ضبط النفس... كيف نقاوم الإغراء؟
تعزز نجاح دراسة حلوى الخطمي والأولاد بفضل مقاطع الفيديو التي نُشرت على موقع يوتيوب ويظهر فيها الأولاد وهم يرتبكون فيما يحاولون ضبط أنفسهم وانتظار الحلوى. العمر يُحدِث فرقاً كبيراً. فشل جميع الأولاد تقريباً في عمر الثالثة بينما نجح معظم الأولاد في عمر السادسة. لكنّ الفئة العمرية المثيرة للاهتمام تقع بين هاتين المرحلتين. ضمن فئة الأولاد في عمر الرابعة، لاحظ ميشيل تفاوتاً كبيراً. نجح بعض الأولاد في الانتظار بينما استسلم البعض الآخر.سرعان ما أصبحت تلك التجارب مهمة على نحو خاص بفضل الدراسة الطويلة التي حصلت في المرحلة اللاحقة. تعقب ميشيل وزملاؤه المشاركين الأصليين في الدراسة ووجدوا أن قدرة الطفل في عمر الرابعة على ضبط نفسه (أو {تأخير المكافأة} كما يقول) مؤشر قوي على نجاحه اللاحق. ترتبط القدرة على الانتظار في عمر الرابعة بارتفاع معدلات اختبار الكفاءة الدراسية، وتراجع استعمال الأدوية التي تسبب الإدمان، وانخفاض خطر البدانة. تشير دراسات أخرى إلى أن تلك القدرة تُعتبر مؤشراً أفضل من حاصل الذكاء على النجاح الأكاديمي.
سلّطت مجموعة ثانية من الدراسات الضوء على الآلية المستعملة. يبدو أن قوة الإرادة قابلة للاستنزاف. يكفي أن نختبر قوة إرادة شخص معين عبر تكليفه بمهمة (مثل مقاومة بسكويت الشوكولا الذي يُفترض أن يُحفَظ لتجربة أخرى) كي تتراجع قدرته على القيام بمهام أخرى غير مرتبطة بالمهمة الأولى (الإصرار على حل أحجية بالغة الصعوبة أو الإمساك بجهاز تمرين قبضة اليد). من وجهة نظر المشاركين في الاختبار، تُعتبر قوة الإرادة أشبه بعضلة، ما يعني أن التمرين يُتعبها على المدى القصير مع أنه قد يساهم في تقويتها على المدى الطويل (تبدو الدراسات مبهمة في ما يخص هذه النقطة).شد حباليمكن جمع المشهدين معاً كي نعكس بسهولة صورة عن الحياة باعتبارها معركة شد حبال ضد مصادر الإغراء: قد يكون التدريب مفيداً بعض الشيء لكن يتّضح في النهاية أن الأشخاص الذين يتمتعون بأكبر العضلات التي تسمح لهم بضبط النفس يستطيعون شد الحبل أكثر من غيرهم. يمكن تشخيص قدرة الطفل عبر اختبار حلوى الخطمي كي نحصل على مؤشر ممتاز عن أدائه في مرحلة لاحقة من حياته.لكن كان الباحثون أول من اعترف بأن الصورة الحقيقية تبدو أكثر تعقيداً من ذلك. حتى لو كانت المقارنة مع العضلات صائبة، قد تكون التقنيات والحوافز مهمة بقدر القوة الجسدية. لكن تشير أبحاث أخرى إلى أن ضبط النفس العضلي المستعمل في اختبار حلوى الخطمي هو الملجأ الأخير. من الأفضل تنظيم الأمور كي لا يظهر مصدر الإغراء، وذلك عبر هندسة العالم لتجنب الإغراءات أو عبر هندسة عقولنا كي لا نستسلم لمصادر الإغراء حين نواجهها.لنراجع الاحتمالات تباعاً. استنتج ميشيل أن غالبية المبررات التي تفسر النجاح في اختبار حلوى الخطمي تتعلق بالتقنية. كل من نجح في الانتظار تمكّن من إلهاء نفسه. عرض المكافآت أمام الناس يجعلهم يميلون إلى الاستسلام. لكن المثير للدهشة أن عرض المكافآت التي سيحصدونها مقابل الانتظار قد يجعلهم أكثر ميلاً للاستسلام. تقضي التقنية الفاعلة الوحيدة بعدم عرض شيء أمامهم. سلّطت الأبحاث اللاحقة الضوء على ما يحدث في هذه الحالة. عند مواجهة أي مصدر إغراء، قد تتغير أحكام الأولاد: فهم يميلون إلى التقليل من شأن المكافأة التي تحفزهم على الانتظار. لا تُعتبر قطعتا حلوى الخطمي أفضل بكثير من القطعة الواحدة. إذا أردنا أن يكون القرار فاعلاً، فمن الأفضل عدم إعادة فتح الموضوع في ظل وجود أي مصادر إغراء خوفاً من صدور قرار جديد مفاده أن المكافأة لا تستحق الانتظار. تؤكد الدراسات التي تشمل راشدين يتبعون حمية غذائية على هذه النقطة. تبين أن التمسك بقرار الامتناع عن أكل التحلية يكون فاعلاً على نحو مفاجئ: في مواجهة مصادر الإغراء، يكرر المشاركون بكل بساطة قرارهم ويمضون قدماً. لكن عندما يضيفون أساساً منطقياً لذلك القرار (كأن يقولوا في أنفسهم {أنا لن آكل التحلية لأن...}، ثم يعرضون الأسباب المنطقية لقرارهم)، تفقد المقاربة فاعليتها. إضافة أساس منطقي إلى القرار تعيد فتح الموضوع، ما يسهّل إيجاد مبررات للتخلي عن القرار، أقله في ذلك اليوم: لا بأس بتناول حصة من التحلية، فقد كان هذا اليوم صعباً وسأشعر بالتحسن عند تناول تلك الحصة، وغداً سيكون مناسباً لبدء الحمية الغذائية. حالاتفي المقابل، إذا تمكن المشاركون من اتخاذ قرارات لا تتطلب مداولات مطولة، يرتفع احتمال التمسك بتلك القرارات (في الحالة المثلى سيتصرفون بكل بساطة وفق الظروف، مثل رفض التحلية عند عرضها عليهم أو الذهاب إلى النادي الرياضي في تمام الساعة السادسة). تشير التجارب إلى أن التمسك بقرارات مماثلة لا يُضعف قوة الإرادة: لا يعني ذلك تراجع القوة التي يمكن استعمالها في مجالات أخرى. بل يشير هذا التحليل إلى أن التمسك بقرارات مماثلة لا يستلزم تشغيل قوة الإرادة بأي شكل. قوة الإرادة ضرورية حين تبدأ المداولات. إذا استطعنا تجنب تلك المداولات عبر تنفيذ قرار مسبق، لا سيما القرار الذي تحوّل إلى عادة مترسخة، يمكن تجنب الحاجة إلى قوة الإرادة. ويمكن أن يتجنب المشاركون مصادر الإغراء إذا تمكنوا من إعادة تنظيم نواياهم كي تصبح الخيارات المغرية غير واردة بالنسبة إليهم.ما أهمية ذلك؟ تتعدد الحالات التي يضطر فيها الناس إلى الاتكال على قوة إرادتهم: في النهاية، رصد ميشيل مجالات عدة تكون فيها قوة الإرادة كفيلة بتقديم أداء أفضل. لكن من خلال التركيز على هذه المجالات، قد نغفل عن مجالات أكثر أهمية نتعلم فيها عدم الحاجة إلى تلك المهارة.لا تزال الأبحاث في بدايتها في هذا المجال، لكن قد تساهم هذه النتائج في توضيح أحد أعمق الانقسامات على مستوى الأخلاقيات بين الأشخاص الذين يعتبرون ردود الفعل الأخلاقية عاطفية بطبيعتها ومن يعتبرونها منطقية. بدل اعتبار هذه الآراء متناقضة، يمكن أن تكون مكمّلة لبعضها البعض. مع مرور الوقت، قد تولّد القناعات الأخلاقية المنطقية ردود فعل عاطفية مترابطة. لاستبعاد أي خيار، هل من طريقة أفضل من اعتباره مقرفاً؟باختصار، ضبط النفس مفهوم متعدد الجوانب. نعلم بعض الأمور عن كيفية اختبار قدرة الأولاد على مقاومة مصادر الإغراء التي يواجهونها. لكننا نعرف القليل عن الدوافع التي تجعل خياراً معيناً غير وارد. هل هي مهارة يكتسبونها في مرحلة مبكرة من الحياة ولا تتغير مع مرور الوقت؟ أم يمكن تطوير هذه الميزة مع تقدم الحياة؟ يجب أن ننتظر لنكتشف ذلك!آراء علماء النفستحدث أرسطو عن وجود طريقتين تسمحان للفرد بالقيام بما هو صائب. قد يشعر البعض بالانزعاج وبميل شديد إلى إساءة التصرف لكنه يقاوم. أو قد يكون فاضلاً لدرجة أنه لا يشعر بالميل إلى إساءة التصرف. تعتبر المراجع النفسية المعاصرة أن أرسطو كاد يتوصل إلى تمييز مهم في هذا المجال. لكن من خلال تطبيق هذا المفهوم على السلوك الأخلاقي، كان أرسطو يطبقه في مجال لم يتم استكشافه بما يكفي بعد.وفق مفهوم أرسطو، تؤدي التربية الأخلاقية إلى ترسيخ عادات معينة. لكن لا تكون تلك العادات سلوكية بكل بساطة، بل إنها عادات فكرية أيضاً. يكتسب الناس حساً أخلاقياً يجعل بعض السلوكيات غير وارد بالنسبة إلى الأشخاص الفاضلين. لنراجع مثالاً من برنارد ويليامز: قد نناقش مختلف الطرق الممكنة للرد على التهديد الذي يطرحه خصم سياسي، لكن بالنسبة إلى معظم الناس على الأقل، تبدو فكرة قتله غير واردة بكل بساطة. نحن لا نفكر بهذا الاحتمال ثم نرفضه لأنه خاطئ من الناحية الاخلاقية. بل إنه لا يكون احتمالاً وارداً منذ البداية، لذا لا يشكّل هذا الخيار مصدر إغراء حقيقي. ينطبق الأمر نفسه على حالات أكثر بساطة. تبدو فكرة الغش في امتحان مهم أو خيانة الشريك مستبعدة بالنسبة إلى الكثيرين. هم لا يحتاجون إلى قوة الإرادة ليقاوموا تلك الفكرة لأن مصدر الإغراء لا يكون حقيقياً بأي شكل.لا تزال آراء علماء النفس المعاصرين منقسمة حول أهمية التربية الأخلاقية: لا نعلم حجم العادات المكتسبة ولا حجم الدوافع الفطرية. لكن نظراً إلى اختلاف المعايير الأخلاقية في مختلف المجتمعات، لا شك أن التعلّم له دور في هذا المجال. فكرة التلقين الأخلاقي محورية. لنأخذ مسألة الأكل النباتي مثلاً. يصبح الناس نباتيين لأسباب مختلفة. بالنسبة إلى البعض، تتعلق المسألة في المقام الأول بالصحة، لكنها ترتبط بالأخلاق بالنسبة إلى البعض الآخر. تشير الدراسات إلى أن فكرة أكل اللحوم تصبح غير واردة تدريجاً بالنسبة إلى الأشخاص الذين يعتبرون المسألة أخلاقية. حتى لو أقنعوا أنفسهم في البداية بحجج واهية جداً، سرعان ما تصبح اللحوم مقرفة بنظرهم لدرجة أنهم لا يتقبّلون فكرة أكلها. هذا التحول ليس بارزاً لهذه الدرجة بالنسبة إلى كل من يتجنب أكل اللحوم لأسباب صحية.