هكذا تتحكَّم بمشاعرك

نشر في 28-01-2014
آخر تحديث 28-01-2014 | 00:01
No Image Caption
نمر أحياناً بأوضاع نتمنى لو أننا نستطيع الحفاظ خلالها على برودة أعصابنا، مثل اجتماعات أو لقاءات مصيرية في العمل أو في الحياة الشخصية. فعندما نخرج عن طورنا، نرسم صورة عن أنفسنا مخالفة لما نودّ أن نعكسها. علاوة على ذلك، تجعلنا مشاعرنا الجياشة أحياناً نفقد توازننا. فتصدر عنا ردود فعل سيئة تضعنا في مواقف حرجة أو يكون لها تداعيات سلبية.
من الضروري أن نجتهد لنفهم مشاعرنا، لأنها تكون أحياناً سبب رفضنا تغييرات تُعتبر جيدة عموماً. تكمن المشكلة في أن الشخص البالغ يخاف اقتراف الأخطاء، بخلاف الولد الذي يتقدّم بسرعة لأنه لم يختبر بعد مشاعر مماثلة. لكن السعي إلى اكتشاف كل جديد يحمل معه احتمال إتقان التحكم في عملية التغيير هذه، رغم ما تنطوي عليه من مخاطر.

من المستحيل الانتقال من وضع إلى وضع مغاير تماماً فجأة. لذلك من الضروري أن تضع نصب عينيك تحديات محدودة تتيح لك التقدم ببطء إنما بثقة أكبر. لنتأمل في مثال رامي وسعيد. يعملان كلاهما في شركة دولية. عُيّن الأول مدير قسم المبيعات، في حين أوكلَ إلى سعيد بعض المهمات الجديدة كمفاوض. ومع هذه الترقية، طُلب منهما الخضوع لدورة تدريب: الأول لتعلّم التكلم أمام حشد كبير، ما يتيح له التعبير عن رأيه في الاجتماعات، والثاني لاكتساب مهارات وتقنيات ضرورية كمفاوض.

حقق رامي وسعيد تقدمّاً خلال جلسات التدريب وطبقا كل ما تعلماه من الناحية النظرية. ولكن خلال الاجتماع الأول، عاد رامي إلى خجله والتزامه الصمت، في حين عجز سعيد عن تطبيق الأساليب والوسائل التي تعلمها، مع أنه حفظها عن ظهر قلب. يعود ذلك إلى سبب بسيط: لا تتبدل المشاعر، وتدفع الإنسان إلى تصرف غير منطقي، مع أنه لا يرغب في ذلك.

لكن مَن دربوا رامي وسعيد يدركون أن سلوكهما هذا طبيعي، فهدفهما غير الواعي كان الحد من القلق والخوف اللذين يتملكاهما، فتغلبت هذه الحاجة غير الواعية على ما اكتسباه من معارف، خصوصاً أن مهاراتهما التي طوراها ما زالت حديثة العهد ولم يتعلما الثقة بها بعد.

إذاً، تتمحور الخطوة الأولى نحو التغيير، خصوصاً إذا كانت الظروف المحيطة به مؤثرة جدّاً، حول تحديد المشاعر التي تتملك الإنسان وتسميتها. يجب ألا ننكر مطلقاً ما نحس به أو نحاول تجاهله، فعندما نتقبّل ما يُعتبر أحياناً ضعفاً، نتوصّل إلى سبيل أفضل لتخطي العقبة التي تواجهنا.

كبح المشاعر

يدرك علماء النفس واختصاصيو السلوك أن المشاعر تشكّل عنصراً بالغ الأهمية في عملية التغيير. لكن المشكلة تكمن في أن على الإنسان ألا يحاول كبح هذه المشاعر أو تناسيها، بل يجب أن يتعلم التحكم فيها واستغلالها. وبدل أن تظل المشاعر عامل ردع، من الضروري أن نحوّلها إلى عامل تغيير. أما إذا عجزنا عن ضبطها بالكامل، فينبغي أن نحاول التخفيف من حدّتها كي لا نُضطر إلى مواجهة عواقبها غير المرجوة.

مساران متناقضان

يقف كل مَن يواجه موقفاً مشحوناً بالمشاعر أمام مسارين متناقضين تماماً يمكنه سلوك أحدهما:

بلوغ الحد الأقصى: يقضي هذا المسار بمفاقمة الظاهرة العاطفية. فبالاستسلام كاملاً لهذا الوضع،  نستشيط غضباً بسرعة عندما نواجه وضعاً صعباً أو نعبّر عن خوفنا من أن ينظر إلينا رؤساؤنا نظرة خاطئة. هكذا تتملكنا مشاعر قوية تتخطى الخوف البسيط من التكلم علانية أو من مواجهة مشكلة يصعب حلها. يُعتبر هذا المسار خطراً، وقد يؤدي إلى نتائج غير مرجوة في البداية، إلا أنه فاعل على الأمد الطويل. فعندما يبلغ الإنسان ذروة مشاعره، يتمكن من التخلص منها.

الحد من تأثير المشاعر: في المقابل، يمكننا العمل على ضبط مشاعرنا بمحاولة الحدّ من الأوجه المزعجة من سلوكنا. وتُشكّل هذه مقاربة بسيطة وعملية تسهل على الإنسان تحسين حياته من دون أن يُضطر إلى الغوص في المسائل النفسية والعلاجات الأعمق.

من الواضح أن المسارين فاعلان في التعامل مع المشاعر الآنية، ولا يشكلان علاجاً للكآبة المزمنة أو التحكم بحالة مريض يعاني نوبات هلع مرضية. ففي حالات مماثلة، لا بد من استشارة طبيب نفسي والخضوع لعلاج طبي.

يبقى الهدف الرئيس لهذين المسارين تحسين حالة غير مرضية. فقد تؤدي نوبات الغضب المفرط أحياناً إلى مخاطر صحية، مثل الإصابة بنوبة قلبية، في حين يستسلم البعض لمشاعرهم أحياناً ويبدأون بالبكاء، ما يجعلهم يبدون سخفاء بعض الشيء.

أبحاث

يجري علماء النفس باستمرار أبحاثاً في هذا المجال، فيختار بعضهم {علاجات} تبدو عشوائية ومبتكرة، مثل المراحل التي نحاول خلالها التخلص من مشاعر مكبوتة عبر أساليب بدائية نوعاً ما، مثل الصراخ. لكن هذا النوع من العلاج يتيح للإنسان التخلص من مشاعره المكبوتة أكثر منه التقدم. حتى إن البعض يحاول اعتماده من تلقاء نفسه باتباع نصائح مختلفة، مثل القيام بنشاط رياضي، ممارسة اليوغا، التفكير في مسألة أخرى وغيرها. لكن هذا الأسلوب لا يساهم في حل المشكلة، إلا إذا كانت بسيطة.

ترتكز الأبحاث الأكثر جدية اليوم على علاجات سلوكية ومعرفية. لا تهدفالعلاجات إلى تفادي الأوضاع التي يخافها المريض، بل تسعى إلى تخفيف وطأة هذه الأوضاع من خلال تعريضه لها. ويتيح تعلّم هذه التقنيات للمريض تحويل مشاعره إلى أفكار أكثر إيجابية.

ثمة أساليب أخرى تشجع على تقبل المشاعر كما هي من دون مفاقمتها. مثلاً، إذا فقد الإنسان شخصاً عزيزاً على قلبه، فعليه تقبّل مشاعره كما هي من دون تأجيجها بعبارات مثل {لا معنى للحياة} أو {ما الفائدة من العيش}. كذلك يساهم التأمل في التخفيف من حدة المشاعر وتفادي المغالاة. في مطلق الأحوال، تبقى المشاعر جزءاً منا، وعلينا تعلّم التحكم فيها لنتقدّم في الحياة.

back to top