:عندك قازوز بارد؟قال وهو يمسك بيدها ويقودها إلى الدكان:عندي كوكاكولا، كالعادة. هزّت رأسها، وجلست على الكرسي ودخل هو لجلب المشروب. مدّت نظرها من بداية الحي إلى آخره فلاحت لها الذكريات. في هذا الحي وعلى مسمع جدران المدينة وتحت سمائها، تعلمت كيف تخلع عنها ثوب الشّهوة تدريجياً، كحيّة تتنصل من جلدها للتحرّر منه. لقد علمتها هذه الأرصفة والدكاكين أن تتخذ قرارات ضدّ رغبات أنوثتها وطفولتها، وكم هو مرير أن تُسرق من فتاة أنوثتها قبل أن تعيها وتستوعبها.لم تتذكر يوماً أنها امتلكت دمية أو لبست فستاناً أو حذاء يدل على أنوثتها، كل ألعابها وملابسها ميراث بالوصاية من أخيها الأكبر خالد، مروراً بزبير وعادل ومنير وهيثم وصولا إليها. وعندما تصل إليها تكون اللعبة قد فقدت حياتها ألف مرة، لكنها وبلمسة حانية من يد خالتها خديجة تعود إلى الحياة من جديد. لقد طلبت ذات مرة من أمها أن تشتري لها دمية كانت قد رأتها في دكان ألعاب الحي، لكن أشقاءها سخروا منها كامل اليوم بقولهم {شهد تحبّ ألعاب البنات، شهد تحب ألعاب البنات}. فكرهت ألعاب البنات بأنواعها واستسلمت للإرث الجماعي. وأصبحت كلّما رأت فتيات الحي يلعبن بالعرائس تسخر منهن وتضايقهنّ، فنفرن منها وابتعدن عنها. أما ملابسها فهي أيضا ميراث مشترك؛ فما زالت تذكر ذلك اليوم الذي ارتدت فيه فستاناً خاطته لها خالتها بمناسبة عيد الفطر، وعندما خرجت لتلعب مع بنات الحي سخرن منها ومن طريقة مشيها وركضها الذّكوري.عاد العم بلقاسم يجرّ خلفه كرسياً خشبياً صغيراً وهو يحمل مشروبها المفضل. وضع الكرسي بجانبها وسلمها المشروب وجلس قائلا:الكازوز البارد؟استفاقت شهد من الذكريات وأخذت المشروب الغازي وقالت:شكراً بابا.صمتت، فتأملها والدها جيداً وكأنه يراها لأول مرة وقال:وين حدّك؟ابتسم وترنمت بأغنية للمرحوم الهادي الجويني فشاركها والدها في ترديدها:حبيتك طفلة وبنية حبيتك كيف صرت صبيةحبيتك كيف بنت العم بحرارة روحي والدمكيف ما يرجع الفرططو للنار اللي تحرقهكيف ما يرجع الفلاح لحقل اللي عرقوكيف ما يرجع الملاح للبحر اللي غرقونرجع لك حاير ومهنيأنت وقلبي أقوى مني أنت وقلبي أقوى مني.ضحك العم بلقاسم، وابتسمت وهي تخفي مرارة المجهول القادم مع أيام لا تبوح بمفاجآتها إلا عندما تصبح قصصاً تروى وسيفاً مسلطاً على رقاب الموجوعين.قال لها وهو يربت على كتفيها:أما زلت تتذكرين هذه الكلمات؟قالت وهي تتنهد:أنا لا أعرف من الأغاني إلا هذه الكلمات التي حفظتها عنك أيام كنت ترددها على مسامعي عندما تغيب أمي عن البيت، وأنا أبكي بحثاً عنها.نظر العم بلقاسم إلى ساعته قائلا:حان وقت صلاة المغرب هيا بنا إلى البيت.أسبوع كامل وشهد تتجول في غابات عين دراهم تستمتع بهوائها النقي وخرير جداولها مع صديقتها الوحيدة ندى.ذات عشية وهي تتجول مع صديقتها ندى بين أشجار الصنوبر والبلوط والفلّين لمحت شخصاً يراقبها من خلف الأشجار، فتوقفت وأوقفت ندى لتتبين الأمر. أحسّت ندى بالخوف، فطلبت منها أن يعودا أدراجهما إلى البيت، لكن شهداً أمسكتها من يدها وتسمّرت في مكانها وقالت بهدوء:لخضر أخرج من بين الأشجار، لقد جلبت لك السجائر التي تحبّها.اندفع من بين الأشجار شابّ في الثلاثين من العمر راكضاً نحوهما بملابسه الرثة البالية وشعره الطويل المجعد قائلا:أين السجائر؟ أين السجائر؟لخضر شاب متحصّل على الإجازة في الموسيقى، وحسب القصص والرّوايات أحب فتاة حبّاً أسطورياً، ولأنه عاطل عن العمل لم يتقدم لخطبتها وظل معلقاً بها لسنوات خمس. ولأنه لم يعثر على عمل طيلة هذه الفترة، زوجها والدها إلى أحد الشّباب المقيمين بالخارج، فمرض لخضر وتأزمت حالته النفسية وفي النّهاية أصيب بالجنون بسبب حسناء.