الاتفاقية الأمنية الخليجية تنتهك نصوص الدستور وتجرد الأفراد من حقوقهم وحرياتهم

نشر في 27-04-2014 | 00:09
آخر تحديث 27-04-2014 | 00:09
No Image Caption
في دراسة قانونية تستعرض مواد الاتفاقية المعروضة على مجلس الأمة

8 مواد تضعف سيادة الكويت وتمكّن من تسليم المواطنين لمجرد اتهامهم من دول خليجية وتسمح بدخول قوات خليجية لمواجهة أحداث داخلية

في الوقت الذي تتصاعد الأصوات بين مؤيدة ومعارضة للاتفاقية الأمنية الخليجية المعروضة للتصويت على مجلس الأمة، والتي يتضمن جزء من نصوصها غموضا من حيث الصياغة، ومخالفة لمبادئ دستورية في جزئها الآخر، تثور جملة من التساؤلات القانونية والدستورية حول مصير العديد من القوانين الداخلية الجزائية، ومبادئ الدستور، فيما لو صادق مجلس الأمة على هذه الاتفاقية ودخلت حيز التنفيذ.

وأشارت دراسة قانونية أجراها الزميل المحامي حسين العبدالله إلى أنه على الرغم من تمسك المؤيدين للاتفاقية الأمنية بنص المادة الأولى منها والتي تنص على أن «تتعاون الدول في إطار هذه الاتفاقية وفقا لتشريعاتها الوطنية والتزاماتها الدولية» كذريعة لعدم مخالفة نصوص الاتفاقية للتشريعات الكويتية بحسب هذه المادة، فإن النص بوجوده الحالي لا يعني بأي حال من الأحوال توقف نصوص الاتفاقية عن التطبيق في حالة مخالفتها لأي من التشريعات الكويتية إذا ما أريد تطبيقها، وذلك على النحو التالي:

أولاً: لم يرد في نص المادة الأولى من الاتفاقية ما يؤكد توقف نصوصها عن التطبيق إذا ما تعارضت مع  نصوص القانون الكويتي أو الدستور، وتطبيق أيهما في حالة الاختلاف والتضاد بين النصين الوطني والاتفاقية، وإزاء تطبيقنا لنصوص المادة 70 من الدستور وفق فقرتها الثانية، والتي تؤكد ضرورة أن تصدر الاتفاقيات التي تتضمن نصوصا تتعلق بسيادة البلاد أو الحقوق والحريات بقوانين وهو ما يعني أن هذه الاتفاقية ستصدر بقانون وتعد من القوانين الداخلية للكويت شأنها شأن أي من القوانين الصادرة، كونها صدرت بذات الإجراءات التي تصدر بها القوانين، وبالتالي فإن ما أوردته الاتفاقية من نصوص بالمواد 2 و3 و4 و10 و11 و14 و16 والتي تتضمن التزامات على المخاطبين من ملاحقات وتسليم ومطاردات بحرية ومشاركات بالاستدلالات الخاصة بالقضايا الجزائية بها، هو ما يعني أنها تخالف نصوصا سبقتها بالصدور في قوانين الجزاء أو الإجراءات والمحاكمات الجزائية والتي كانت تنظم حقوقا أو ضمانات أو إجراءات فجاءت الاتفاقية بالبنود المشار أعلاه إلى استبدالها بمواقف تشريعية أخرى، وبالتالي ستكون هي القواعد القانونية الواجبة التطبيق وفقا لقاعدة الحالي ينسخ السابق حفاظا على عدم تناقض القواعد التشريعية المنظمة للحالة الواحدة، وإلا أصبحت الحالة المطلوب معالجتها بين نصين متناقضين كلاهما صدر بقانون!

بينما الحالات التي لم يرد بشأنها نص تشريعي بالأساس وجاءت الاتفاقية وقررت تنظيمها فعندئذ سيتم تطبيق نصوص الاتفاقية كقاعدة تشريعية معالجة لفراغ تشريعي، وبالتالي سنكون أمام قواعد قانونية منشأة وردت عبر نصوص الاتفاقية الأمنية التي صدرت من مجلس الأمة ولا تتعارض مع أي قانون حالي لعدم وجود تشريع، لكنها تخالف نصوص ومبادئ الدستور، وسيستمر تطبيقها المخالف للدستور لسنوات وربما للأبد ما لم يصدر حكم من المحكمة الدستورية يقضي بعدم دستوريتها أو أن يأتي المشرع لاحقا فيقرر أمرا بتعديلها.

ولذلك فإن التذرع بضمان عدم انحراف تطبيق نصوص الاتفاقية الأمنية بحسب ما تقرره المادة الأولى منها للضمانات الدستورية والقانونية هو أمر لا يتفق مع الحقيقة والواقع ويفتقد البراهين القانونية.

أفضلية بعض القوانين

ثانيا: أن ما يردده مؤيدو الاتفاقية من أن نصوص الاتفاقية الأمنية، وبحسب المادة الأولى منها أنها أعطت أولوية لتطبيق نصوص القوانين الكويتية على نصوص الاتفاقية هو ترديد ليس له أي دلالات قاطعة وواضحة بالاتفاقية، فلم يرد بالدستور أصلا أو أي من القوانين المنظمة للاتفاقية ما يفيد أن للاتفاقيات شأن أدنى بالتطبيق من شأن نصوص القانون الداخلية أو أن لنصوص القوانين المحلية سموا على نصوص الاتفاقية.

ولو أن هذا التبرير صحيح لكانت كل الاتفاقيات التي وقعتها الكويت بمثابة حبر على ورق ولا تتطلب صدور قانون من البرلمان كما استلزمت ذلك المادة 70 من الدستور، أو أن الدستور الكويتي يسمي التشريعات التي يصدرها على شكل قوانين بدرجات، وذلك بإصدار قوانين لها درجة القوانين وقوانين ليس لها درجة القوانين، ومثل هذا الرأي لا يجد له أساسا لا بالدستور ولا حتى بالقوانين سوى ما أورده الدستور بشأن الآلية التي يعدل بها قانون توارث الامارة بأن يكون بذات الآلية التي يعدل بها الدستور دون أن يضع أفضلية لقوانين على أخرى في حال التعارض!

 والأمر الآخر، إذا سلمنا بنظرية سمو نصوص القوانين على نصوص الاتفاقية في حالة التعارض على الفرض الجدلي، فمن هي الجهة التي تفحص مثل هذا التعارض وتقرر بعدها أي النص واجب التطبيق، فهل هو القضاء الوطني؟ وهنا يستلزم أن تعرض عليه المنازعات المتصلة في كل أمر يتطلب تطبيق أي بند من بنود الاتفاقية، أم الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي التي يتعين عليها أن تفصل في هذا الخلاف، أي خلاف تعارض نص محلي مع نص  آخر صادر من الاتفاقية بما يجعل للنص المحلي سموا بالتطبيق بحسب ما يردد أصحاب هذا الرأي.

تسليم الكويتي لدولة أخرى

وثالثا: فإن نص المادة الأولى ورغم عدم وضوح مقاصدها لها دلالات أخرى أيضا تقود إلى إمكانية التكامل التشريعي الجنائي والإجرائي بين كل الدول الخليجية من حيث الشكل العام، لكن ذلك التكامل قد يقود إلى انتهاك الدستور الكويتي وسلامة تطبيق قوانينه، وذلك لأن مجرد توقيع دولة الكويت على هذه الاتفاقية ووفقا لنص المادة الأولى أيضا التي تؤكد أن «تتعاون الدول في إطار هذه الاتفاقية وفقا لتشريعاتها الوطنية والتزاماتها الدولية» فإنه يجوز لكل دولة خليجية وفق تشريعاتها الداخلية أن تقوم، وبعد تجريم المساس بالإساءة لأي من أنظمتها، بتوجيه الاتهام لأي مواطن كويتي لتعرضه لذات الفعل بصورة مباشرة أو غير مباشرة أو وردت تحريات بارتباطه بمجموعة تخالف أنظمة تلك الدولة فيجوز لها مطالبة الكويت بتسليمه، وإذا رفضت الكويت ذلك بحسب المادة 28 من الدستور بحسب ما يبرره مؤيدو الاتفاقية فإن هذا المواطن سيكون على قائمة المطلوبين خليجيا، وقد يكون ذلك الطلب الخليجي له مدعاة لحظر سفره لأي من تلك الدول لأن سفره لدولة خليجية ليست الدولة الطالبة قد يسمح بتسليمه للدولة الطالبة، وذلك لأن التصديق على الاتفاقية هو إقرار بنفاذ سريانها وسريان كل آثارها والتي من بينها إمكانية تطبيق تشريعات خليجية على المواطن الكويتي، نتيجة ما تؤكده المادة الأولى برغبة للتكامل التشريعي بين دول الخليج وهو ما سيسمح «بتفويض كويتي غير مباشر» بتطبيق التشريعات الخليجية الداخلية التي تتلاءم مع الاتفاقية روحا ونصا وبتطبيقها على المواطن الكويتي داخل وطنه تحت ذريعة تطابقها مع نصوص الاتفاقية الأمنية الخليجية!

بينما ما يخص المادة الثانية من الاتفاقية، والتي تسمح بإمكان الملاحقات للأشخاص الخارجين على القانون أو النظام العام فإن هذه المادة بقدر ما تنص عليها من حالات عامة مثقلة بعدم الوضوح تتناقض أحكامها أيضا مع نصوص الدستور الكويتي بما يجعل أمر تطبيقها يتعارض تماما مع نصوص ومبادئ الدستور، وذلك لمخالفتها الصريحة والواضحة لنص المادتين 28 التي تكفل عدم جواز تسليم المواطن الكويتي، لأن إبعاده من البلاد يعني تسليمه لدولة أخرى تحت ذريعة «الملاحقة» التي تتحدث عنها المادة الثانية من الاتفاقية، فضلا عن مخالفة المادة الثانية من الاتفاقية لنص المادة 34 من الدستور، والتي تنص على أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، والملاحقة التي تسمح بها المادة الثانية بذريعة الخروج عن القانون أو النظام العام وهي أفعال مطاطة لا تصلح بأن تكون محلا للتطبيق وفقا لنص المادة 34 لكونها لا تحمل أي أفعال جنائية محددة على سبيل الحصر حتى يمكن للمخاطبين بالاتفاقية، ومنهم الشعب الكويتي، تجاوزها فما يكون معلوما بالخارجين عن القانون في دولة ما غير معلوم في الكويت، كما يسمح النص بإمكانية اعتبار دولة بأن الفعل المسموح قانونا في الكويت خروجا على النظام العام لديها، والسؤال هنا من يقرر أولوية التطبيق بين ما يعد مسموحا على الكويت وبين ما يكون غير ذلك بحسب ما تقرره بنود الاتفاقية ممنوعا وأنه من قبيل النظام العام، هل المحاكم الكويتية أم الامانة العامة لمجلس التعاون الخليجي؟ أم الأمر تقديريا لكل دولة، وذلك بتمسكها بحسب ما تراه وفق رؤيتها الأمنية لا القانونية!

بينما المادة الثالثة من الاتفاقية، والتي تحث الدول على ضرورة تجريم المساس بالشأن الداخلي لأي من الدول ومثل هذا الحث برغم ما هو توجيهي على الكويت بإصدارها لهذا التجريم، إلا أنه سيسمح للدول الخليجية أن تتمسك به حتى ان لم تصدر الكويت أي تشريع مجرم له، وقد يكون النص الوارد بالاتفاقية مدعاة للتطبيق على المواطنين والمقيمين في الكويت حتى وإن لم تصدر الكويت نصا تجريميا بحسب ما تدعو الاتفاقية لذلك.

شبهات غير دستورية

الأمر الآخر، فإن مجلس الأمة أصدر عبر السنوات الماضية العديد من القوانين التي تتضمن شبهات بعدم الدستورية ولم يأت المجلس ليعدلها أو تأتي المحكمة الدستورية لتلغيها، فكيف الحال إذا ما كانت القوانين الداخلية الخليجية الصادرة للاتفاقية الأمنية والتي سيتعين تطبيقها على المواطن الكويتي أو الاجنبي، وهو ما يجعل أمر تطبيقها ساريا حتى لو تعارضت مع نصوص الدستور الكويتي أو التشريعات القانونية فيه إلى أن تعدل من المجلس أو يقضى بعدم دستوريتها من المحكمة الدستورية كما حدث مع اتفاقية الجمارك الخليجية التي قضت المحكمة الدستورية في الكويت بعدم دستورية عدد من موادها!

بينما تنص المادة الرابعة من الاتفاقية على أن «تتعاون كل دولة طرف بإحاطة الاطراف الاخرى - عند الطلب - بالمعلومات والبيانات الشخصية عن مواطني الدولة الطالبة او المقيمين بها، في مجال اختصاصات» ومثل هذه المادة تسمح لوزارة الداخلية بإرسال أي من المعلومات التي تخص المواطنين أو المقيمين إلى أي من الدول الخليجية ومنها البيانات الشخصية والتي أصلا لا يجوز لوزارة الداخلية الكشف عنها إلا بمناسبة قضية وبعد اتباع الاجراءات القانونية، فعلى سبيل المثال لا تسمح القوانين الكويتية بإخضاع أي من الهواتف للمراقبة إلا بإذن من النيابة العامة، فهل ستقوم وزارة الداخلية بالحصول على إذن من النيابة في كل مرة ترسل البيانات الهاتفية لتلك الدولة الخليجية طالبة تلك البيانات؟ أم أنها ستتجاوز نص المادة 39 من الدستور وتتجاوز قانون الاجراءات والمحاكمات الجزائية، وقانون إساءة استعمال الهاتف رقم 9 لسنة 2001 وسترسل تلك البيانات من دون اتباع الاجراءات القانونية؟ وهو الأمر إن حدث فسيخالف المادة 39 من الدستور التي أحاطت اتصالات الافراد ومراسلاتهم بسرية لا يجوز الكشف عنها أو انتهاكها إلا بموجب القانون، كما أن البيانات الخاصة بالمواطن أو المقيم الخاصة بحساباته أو تحركاته أو ببياناته الخاصة عن ملكياته هي الأخرى أحاطتها القوانين الكويتية بضمانات بعدم جواز الكشف عنها إلا بمناسبة تحقيق وبأمر قضائي.

تكامل الأجهزة الأمنية

وتنص المادة 10 من الاتفاقية الأمنية على أن «تعمل الدول الاطراف بشكل جماعي أو ثنائي على تحقيق التكامل الفعلي للأجهزة الأمنية والتعاون الميداني فيما بينها، وتقديم الدعم والمساندة في حالة الطلب لأي دولة طرف وفقا لظروف الدولة والدول الأطراف المطلوب منها وذلك لمواجهة الاضطرابات الأمنية والكوارث» ومثل تلك المادة ستسمح للحكومة بالاستعانة بأي من قوات دولة خليجية لمواجهة أي من الاضطرابات الداخلية كالمسيرات والتي قد تفسرها الحكومة بالاضطرابات الداخلية مثلا، وهو ما يتعارض مع نص المادة 1 من الدستور علاوة على تعارض تلك المادة مع فكرة حالة الضرورة التي قد تمر بها البلاد والتي سمحت بإعلان حالة الاحكام العرفية بمرسوم وفق المادة 69 لمواجهة ظروف طارئة على أن يتم عرض الأمر على مجلس الأمة خلال 15 يوما، ومن ثم فإن إقرار مثل هذا النص الوارد بالمادة 10 من الاتفاقية هو التفاف على نص المادة 69، التي نظمت طريق الوصول إلى فكرة مواجهة الظروف الطارئة بشكل عام، ويجعل من فكرة الاستعانة بالقوات الاجنبية لمواجهة أي ظروف تعتبرها الحكومة طارئة مبررا لعدم تطبيق فكرة إعلان حالة الاحكام العرفية التي نظم تطبيقها الدستور ورهن سريانها برقابة مجلس الأمة.

مرحلة جمع الاستدلالات

كما تسمح المادة 11 من الاتفاقية للمختصين في الدولة الطالبة بحضور مرحلة جمع الاستدلالات التي تجرى في جرائم وقعت فيها ولها صلة بأمنها، أو بجرائم مماثلة وقعت في إقليمها، أو كان مرتكبوها ممن يتمتعون بجنسيتها، أو كان لهم شركاء يقيمون فيها.

وهذه المادة ستسمح لضباط المباحث في الدول الخليجية بالاطلاع على التحقيقات التي تجريها وزارة الداخلية بالكويت لاي قضية، طالما أن الجناة كانوا يهددون أمن تلك الدولة أو ارتكبوا جرائم مماثلة، ولهم حق المشاركة في مرحلة جمع الاستدلالات للقضايا التي يجري ضباط المباحث الكويتيون التحقيق فيها بما يخالف قانون الاجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي، الذي ينص وبكل وضوح على أن من يقوم بمرحلة جمع الاستدلالات، وهي مرحلة التحريات، هو من ضباط البحث والتحري، أي الضباط الوطنيين كونهم المسؤولين عنها، علاوة على أن الدستور ووفق المادة 31 نص وبكل وضوح على انه «لا يجوز القبض على إنسان أو حبسه أو تفتيشه أو تحديد إقامته أو تقييد حريته في الاقامة أو التنقل إلا وفق أحكام القانون».

وبالتالي فإن تلك التحريات هي مسؤولية الضباط الوطنيين، ونتيجة لها يتحصلون على اذون القبض والتفتيش وإخضاع المطلوب للرقابة لخصوصياته كإخضاع هواتفه النقالة مثلا للمراقبة، كما أن الضباط الوطنيين هم المسؤولون عن ادلاء الشهادة أمام جهات التحقيق أو تتم مناقشتهم من دفاع المتهمين أمام المحاكم، أو أن المحاكم تقوم باستدعائهم ومناقشتهم.

ومع تلك الضمانات التي يفرضها قانون الاجراءات والمحاكمات الجزائية ما هو موقع ضباط البحث والتحري والمشاركون بمرحلة جمع الاستدلالات من الضباط الخليجيين؟ فهل سيتم استدعاؤهم للنيابة أم من المحاكم الجزائية لمساءلتهم عن مرحلة جمع الاستدلالات التي تولوا وشاركوا فيها، وبالتأكيد لا يمكن جلبهم عنوة وإحضارهم لمناقشتهم وسماع أقوالهم، لأن القانون يعاقب الشاهد كالضابط الممتنع عن الحضور للإدلاء بالشهادة أمام جهات التحقيق او المحاكمة الجزائية.

ومن ثم لا يمكن إشراك الضباط الخليجيين في مرحلة جمع الاستدلالات لأنها مرحلة مرتبطة بتحقيق ضباط المباحث الوطنيين، علاوة على أن طبيعة هذه المرحلة تعد سرية في التحقيق من قبل الضابط، وكشف الضباط المحليين للضباط الاجانب للاطلاع عليها وهم من الغير أمر سيسمح بانتهاك تلك السرية، وقد يؤثر عليها كونها قد ترتبط بتحريات واستدلالات لدولة أخرى قد تؤثر عليها.

دخول المياه الإقليمية

وتسمح الفقرة الثانية من المادة 14 من الاتفاقية بدخول قوات أي من الدول إلى المياه الاقليمية بالنص الآتي: «ويجوز لدوريات المطاردة البحرية اجتياز الحدود حتى نقطة تلاقي الدوريات بحرا، والتي يتفق عليها بين الدولتين المتجاورتين».

ونظرا لعدم وجود نقاط التقاء في الحدود بين الدولتين فإن النص سيسمح باجتياز الحدود الداخلية، وهو ما يتعارض مع نص المادة الأولى من الدستور الكويتي والتي تنص على ان «الكويت دولة عربية مستقلة ذات سيادة تامة، ولا يجوز النزول عن سيادتها أو التخلي عن أي جزء من أراضيها، وشعب الكويت جزء من الامة العربية».

ومثل هذا النص قد يسمح بانتهاك سيادة الكويت التي قد تكون عرضة لدخول قوات أجنبية تحت مبرر المطاردة البحرية، والتي قد تتطور إلى مطاردة برية في سبيل ضبط الجناة، وكان الأولى بأن تكلف القوات الوطنية فقط بملاحقة المتجاوزين لأراضيها بعد هروبهم من الدولة الخليجية تلك، ويتم ضبطهم وإعادتهم لتلك الدولة دون السماح لاي دور تقوم به القوات الخليجية على الاراضي الكويتية.

تسليم المطلوبين

أما المادة 16 من الاتفاقية الأمنية الخليجية فتنص على أن «تعمل الدول الاطراف وفقا لما تقضي به التشريعات الوطنية والاتفاقيات التي بها الدولة الطرف المطلوب منها التسليم على تسليم الاشخاص الموجودين في إقليمها، الموجه اليهم اتهام أو المحكوم عليهم من السلطات المختصة لدى أي منها».

ومثل هذا النص يثير جملة من الشبهات الدستورية التي حرص الدستور الكويتي دون سواه على صيانتها، وأولها أن مبدأ الاصل في الانسان هو البراءة، فلا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، وهذا المبدأ تقرره المادة 32 من الدستور، والمقصود بالقانون هو القانون الوطني الكويتي لا الأجنبي.

والسبب الثاني أن المادة سمحت بتسليم المواطنين الكويتيين بما يخالف مبدأ عدم جواز تسليم المواطنين الكويتيين لأي دولة، على اعتبار ان الدستور يحظر الابعاد وفق المادة 28 منه، ومن باب أولى عدم جواز تسليم المواطن الكويتي مهما كان.

والسبب الثالث مخالفة مبدأ إقليمية القوانين الكويتية التي تطبق على المواطن الكويتي داخل الاقليم الكويتي، حتى لو ارتكب جرائم خارج الكويت، إذ يتعين محاسبته ومساءلته على القوانين الكويتية لا قوانين أي دولة أخرى، وحقه بالمحاكمة القانونية العادلة التي تكفل له فيها كل الضمانات القانونية، طالما ان الفعل وقع منه داخل إقليم الكويت.

ومثل ذلك النص رغم تعارضه الصارخ مع الدستور الكويتي والقوانين الكويتية المفعلة للضمانات التي كفلها الدستور وللاتفاقيات التي وقعت عليها الكويت، ومنها اتفاقية العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية فإن تطبيقه بمجرد توقيع الكويت على الاتفاقية سيعمل على تجريد المواطن والمقيم في الكويت من تلك الضمانات وسيجعله معرضا للملاحقات الأمنية الخليجية حتى لو أن الكويت امتنعت عن تسليمه.

كما أن التوقيع الكويتي سيسمح لاي دولة خليجية أو عربية لديها اتفاق ثنائي مع تلك الدولة على تسليم المواطن الكويتي أو الأجنبي لمجرد نزوله على أراضيها لمجرد اتهامه من تلك الدولة بأي اتهام!

وإزاء تلك الملاحظات، كيف سيسمح بتسليم مواطن كويتي أو أجنبي مقيم على أراضيها لمجرد اتهامه من دولة خليجية، رغم أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة تجرى على الاراضي الكويتية، ويتعين محاكمته لمخالفته نص وطني لا خليجي.

هذا الأمر سيجرنا إلى سؤال آخر: كيف سيعلم المواطن الكويتي أو الاجنبي المقيم بالكويت أن الفعل الذي ارتكبه وهو غير مجرم بالكويت بأنه مجرم بدولة خليجية؟ وكيف يجب عليه التحوط من عدم الاقدام على هذا الفعل ولم يتحقق علمه بتجريمه وهو أصلا ليس مخاطبا بالامتناع عن الاقدام عليه لكونه ليس من مواطني تلك الدولة الخليجية ولا حتى مقيميها؟ ثم إذا ثارت منازعة بين فعل يعتبره القانون الكويتي ليس مجرما، لان لا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون كويتي، ثم تبين أن الفعل مجرم

وفق قوانين تلك الدولة فكيف يقبل العقل والمنطق تطبيق القوانين الخليجية داخل الاقليم الكويتي؟

والمواد السابقة أبرز ما يمكن تناوله للحديث عن مخالفة نصوص الاتفاقية الأمنية الخليجية للدستور الكويتي وللقوانين الكويتية وحتى لبعض الاتفاقيات الدولية التي أبرمتها الكويت رغم أن هناك نصوصا أخرى واردة بالاتفاقية المكونة من 20 مادة تتضمن لسوء صياغتها وعدم وضوح مقاصدها تأويلات بمخالفتها للعديد من المبادئ الدستورية، الأمر الذي يطرح تساؤلا مهما عن الجدوى من الدخول في اتفاقية أمنية خليجية ستعصف بنصوص الدستور وستجعل حقوق الأفراد وحرياتهم الفكرية والعقائدية تحت رحمة بعض الأنظمة التي تختلف معها.

صمت الحكومة إقرار منها بدستورية مواد الاتفاقية

رغم وضوح كل المخالفات الدستورية التي تتضمنها الاتفاقية الأمنية الخليجية فإن الحكومة لم تكشف عن رأيها تجاه دستورية هذه الاتفاقية، وهو ما يجعل من هذا السكوت الحكومي إقرارا منها بدستوريتها، في حين أن موادها تتضمن مخالفات دستورية صارخة تجعل من أمر التصديق عليها بمنزلة الانقلاب على الدستور. والسؤال المهم هل ترى الحكومة دستورية كل مواد الاتفاقية رغم وضوح مخالفتها أم ان لها رأيا ببعض المواد؟ الأمر الذي يتعين عليها أن تعلن رأيها بوضوح دون التعذر بوجود المادة الأولى من الاتفاقية التي لا تطمئن صياغتها الى المقصود الحقيقي بها.

back to top