نهاية الطفرة النفطية تهدد نموذج دولة الرفاه في النرويج

نشر في 08-05-2014 | 14:21
آخر تحديث 08-05-2014 | 14:21
No Image Caption
بدأ عصر الرواج النفطي في النرويج يتلاشي قبل سنوات من المتوقع لينكشف اقتصاد غير مستعد للحياة بعد النفط مما يهدد قدرة أسخى نظم دولة الرفاه في العالم على الاستمرار في الأجل الطويل.

فقد أدى ارتفاع الإنفاق في القطاع النفطي إلى ارتفاع الأجور وغيرها من التكاليف إلى مستويات غير قابلة للاستمرار لا في صناعة النفط والغاز وحدها بل في كل القطاعات وأصبح ذلك الآن يمثل عبئا على المزيد من الاستثمار في قطاع الطاقة.

وواجهت الشركات النرويجية خارج القطاع النفطي صعوبات في التعامل مع الركود الذي ترتب على ذلك في الاقتصاد النرويجي.

وربما يكون في الأسلوب الذي ستواجه به النرويج لعنة الثروة النفطية التي جلبت معها الاعتماد التام عليها دروس لاسكتلندا التي تجري استفتاء على الاستقلال عن بريطانيا هذا العام وتعتمد جزئيا على الأقل على ما ترى أنه دخلها من النفط.

وكانت النرويج تملك من الحكمة والبصيرة ما جعلها تدخر 860 مليار دولار لحين الحاجة إليها. ويعادل هذا المبلغ 170 ألف دولار لكل رجل وإمرأة وطفل في البلاد كما حققت النرويج فوائض ضخمة في الميزانية وتتمتع بتصنيف ائتماني ممتاز وانخفاض معدل البطالة ولذلك فليس وشيكا أن تشهد تراجعا ملموسا في أدائها الاقتصادي.

لكن التكلفة ارتفعت والمصدرين في القطاعات غير النفطية يواجهون صعوبات كما أن الحكومة ستنفق هذا العام 20 مليار دولار من أموال النفط زيادة على ما أنفقته في عام 2007 وقد لا يهييء نموذج الرفاه السخي - الذي يعتمد على استمرار تدفق الايرادات من ضرائب النفط - النرويجيين لأوقات صعبة مستقبلا.

وقال هانز هافدال الرئيس التنفيذي لشركة كونجسبرج أوتوموتيف لصناعة أجزاء السيارات "في النرويج يبدو أن الأمن الوظيفي مسألة مسلم بها تماما مثل حق الانسان في الوظيفة."

ولم يبق لشركة كونجسبرج أوتوموتيف في النرويج سوى خمسة في المئة من عمالها لانها نقلت الانتاج إلى أماكن مثل المكسيك والصين والولايات المتحدة ولم تبق في النرويج سوى الوظائف التي تستخدم التكنولوجيا المتقدمة والتي تعمل بالنظم الآلية.

وتقول الشركة إنها تواجه ارتفاع تكاليف العمالة بل ومشاكل مثل الإفراط في الإجازات المرضية.

وقال هافدال "إنه لأمر محبط بعض الشيء أن الإجازة المرضية في النرويج تبلغ مثلي مستواها في مصانع أخرى. وهذا بالنسبة لي مؤشر على وجود خطأ ما."

ولأن نصيب الفرد من الناتج المحلي الاجمالي يعادل نحو 100 ألف دولار فإن أسلوب الحياة تطور في النرويج بحيث أصبح عدد ساعات العمل أسبوعيا أقل من 33 ساعة في المتوسط وهو أقل مستوى في العالم في حين ظل معدل البطالة منخفضا وظلت نسبة كبيرة من الكفاءات غير مستغلة بفضل الإعانات التي تمنحها الدولة.

وفي عام 2012 دخلت كلمة جديدة القاموس النرويجي هي (‭‭nave‬‬) أي العيش على الإعانات التي تمنحها الوكالة الرسمية المختصة (ناف).

وقال وزير المالية سيف ينسن "تقريبا 600 ألف نرويجي... يجب أن يكونوا جزءا من قوة العمل لكنهم خارج قوة العمل بسبب مسائل الرفاه والمعاشات."

ويقول بعض مديرو الشركات والمسؤولون الحكوميون إن النرويج تحتاج لربط الزيادة في الاجور بالانتاجية والحد من نمو التكلفة النفطية وخفض الضرائب مثلما فعلت الدول المجاورة وتقليل الانفاق من أموال النفط. بل إن البعض يطالب بخفض قيمة عملتها.

وتركزت البراهين التي بنى الحزب الوطني الاسكتلندي عليها مطالبته بالاستقلال على امكانية أن تكرر اسكتلندا النجاح الذي حققه الاقتصاد النفطي في النرويج وتمثل في تأسيس صندوق ثروة للأجيال المقبلة في حين تظل الخزانة العامة معتمدة جزئيا على النفط والغاز.

ولسوء الحظ بالنسبة لاسكتلندا أن أوج انتاج النفط والغاز البريطاني قد انتهى وأصبح الانتاج من بحر الشمال نحو ثلثي ما كان عليه إبان الذروة النفطية.

فقد كانت بريطانيا مصدرا صافيا للنفط والغاز حتى مطلع القرن الحادي والعشرين وأصبحت تستورد نصف احتياجاتها تقريبا في العام الحالي أغلبها من النرويج. وقالت الحكومة إن النسبة سترتفع إلى الثلثين بحلول عام 2026.

تحول

وشهدت أحوال صناعة النفط التي تمثل خمس الاقتصاد النرويجي تقلبات حادة مع تراجع نمو الصناعة على المستوى العالمي.

وارتفعت التكاليف وزاد الانفاق الاستثماري لدرجة أن شركات الطاقة بدأت تبيع أصولها لسداد التوزيعات النقدية. ومع توقع انخفاض أسعار النفط هذا العام والعام المقبل أصبح الاقبال على الاستثمار منخفضا.

وبعد أن زادت الاستثمارات لثلاثة أمثالها على مدى العقد الأخير أصبح من المتوقع الآن أن تنخفض في السنوات المقبلة بما يخالف التوقعات السابقة بزيادتها باطراد في حين يظل انتاج النفط مستقرا رغم سنوات الإنفاق الكثيف.

وتعمل شركات الطاقة على تقليص بعض من مشروعاتها المبتكرة وهو ما يمثل مصدر قلق رئيسي إذ أن القطاع اعتمد على الابتكار لخفض التكاليف المرتفعة.

وقال وزير النفط تورد لين "من المحتمل أن تكون فترة الازدهار قد انتهت. لكن لسنا مقبلين على انخفاض حاد في الاستثمارات أو الانتاج. التكاليف ترتفع كثيرا وبسرعة كبيرة. والتكاليف النرويجية ارتفعت أكثر منها في أماكن أخرى."

وألغت شركة شل مشروعا للغاز باستثمارات تبلغ عدة مليارات من الدولارات كان يعتبر خطوة صوب الانتاج البحري دون منصات انتاج وذلك بعد أن ارتفعت تكاليف مشروع تجريبي لسبعة أمثاله مقارنة بالتقديرات الأولية.

وكان من المقرر أن تثبت كل المعدات على قاع البحر بما في ذلك أعمال الضغط على أن يتم يكون مصدر الطاقة على الشاطيء وهو ما يمثل قفزة تكنولوجية.

وقامت شركة النفط الوطنية المملوكة للدولة شتات أويل بخفض الإنفاق واستبعدت مشروعات متقدمة مثل استخدام منصة قطبية كان من الممكن أن تواصل عملها في جليد سمكه متران.

والنرويج هي سابع أكبر مصدر للنفط في العالم كما أنها تورد خمس احتياجات الاتحاد الاوروبي من الغاز وهو وضع له حساسيته خاصة في ضوء التوترات مع موسكو بسبب أوكرانيا والتي ألقت بظلالها على الامدادات الروسية.

وتفخر النرويج أيضا بأعلى معدل للناتج المحلي الاجمالي مقابل ساعات العمل وفق بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. لكن انتاجية العامل انخفضت منذ عام 2007 كما أن تكلفة العمالة ارتفعت بوتيرة تعادل ستة أمثالها في ألمانيا تقريبا منذ عام 2000.

لا عودة للوراء

وقال نوت أنتون مورك الاقتصادي ببنك هاندلسبانكن إن على النرويج أن تتحرك إذا كان لها أن تتفادى الركود.

وأضاف "الوفرة النفطية انتهت. والنرويج تحتاج لاعادة موازنة وضعها إلى مستويات أكثر قدرة على الاستمرار وهو ما يمكن عمله إما من خلال خفض اسمي لقيمة العملة أو من خلال تخفيض داخلي للأجور."

وقال إنه إذا لم يتم اجراء التعديلات الضرورية فقد تجد النرويج نفسها في "أزمة هيكلية مماثلة للأزمة التي واجهتها فنلندا بعد نوكيا."

وكانت نوكيا في أوجها تمثل ما يقرب من خمس صادرات فنلندا وربع ايراداتها الضريبية من الشركات قبل تراجعها السريع بسبب منافسة شركات أخرى في سوق الهواتف الذكية.

وخفضت السويد إعانات المرض والبطالة وخفضت ضرائب الدخل والثروة والشركات. وانخفض العبء الضريبي في السويد بأربع نقاط مئوية من الناتج المحلي الاجمالي ليتراجع عنه في فرنسا.

لكن من المستبعد تطبيق مثل هذا التعديل في الأجور في الأجل القريب كما أن الاتحادات العمالية تختلف في الرأي مع ما يقال عن أن البلاد تواجه مشكلة قدرة تنافسية. وكان عمال الصناعة يضربون عن العمل في ابريل نيسان حتى حصلوا على امتيازات في اللحظات الاخيرة.

back to top