جميلات ... في ملفات القضايا (17): بنت البحر تسقط في الدوامة
البحر أسرار، كل موجة فيه تحوي قصة لا تبوح بها إلا للنجوم، لكن قصة كريستينا كانت لها خصوصية فعرفها أهل الإسكندرية بلا استثناء، قصة بنت البحر التي جاءت من بلاد اليونان إلى عروس البحر، لتكتب حباً من نوع خاص مع ابن المدينة الساحرة، محمود الشاب المكافح. التقيا وسط البحر في جزيرة منسية، قبل أن تبتلع قصتهم أمواج البحر، فتكتب لها الخلود.
كريستينا... أشهر جميلات الإسكندرية بلا منازع، من دون ماكياج وملابس فاخرة، كانت ثورة من الأنوثة ولم تتعرض للوم أو استنكار أو حتى اعتراض من أهالي الإسكندرية لأسباب عدة، فهي فتاة إغريقية من بلاد اليونان، وابنة دبلوماسي كبير في إحدى القنصليات الأوروبية، جنسيتها سمحت لها بكثير من الحرية وجنبتها مشاكل أكثر.ولأن كريستينا عاشت في الإسكندرية منذ طفولتها وانطلاقة شبابها، فكان طبيعياً أن تجيد اللغة العربية وتتشرب خفة دم المصريين، لكنها تعمدت ألا تنخرط في علاقات أو تقيم صداقات أو تشتبك في خلافات أو تختلط بأي من الجيران. شاب وحيد، لفت انتباهها وحظي بإعجابها وكأن الإسكندرية لم تنجب غيره، أو كأنه لا شبيه له في كل مدن وبلاد البحر المتوسط.
لم تبادر أبداً بالحديث معه، فهي المرأة ولا تبدأ الخطوة الأولى مهما كانت المغريات ولو كانت تموت حباً، ولم يتطفل هو عليها فلم تكن له خبرة أو تجربة أو حتى نزوة،كان يراها فيرتبك ويتلعثم ويتلون وجهه وتتخبط قدماه فأين هو منها؟ وأين هي منه؟ وكيف يختصر المسافات بين القمة التي تتربع عليها بسطوة الجمال وفتنة الأنوثة ونفوذ المال وعراقة الأسرة، وبين السفح الذي يقبع فيه.كان مجرد طالب في السنة الثالثة في كلية التجارة، يعمل في أشهر الصيف في كافتيريا الشاطئ من الرابعة صباحاً حتى منتصف النهار، يتولى وحده وصل السخانات بالكهرباء ونشر المظلات والمقاعد على طول الشاطئ، وتجهيز مائدة الطعام والمثلجات وإعداد السندويتشات. ومن مكاسبه في موسم الصيف ينفق على والده العجوز الضرير، وعلى دراسته وملابسه، وطعامه وأجرة مسكنه. أراد أن يكلمها ذات صباح بعد ماخرجت من البحر، وغيرت ملابسها. أسرع إليها بكوب النسكافيه المعتاد، فشجعته نظرات منها حانية ورسائل ترحاب بثتها عيناها، لكنه خاف أن ينطق بما يشعر، أمسك عليه لسانه، خشي أن تكون كريستينا تنصب له فخاً لتسخر منه، أو أن تكون ناراً إذا اقترب منها احترق.يبدو أن الحسناء اليونانية كانت أكثر ذكاءً فقرأت أفكار محمود وقررت أن تجد حلاً للمأزق، نادت عليه ذات صباح، بعدما استلقت فوق مقعدها، وبينما وقف أمامها يتحاشى أن تفلت منه ولو نظرة، سألته وكأنها أطلقت قنبلة من طرف لسانها: {هل تعيش قصة حب يا محمود؟}. لم يجب، قالت بلا تردد: «اسمع يا محمود، لم يعد لدينا الوقت لنطبق قوانين العلاقة بين الرجل والمرأة، ثلاثة مواسم متتالية وأنا أنتظر منك كلمة لم تقلها أبداً، كنت تتركني في جحيم الفراق بعدما تغلق الكافتيريا أبوابها مع أول أيام الشتاء، تحملتك عاماً بعد عام، والآن حكم علينا الزمن بما لم يخطر لي أو لك على بال أو خاطر}.سألها وقد اختلطت في أعماقه مشاعر الخوف والفرح :{بماذا حكم الزمن... لم أفهم؟!}.قالت في حسم: {سأغادر مصر مع أمي إلى اليونان بعد غد، الباخرة سوف تبحر بنا من ميناء الإسكندرية في تمام العاشرة صباحاً، لم يعد أمامنا وقت للكلام، الوداع فرض نفسه، ولا يمكن أن أغادر مصر قبل أن أعترف لك أنك حبي الأول، وربما يكون الأخير، وربما حينما أعود إلى وطني الأول ينبض قلبي هناك بحب جديد، وتجد أنت في وطنك من تشارك حياتك}.انخلع قلب محمود، جف ريقه وملأت المرارة حلقه وهو يبحث عن كلمات تتشبث بحبيبة العمر وترجوها وتتوسل إليها ألا تقسو عليه بفراقها، وقرأت كريستينا في عينيه سر صمته، فاستطردت تسأله :}هل تجيد السباحة في الظلام؟!}.- ماذا تقصدين؟!* أريد أن أطفئ نار هذا الحب قبل أن نفترق!!- وما علاقة السباحة في الظلام بنار الحب؟!* فجر الغد سوف تعرف الإجابة... الرابعة صباحاً كن مستعداً!ابتسمت كريستينا في دلال مثير ولم تزد كلمة واحدة، دخلت غرفتها وغيرت ملابس البحر وعادت أكثر فتنة وسحراً، لوحت بيدها لمحمود ومضت في خطى واثقة بعيداً عن الشاطئ والكافتيريا والرمال، ومن دون أن تلتفت خلفها حيث وقف محمود يضرب أخماساً في أسداس يحاول أن يفك شفرة السباحة في الظلام.لقاء الفجرلم تعرف عينا محمود طعم النوم، استغرب الحلم الذي يعيشه، كريستينا التي تهز الإسكندرية تعترف بحبها له، تلوم صمته، يعز عليها فراقه، أنه أجمل حلم فوق أرض الواقع. لكن ماذا تقصد بسباحة الظلام؟ نظر إلى ساعته، الوقت يمضي في بطء وعقارب الساعة كأنها تحمل جبالاً فوقها، وقف أمام البحر كأنه يبحث عن الإجابة بين أمواجه، لماذا الرابعة صباحاً؟ اعتادت كريستينا أن تنزل البحر في الخامسة صباحاً مع أول ضوء النهار، وكانت تسبح حتى تختفي، وتعود قبل أن يزدحم الشاطئ برواده ومريديه، فلماذا قدمت موعدها الليلة؟! ومضى الوقت بصعوبة، الليلة حالكة الظلام، القمر اختفى، والبحر يبدو كبقعة سوداء صاخبة الصوت، عقارب الساعة تقترب من الرابعة. نفذ محمود وصية كريستينا، ارتدى لباس البحر ووقف مستعداً ضارباً عرض الحائط بعمله اليومي في تجهيز الكافتيريا والشاطئ.ظهرت كريستينا فأنارت الشاطئ، أشارت إلى محمود بابتسامة رقيقة. اقترب منها، وسألها بعدما جذبته من يده نحو البحر :}إلى أين؟!}.سوف أعرفك على المكان الذي أستمتع فيه مع مطلع كل صباح، أنها جزيرة لا تصل إليها العيون، جزيرة رائعة في حضن البحر تتكسر فوقها الأمواج وكأنها ترحب بضيوف الجزيرة!*سمعت عنها.. لكنها منطقة دوامات خطيرة ياكريستينا؟!- أسبح معي ولا تخف... وأنت معي لا تشقى ولا تموت! وحملهما الموج ودفع بهما الريح في سباق لذيذ. كانت دقات قلب محمود تتلاحق خوفاً من منطقة الدوامات التي لم يسمع عنها أو منها خيراً سابقاً، لكنه وصل إليها بسلام وصعدت كريستينا الجزيرة الصغيرة، ثم مدت يدها إلى محمود حتى رفعته إلى جوارها، وقبل أن ينطق بادرته قائلة: {هنا سنعوض كل ما فات... وما هو آت}.فجأة، غطتهما موجة لم يفق بعدها محمود من عناق طويل. انتبه محمود إلى إشراقة النهار بعدما انسحبت ظلمة الليل، وقف كالمخمور، تأمل كريستينا تحت أشعة الشمس، هي قارة للأنوثة مليئة ببلدان الجمال، سألته وهي ما زالت مستلقية :}الآن سأفارقك من دون أن يتعذب ضميري}. هبت كريستينا، أدركت أخيراً أن محمود سيفقد عمله بعدما تأخر عن موعده، لكنها قبل أن تغادر جزيرتها أمسكت بصخرة صغيرة ذات سن حاد وراحت تحفر فوق الجزيرة اسم محمود واسمها وتاريخ اللقاء، 24 يناير1989.ودعها محمود في اليوم التالي بدموعه، كان عزاؤه الوحيد أنها وعدته بالاتصال به بعدما حصلت منه على العناوين كافة التي يتواجد فيها، وأرقام الهواتف التي يمكن أن يرد عليها. أبحرت الباخرة أمام عينيه الباكيتين، وبين جفنيه صورة كريستينا، وفي أنفه عطرها الذي امتزج به ماء البحر. تخرج محمود ومضت أيام وأشهر يبحث فيها عن وظيفة مهما كانت ضآلتها بعدما كان ملكاً متوجاً فوق الجزيرة، كان يؤنب نفسه لأنه لم يحصل على أي عناوين لكريستينا، لكن شعاع الأمل يضئ فجأة في حياته مع أول برقية تصله من أثينا، كانت من كرستينا :{محمود، لقد أخطأت في حساباتي، لم تنطفئ النيران فوق الجزيرة وإنما ازدادت اشتعالاً، لن أعوضك لا في أثينا ولا في أي مكان بالعالم، أبي توفي وأمي عاجزة عن إدارة ثروتنا وأملاكنا بمفردها، وهي تبحث عن إنسان أمين يتولى الإدارة، وأنا رشحتك لها وهي وافقت من دون تردد، ليس مطلوباً منك سوى أن تجهز جواز سفرك وسوف تصلك دعوة بالزيارة، والترتيبات كلها جهزتها لك}.في أثيناقبل أن يكتمل الشهر كان محمود في أثينا، رحبت به أم كريستينا الابنة الوحيدة المدللة، أدار عمله ببراعة ومهارة يحسد عليها، وفي السفارة المصرية تم زواجه المدني من كريستينا. انقطعت أخباره عن مصر التي لم يزرها غير مرة في السنوات العشرة الأولى ليحضر جنازة والده، لم تتغير مصر، زار الشاطئ، الكافتيريا انتقلت إلى مستأجر جديد، لكن قلبه لم يطاوعه للوصول إلى الجزيرة وحده، اشترى {شاليه} في الصف الأول المواجه للبحر، كان يعرف أنه سيعود يوماً إلى مصر ويستثمر فيها أمواله، لكن متعته الوحيدة ستكون في هذا {الشاليه} حينما يجمع بينه وبين كريستينا الزوجة وكريستينا الابنة التي بلغت من العمر ثماني سنوات. كان حريصاً على أن يعلمها العربية وأن تتقن السباحة، وكانت الصغيرة لا تنام إلا على حكاية الجزيرة التي كان محمود يحذف منها ما لا يجب أن تسمعه صغيرته. برز نجم محمود في أثينا كرجل أعمال مصري لم ينس لحظة أن يكون سفيراً لبلاده، وبرزت كريستينا الزوجة كإحدى أبرع عازفات الكمان في الحفلات التي يقيمها رجال السلك الدبلوماسي.لكن من يضمن الدنيا، ومن يثق فيها. نشرت صحف أثينا يوم 24 يناير عام 2009 حادثاً مروعاً لقي فيه محمود وكريستينا مصرعهما، وبقيت كريستينا الابنة مع جدتها تعيشان على الذكريات، ورثت الحسناء الشابة ثروة والديها وأدارت مشاريعهما بكفاءة عالية، لكنها كانت تختلي بنفسها كل ليلة قبل أن تستسلم للنوم لتراجع بعض الأوراق المهمة بخط يد والدها، هذه ورقة كان يشرح لها فيها موقع الكافتيريا في شاطئ العجمي، وهذه ورقة أخرى رسم عليها الجزيرة التي شهدت أول أيام الحب بينه وبين أمها. كانت من عادة محمود وهو يحدث ابنته أن يخط بقلمه على أي ورقة أمامه أشكالاً وأسماء وتواريخ وكأنه يؤرخ لما يحكيه، ولأن كريستينا الابنة كانت تذوب حباً في أبيها لم تهمل تلك الأوراق واحتفظت بها بين الجلد واللحم.ذات يوم قررت كريستينا أن تنفذ قراراً تحمست له كثيراً، حجزت على الطائرة التي ستصل إلى مطار القاهرة مساء يوم 20 يناير2010 ، وحجزت عبر الإنترنت جناحاً في أرقى فنادق العجمي، وبدأت تعد الأيام والساعات وتحلم بيوم وصولها إلى مصر. هبطت الطائرة في الموعد المحدد، شعرت كريستينا براحة غير مسبوقة وهي تتنسم هواء مصر للمرة الأولى، تنظر إلى وجوه المصريين فتشعر كأن بينها وبينهم صلة قرابة، استقلت سيارة خاصة إلى الساحل الشمالي، وفي الجناح المحجوز في الفندق الشهير تركت حقيبة سفرها واحتفظت في حقيبة يدها بمفتاح الشاليه الذي يملكه أبوها ومبلغاً كبيراً من الدولارات والأوراق المهمة التي ستكون مرشدها ودليلها في أهم لحظات الرحلة، وخلال نصف ساعة وصلت إلى الشاطئ المرصود.وقفت كريستينا فوق الرمال حائرة، الكافتيريا المرسومة في الأوراق أصبح مكانها كازينو كبير، الأسماء لا وجود لها، العلامات اختفت، لم يبق شيء من الماضي سوى البحر، مشت على طول الشاطئ تتأمل الوجوه بحثاً عن عجوز يتذكر شيئاً مما سطره أبوها فوق الأوراق، عادت يائسة، فتحت الشاليه واستأجرت عمالاً لتنظيفه وجلست في الخارج تفكر وتتأمل مياه البحر. لا بد أن الجزيرة هناك خلف هذه الأمواج الهادرة، فجأة شاهدت كهلاً قهره الشيب وأبطأ من حركته، أسرعت إليه، أذهلها تركيزه وقوة ذاكرته، انفرجت أساريرها، وهو يحكي لها صورة طبق الأصل مما حدثها به والدها، شرح لها كيف تغير شكل الشاطئ، وتبدلت فيه الأسماء والأماكن في العشرين سنة الأخيرة، استراحت له واستفاض هو في حكايات الماضي وفتاة الجزيرة صاحبة أشهر لباس بحر في العجمي، ضحكت كريستينا وقاطعته: هي أمي؟!قاهرة الدوامات... أمك؟!نعم ... ولكن كيف عرفتها؟!أنا شيخ الصيادين... وكثيراً ما شاهدتها مسترخية فوق الجزيرة، وآخر مرة شاهدتها كان معها صديق أو حبيب وكنت أنا في قاربي. لا صديق ولا حبيب، أنه أبي، ولأجلهما حضرت لأحفر اسمي أنا أيضاً فوق الصخرة الكبيرة في وسط الجزيرة وفي التاريخ نفسه مثلما فعلا معاً قبل سنوات طويلة. وأين هما يا بنتي العزيزة؟!رحلا عن الدنيا، هل يمكن أن أطلب منك خدمة يا شيخ ، لقد استرحت لك، كن بجواري حتى أغادر مصر، ممكن؟ عيني يا ستيفجر 24 يناير 2010 أغلقت كريستينا الشاليه وخرجت بلباس البحر، وهي تقفز فوق الرمال فرحاً، انتظرت شيخ الصيادين حتى وصل وهو يتوكأ على أكبر أحفاده، وأصرت على الوصول إلى الجزيرة وهي تسبح، وركب شيخ الصيادين وحفيده زورقاً ليرشداها إلى مكان الجزيرة. كان العجوز شديد الإعجاب بكريستينا وهي تسبح كسمكة متعطشة إلى المياه، رشاقة ومهارة ونسخة جديدة أكثر جمالاً من فتاة الجزيرة الأولى، لكن فجأة يصيح الحفيد، ويصرخ العجوز، ويتوقف الزورق، خطفت الدوامة كريستينا وراحت تلف بها وتدور وكأنها تعاقبها على شيء ما، لحظات عصيبة اختفت معها كريستينا. ساعة... ساعتان... ثلاث ساعات... وعاد الزورق الحزين إلى الشاطئ، أبلغ شيخ الصيادين الشرطة، وانتشر الخبر بين رواد الشاطئ، وقفوا جميعاً على حافة البحر في انتظار أن تحمل إليهم الأمواج جثة كريستينا، لكن تأتي الأمواج كل يوم، ولا تأتي الجثة.فتحوا تحقيقات مع شيخ الصيادين وحفيده، طالت التحقيقات حتى تم حفظها في النهاية، لكن شيخ الصيادين ما زال حتى الآن ينظر نحو الشاطئ كأنه على أمل أن ترجع كريستينا ذات صباح وبعد أن يجلس حوله الناس يحكي لهم القصة، وتتجه عيون الجميع نحو الجزيرة التي تحجب عنها الأمواج الرؤية، وأحياناً يتجرأ البعض على القيام برحلة إلى الجزيرة لرؤية كلمات الحب المحفورة فوق الصخرة، لكن نادراً ما تتم الرحلة.