حقول بحر الشمال النفطية تقرع ناقوس الخطر في لندن

نشر في 03-02-2014 | 00:01
آخر تحديث 03-02-2014 | 00:01
تعتبر متاعب "سيريكا" علامة على مشكلة عميقة في بحر الشمال هي انعدام التعاون بين شركات التشغيل، ويعد هذا أحد الأسباب وراء هبوط مقلق يسبب التوتر من أبردين إلى لندن، ويثير أسئلة حول مستقبل واحد من أكبر الأحواض المنتجة للمواد الهيدروكربونية في العالم.
في 2006 حصلت شركة سيريكا إنيرجي على الجائزة الكبرى حين اكتشفت حقلا كبيرا للغاز الطبيعي في القطاع البريطاني من بحر الشمال. وبعد ثماني سنوات، لاتزال هذه الشركة الصغيرة المصدرة للنفط والمدرجة في لندن تحاول التوصل إلى طريقة لتسليم الغاز برا.

كانت "سيريكا" ترجو أن تغذي الغاز من الحقل الذي يحمل اسم كولومبوس، داخل شبكة من خطوط الأنابيب تمتلكها شركة الغاز البريطانية، تذهب إلى محطة على البر، لكنها تستغرق سنوات للتوصل إلى أحكام وشروط أحد العقود. في هذه الأثناء يظل غاز "سيريكا" عالقاً من الناحية الفنية، مدفوناً في أعماق البحر.

هبط سعر سهم الشركة من جنيه عند اكتشاف حقل كولومبوس إلى 13 سنتا، ويقول رئيس مجلس إدارة سيريكا توني كرافن ووكر: "يفقد السوق ثقته بك إذا توصلت إلى اكتشاف وعجزت عن إيصاله إلى مرحلة الإنتاج".

وتعتبر متاعب "سيريكا" علامة على مشكلة عميقة في بحر الشمال هي انعدام التعاون بين شركات التشغيل، ويعد هذا أحد الأسباب وراء هبوط مقلق يسبب التوتر من أبردين إلى لندن، ويثير أسئلة حول مستقبل واحد من أكبر الأحواض المنتجة للمواد الهيدروكربونية في العالم.

قلق حكومي

ذكر الشريك المختص في الطاقة والموارد في "ديلويت" بأبردين جريهام هوليس: "سيكون من السابق لأوانه أن نقول إن بحر الشمال انتهى، لكن ناقوس الخطر بدأ يدق".

في السنة الماضية، حين شعرت الحكومة بالقلق من تراجع الإنتاج، اتصلت برجل نفط بارز، هو السير إيان وود، ليأتي باقتراحات حول كيفية تعظيم الاستخلاص من الاحتياطيات المتراجعة للنفط والغاز في بحر الشمال. ومن أهم توصياته أن تتعاون الشركات في ما بينها للعمل معا بصورة أكثر فعالية.

وقال هوليس: "إن وتيرة الفشل في الاتفاق ضمن مجموعات الشركات حول القضايا الرئيسة، بما في ذلك الوصول إلى البنية التحتية وتطوير مجموعات الحقول، تحدث أضرارا كبيرة".

وبحسب وود، خلال السنوات الثلاث الماضية كانت هناك أكثر من 20 حالة تسبب فيها فشل المشغلين في التوصل إلى شروط تتعلق بالوصول إلى مَعامل المعالجة وخطوط الأنابيب، في "تأخير لا يستهان به" للمشاريع، أو أكره الشركات على الدخول في مسار "أقل جدوى"، وفي بعض الحالات أدى إلى أن تترك حقول النفط والغاز "عالقة". وكولومبوس أبرز الأمثلة على ذلك.

وتكمن المشكلة في هيكل الصناعة. فشركات النفط الكبرى التي دخلت بحر الشمال قبل عقود لاتزال تسيطر على معظم البنية التحتية – المنصات الكبيرة، وخطوط الأنابيب، محطات التصدير. وفي هذه الأثناء، تتم اكتشافات على أيدي الشركات الجديدة – وهي شركات تشغيل صغيرة مثل سيريكا. والحقول التي تعثر عليها غالباً ما تكون أصغر من أن تبرر إجراء أعمال تطوير مستقلة، بالتالي لا بد من ربطها بمراكز الإنتاج الحالية.

شركات التشغيل

واكد الرئيس التنفيذي لشركة EnQuest، وهي شركة تنقيب تركز على بحر الشمال، أمجد بسيسو: "المشكلة هي أن شركات التشغيل الحالية ليس لديها حافز يذكر لاستيعاب طرف ثالث ضمن بنيتها التحتية. وهذا يؤدي فعلاً إلى إبطاء الاستثمار".

وفي سبتمبر سيكون قد مضى 50 عاما منذ أن صدرت أول رخصة في بحر الشمال. ومنذ ذلك الحين، أعطت المنطقة 41 مليون برميل من معادل النفط. وأصبحت المنطقة أيضاً مهمة تماما للاقتصاد البريطاني، فهي توظف 450 ألف شخص، ودفعت 15 في المئة من ضرائب الشركات في 2012-2013 وحدها.

ويصر الوزراء ومسؤولو الصناعة على أن المنطقة لديها مستقبل مشرق، ويدعون أنه لاتزال توجد فيها كميات أخرى تبلغ ما بين 12 و14 مليار برميل من معادل النفط.

لكن هناك علامات مثيرة للقلق. فقد تراجع الإنتاج أكثر من الثلث منذ 2010. وأصبحت جداول الصيانة أطول، في الوقت الذي تقادمت المعدات، ما يعني الكثير من انقطاع الإنتاج من الحقول. والأمر المثير للقلق أكثر حتى من ذلك، هو أن معدل الحفر الاستكشافي تراجع إلى النصف خلال العقد الماضي.

نقص المال

وافادت مديرة العمليات في اتحاد النفط والغاز البريطاني Oil and GasUK أوناغ ويرنجرين بأن أكبر مشكلات تواجه القطاع هي نقص المال من أجل أعمال الاستكشاف التي ترتفع تكاليفها باستمرار، وسوق آبار الحفر التي تعاني النقص، مضيفة: "تعاني الشركات الجديدة مشكلات في جمع التمويل، بينما يتعين على شركات النفط الكبرى أن تكون قادرة على تبرير كل إمكانية استكشاف مقابل محفظة عالمية".

والسبب في التراجع لا يعود إلى غطرسة شركات النفط الرافضة للمشاركة في خطوط أنابيبها فحسب، إذ تحطمت الثقة بسبب حملة ضرائب شنتها وزارة المالية البريطانية على القطاع في 2011، تمت خلالها جباية ملياري جنيه.

وبعد ذلك خفف الوزراء الضربة بتقديم إعفاءات ضريبية لحقول معينة ومزيد من اليقين حول الإعفاء الضريبي لتكاليف إيقاف الحقول، التي كانت تلقي بثقل كبير على عاتق الصناعة منذ سنوات، وأدت التعديلات إلى طفرة في الاستثمار الذي ارتفع إلى 14 مليار جنيه في السنة الماضية، وهو أعلى مستوى بالمعدلات الحقيقية منذ منتصف السبعينيات. وفي السنة الماضية كان هناك 13 حقلا جديدا، مقارنة بتسعة في 2012، وفقاً لديلويت.

مع ذلك تقول شركة وود ماكينزي لاستشارات الطاقة: "إن 21 حقلاً كان من المفروض أن تدخل حيز الإنتاج في السنة الماضية، تأخر كثير منها نظراً لتناقص الموارد في القطاع، في حين ان الحقول الأخرى وضعت على الانتظار، لأن التكاليف المتصاعدة تضغط على اقتصادات المشاريع. وتشمل الأمثلة الصارخة على ذلك حقل روزبانك، التابع لشيفرون غرب شيتلاند، الذي كلف مليارات الدولارات، وحقل بريساي للنفط الثقيل، التابع لشركة شتات أويل".

جمود وتراجع

وغالبا، ما يقارن الجمود والتراجع في بريطانيا بالنجاح في القطاع النرويجي من بحر الشمال، الذي يستمر في إظهار اكتشافات كبيرة ومستويات عالية من النشاط. وبالنسبة لكثير من الناس في الصناعة، يمكن أن يطرأ تحسن هائل على آفاق بحر الشمال إذا أنشأت بريطانيا جهازا تنظيميا جديدا يتمتع بصلاحيات أقوى.

ويوصي تقرير السير إيان بالضبط بإنشاء مثل هذا الجهاز وإعطائه صلاحيات لحل النزاعات، وفرض عقوبات، وتقديم حوافز من أجل تحسين الانتعاش. وفي الوقت الحاضر، جميع القضايا التنظيمية يتولاها نحو 50 مسؤولا في وزارة الطاقة والتغيرات المناخية، بعد أن كان عددهم 90 شخصا في أوائل التسعينيات.

وذكر رئيس قسم بريطانيا في شركة توتال الفرنسية فيليب جايز ان أي جهاز تنظيمي جديد ينبغي أن يشبه مديرية النفط النرويجية، "فوزارة الطاقة هي المؤسسة الوحيدة التي لديها نظرة شاملة لجميع التراخيص، ولكل شيء يتم من حيث الاستكشاف والإنتاج في بحر الشمال".

وتابع جايز: "إذا تم استيعاب وتحليل جميع البيانات بالصورة المناسبة، فسيساعدنا ذلك في التعرف على المناطق التي يجدر بنا أن نستثمر فيها. وهذا ما يجري في النرويج".

ويتفق معه آخرون في ذلك، إذ يقول رئيس الشؤون العامة في دانا بتروليوم أندرو مكالوم: "الجهاز التنظيمي النرويجي لديه منهج عملي مباشر أكثر بكثير من بريطانيا حول الاستخدام الأمثل للموارد، وما نحتاج إليه هو جهة تقرع الرؤوس معاً. ليست هناك جهة تفعل ذلك في الوقت الحاضر".

(فايننشال تايمز)

back to top