ما نفع النوم في ظلمة تامة؟

نشر في 29-01-2014
آخر تحديث 29-01-2014 | 00:02
غرفة النوم المعاصرة مليئة بالأضواء، بدءاً من شاشات الحواسيب المتوهجة وأجهزة الراديو المزودة بساعة وصولاً إلى أي عدد من الأجهزة الإلكترونية اللامعة. تكمن المشكلة في واقع أن التعرض المزمن للضوء أثناء الليل يؤدي إلى مجموعة من المشاكل الصحية.
لفهم السبب الذي يجعل التعرض المزمن للضوء سيئاً لهذه الدرجة أثناء الليل، يجب أن نفكر بمسار التطور البشري. قبل نهاية العصر الحجري، كان البشر يتعرضون لنوعين مختلفين من الضوء الطبيعي المسؤول عن تنظيم الإيقاع اليومي. خلال النهار كانت تسطع الشمس، وخلال الليل يظهر القمر والنجوم، وربما ينبعث الضوء من نيران المخيمات. كان النمط المزدوج بين النهار والليل متواصلاً، فحذت برمجتنا البيولوجية حذوه.

يشبه الدواء

قمع الميلاتونين عامل أساسي لفهم السبب الذي يجعل الإضاءة الاصطناعية في الليل مسيئة لنا. هذه المادة البيوكيماوية القوية تنجم عن الغدة الصنوبرية الدماغية ليلاً (حين يكون الجو مظلماً) لتنظيم دورة النوم واليقظة. هي تخفّض ضغط الدم ومستويات الغلوكوز وحرارة الجسم (إنها ردود فيزيولوجية أساسية وهي مسؤولة عن النوم المريح). يشرح جورج برينارد الأمر قائلاً: «الضوء يعطي مفعول الدواء، ولكنه ليس دواء بأي شكل».

الجزء الدماغي الذي يسيطر على الساعة البيولوجية هو {نواة التأقلم} (مجموعة خلايا موجودة في الوطاء). هذه الخلايا تتجاوب مع مؤشرات الضوء والظلام. تستشعر الأعصاب البصرية في عيوننا الضوء وتنقل مؤشراً إلى نواة التأقلم، فتُبلغ الدماغ بأن الوقت حان للاستيقاظ. كما أنها تطلق عمليات أخرى، منها رفع حرارة الجسم وإنتاج هرمونات مثل الكورتيزول. تكون مستويات الكورتيزول منخفضة نسبياً خلال الليل، ما يسمح لنا بالنوم. لكنها تكون أعلى مستوى خلال النهار، ما يسمح بإعادة الاستقرار إلى مستويات الطاقة وتنظيم وظيفة جهاز المناعة.

لكن ترفع الإضاءة الاصطناعية في الليل مستويات الكورتيزول، ما يعيق النوم ويطلق سلسلة من المشاكل المرتبطة بمستويات الدهون في الجسم، ومقاومة الأنسولين، والالتهاب المنهجي. هذا ما يؤدي أيضاً إلى نقص في النوم وإعاقة التنظيم العصبي للشهية.

لكن إذا كانت غرفنا مظلمة خلال الليل، لا يصل أي مؤشر بصري إلى نواة التأقلم، لذا تضخ أجسامنا كمية الميلاتونين اللازمة. كذلك، يتم تنظيم مستويات الميلاتونين وفق نسبة التعرض للضوء خلال اليوم السابق.

الضوء قبل النوم

أظهرت الدراسات أن التعرض لضوء الغرفة قبل موعد النوم يقصّر مدة الميلاتونين بفترة تصل إلى 90 دقيقة تقريباً مقارنةً بالتعرض للضوء الخافت. كذلك، يؤدي التعرض لضوء الغرفة خلال الساعات الاعتيادية للنوم إلى قمع مستويات الميلاتونين بنسبة تفوق الخمسين بالمئة. إنها نتيجة لافتة.

بالتالي، قد يسبب الضوء في الغرفة المشاكل حتى قبل أن نخلد للنوم. مع ظهور الحواسيب اللوحية والهواتف الذكية والمصابيح الموفِّرة للطاقة، تزداد المشكلة تعقيداً.

ما يزيد الوضع سوءاً هو أن عدداً كبيراً من الأجهزة المعاصرة تبث ضوءاً أزرق من الثنائيات الباعثة للضوء (الضوء الفاعل لقمع الميلاتونين). يحدث ذلك لأن الميلانوبسين (صباغ متبدل بالضوء موجود في خلايا متخصصة في شبكية العين وهو يؤثر على تنظيم الإيقاع اليومي) هو الأكثر حساسية تجاه الضوء الأزرق.

في الفترة الأخيرة، حذر العلماء طلاب الجامعات من تأثير الضوء المنبعث من شاشات الحواسيب على مستويات الميلاتونين. فقد وجدوا أن ضوء الحاسوب ليلاً (لا سيما الضوء الأزرق الذي مُسِح عبر استعمال نظارات مختلفة تعيق الطول الموجي) يقلص مستويات الميلاتونين عند طلاب الجامعات. وجدت دراسة ذات صلة أن إضاءة خلفية الحاسوب تقمع الميلاتونين، ما يعيق النوم. لكن كتب الباحثون: {من الضروري أن نعترف بأن استعمال الأجهزة الإلكترونية الذاتية الإضاءة قبل النوم قد يعيق دورة النوم حتى لو لم تُقمَع الميلاتونين. من الواضح أن المهام نفسها قد تكون حوافز مقلقة أو مجهدة ويمكن أن تؤدي إلى إعاقة النوم}. إنه استنتاج صائب.

رابط مع السرطان

تولّد هذه العملية الهرمونية والبيوكيماوية آثاراً ثانوية قد تشمل السرطان. العلماء ليسوا متأكدين من ذلك بعد، لكن تشير الدراسات دوماً إلى وجود ترابط بين الأمرين.

على سبيل المثال، لاحظت دراسة مدتها 10 سنوات ارتفاع احتمال الإصابة بسرطان الثدي بنسبة 22% عند مجموعة تشمل أكثر من 1670 امرأة يتعرضن لضوء قوي في غرفة النوم مقارنةً بمجموعة تنام في ظلمة تامة. تتعلق المشكلة بحسب رأي الباحثين بالإعاقة الهرمونية الناجمة عن قمع الميلاتونين.

في دراسة أخرى، زرع الباحثون أورام سرطان الثدي في الفئران ثم ضخوا فيها دماً مأخوذاً من نساء مختلفات. لوحظ تراجع نمو الأورام عند الفئران التي تلقت الدم من نساء تعرضن لضوء خافت أثناء الليل. أما الفئران التي تلقت دماً مأخوذاً من نساء تعرضن لضوء ساطع خلال الليل، فلم تستفد من هذا الأثر الإيجابي.

لكن للأسف، تترافق النتيجة مع آثار قاتمة على العمال الذين يغيرون نوبات عملهم. أظهرت الدراسات أن الممرضات اللواتي يعملن خلال نوبات مختلفة في منتصف الليل يكنّ أكثر عرضة لسرطان الثدي مقارنةً بالممرضات اللوتي يعملن في النهار دوماً.

تفاعل جهاز المناعة

لا داعي لأن يكون الضوء متوهجاً خلال الليل كي يسبب المشاكل. يكفي أن نتعرض بشكل متواصل لضوء خافت ليلاً كي تنشأ مشاكل تشبه عوارض الاكتئاب عند فئران الهامستر، مثل تراجع الاهتمام بشرب الماء الغنية بالسكر مع أنها تحبها في العادة. لكن عند إعادتها إلى وضعها الطبيعي عبر إطفاء الأضواء ليلاً/نهاراً، تمكن الباحثون من عكس آثار الاكتئاب. يشتبه العلماء بأن هذا الاكتئاب المرتبط بالضوء الخافت قد ينجم عن بروتين اسمه {عامل نخر الورم}.

يؤثر الضوء الخافت ليلاً على جهاز المناعة بشكل سلبي.

قد نرغب في التفكير بهذا الأمر في المرة المقبلة التي نترك فيها أقل الأضواء إشراقاً في غرفة النوم، بما في ذلك جهاز الراديو المزود بساعة والضوء الذي يتسرب من إنارة الشوارع.

أظهرت دراسة أخرى جرت على القوارض أن الضوء الأزرق ليلاً يكون قوياً على نحو خاص، ما يؤدي إلى ظهور عوارض الاكتئاب. كذلك، يمكن أن تؤدي الإضاءة الاصطناعية في الليل إلى اضطراب المزاج والقدرة على التعلم، ويحصل ذلك مجدداً بسبب الخلايا العصبية التي تنتج الميلانوبسين.

back to top