محمد المقريف... معركتي من أجل الحرية
تغيّبت تلميذتي زهرة عن الجامعة فعلمت أن القذافي وضع يده على رأسها وأومأ إلى حراسه... فأُخِذَت واغتُصِبَت
بعد 31 سنة في المنفى، عاد الرئيس السابق للمؤتمر الوطني العام في ليبيا د. محمد المقريف إلى طرابلس في 20 أكتوبر عام 2011، يوم مقتل معمر القذافي. يتحدث في كتابه المعنون Mon Combat Pour La Liberté {معركتي من أجل الحرية}، عن معاناة الليبيين بسبب دكتاتورية القذافي ويقول: {يؤسفني أن يُضطر الضحايا وعائلاتهم إلى الاكتفاء بموته كتعويض عما لحق بهم. بموته حمل معه أسراره وجرائمه كلها وكرهه إلى القبر».
في ما يلي الحلقة الثانية والأخيرة من عرض لكتابه «معركتي من أجل الحرية».
بعد 31 سنة في المنفى، عاد الرئيس السابق للمؤتمر الوطني العام في ليبيا د. محمد المقريف إلى طرابلس في 20 أكتوبر عام 2011، يوم مقتل معمر القذافي. يتحدث في كتابه المعنون Mon Combat Pour La Liberté {معركتي من أجل الحرية}، عن معاناة الليبيين بسبب دكتاتورية القذافي ويقول: {يؤسفني أن يُضطر الضحايا وعائلاتهم إلى الاكتفاء بموته كتعويض عما لحق بهم. بموته حمل معه أسراره وجرائمه كلها وكرهه إلى القبر».
في ما يلي الحلقة الثانية والأخيرة من عرض لكتابه «معركتي من أجل الحرية».
تراجعت صحة والدي يوماً بعد يوم. وكان يخبرني دوماً أن نتائجي الجيدة في المدرسة خير علاج له. لذلك كنت أبذل قصارى جهدي في دراستي، لأنني ظننت أن علاماتي الممتازة قد تشفيه. كنت تلميذاً مجتهداً، هادئاً، وفضوليّاً. كنت أنهل من الكتب وأعشق الأسلوب الأكاديمي. فقد أحببت رسم أسطر تحت العناوين، إعداد البطاقات، وتعلّم دروسي بدقة. ما كنت أهوى المطالعة، لأنني خشيت الخمول الذي يفرضه الكتاب. وتولّدت لدي في تلك المرحلة قناعة أن العقل لا يفكّر حقّاً، عندما تتحرك العينان وتنساب الكلمات. وما كان والداي يملكان أي كتب غير القرآن وكتب الطبخ. وبما أنني ما كنت أحب الطهو، اكتفيت بقراءة القرآن. رغبت في فهم قواعد الإسلام ومعرفة مكانة المرأة والأهل... كذلك أردت أن أطلع على صفات الرجل النزيه والمسلم الصالح. خلا الإسلام الذي قرأت عنه والذي غرسه والداي فيّ من أشكال العنف كافة ومن الخضوع لأي رجل آخر. صحيح أن حياتنا كانت متواضعة، إلا أننا لم نشعر بالعوز مطلقاً. أخبرتني أمي أن علينا الصلاة والطلب من الله أن يمنحنا المزيد... كان علينا العمل لنؤمن قوتنا. تحلت عائلتي باحتشام كبير، شأنها شأن العائلات الليبية كافة في تلك الحقبة. فما كنا نتناول مواضيع الحب والسياسة والدين. لذلك كان على كل شخص أن يخمّن في مسائل مماثلة، يكتشفها بمفرده، ويحتفظ بأسراره لنفسه.عندما التحقت بالجامعة، التقيت بشابة لن أنساها أبداً: سناء. كانت تعيش مع والدتها، بعدما ترك والدها منزل الأسرة في مرحلة باكرة من حياتها. كانت تهوى الآداب، وتتمتع بأسلوب كتابة مميز. كنا نتواعد سرّاً، فنشتري بذور دوار الشمس ونأكلها فيما نسرح بأحلامنا. كانت المواضيع كلها تثير اهتمامها. وقد أذهلتني بمدى اتساع ثقافتها العامة. فبفضلها يمكنني اليوم تحديد كوكبة الدب الأكبر في السماء. أخبرتني سناء أن النجوم لا تنطفئ إلا في رؤوس مَن ينسون أن يحلموا، وأن السماء من دون نجوم حياة من دون حب. لكن سناء لا أب لها، وضع ما كان أهلي ليقبلوا به. فلا يمكن للفتاة التي لا أب لها أن تكون زوجة صالحة. فهي، في رأيهم، لم تعتد سلطة الرجل. لذلك لن ترضى الخضوع لرجل لا تعرفه البتة. إلا أن أهلي لم يفهموا أنني لم أرد امرأة تخضع لي. ولكن كان علي أن أحترمهم وأخضع لمشيئتهم. تابعت دروسي في المحاسبة في جامعة بنغازي، وأنا أعلل النفس بأن أهلي سيتقبلون سناء بمرور الوقت. لكن موقفهم لم يتبدّل وظلوا متمسكين برأيهم، فأسفت لحالها وحالي وحال أهلي. لم يكن لزواج عن حب مكان في مجتمعنا. كان يكفي أن يلائم الزواج الجميع وأن تتوافق مصالح العائلتين: ومّن يأبه بالعروسين؟ فسينتهي بهما المطاف إلى التكيّف أحدهما مع الآخر. تركت جامعة بنغازي عام 1962. فبعدما حصلت على الشهادة، رغب والدي في أن أعثر على عمل مربح في طرابلس، في حين أصرت والدتي على بقائي في بنغازي. ولكن عندما حصلت على منحة جامعية لمتابعة دروسي في بريطانيا العظمى، شكّل ذلك صدمة كبيرة للعائلة. حدّدت أمي موقع المملكة المتحدة بين الصين والسنغال، وأبي بين كندا وألمانيا. لم يكونا واسعي الاطلاع في المسائل الجغرافية.
حزن ووداع شعرت بحزن كبير وتمزق داخلي حين رحلت عن عائلتي. أحسست أنني جبان. لكنني غادرت بحثاً عن المعرفة والاكتشاف. فما عاد بإمكان بنغازي أن تقدّم لي المزيد. ساعدني أستاذي في مادة الاقتصاد على ملء ملفي وطلبات المنحة. وبدا لي أن ثقته بي أكبر من ثقتي بنفسي. وقد منحتني ثقته هذه زخماً كبيراً. كننت له الاحترام كله. فكان يجيب عن الأسئلة كافة، ويتمتع بمعارف واسعة في المجالات كلها. راح يتحدث عن مختلف البلدان، حتى خُيّل إلي أنه زارها كلها. في صيف عام 1962، كان موعد الانطلاق إلى لندن قد اقترب. بعدما حدّدت لوالدتي جغرافيّاً موقع هذا البلد الذي تجهله, أعدت لي حقيبة مليئة بالكنزات والأوشحة والقبعات الصوفية التي حاكتها برعاية. كذلك أضافت إليها معاطف كانت ستخنقني حتى لو لبستها في سيبيريا. كانت لحظات الوداع صعبة ومؤلمة. فقد أطلق إخوتي وأخواتي وأمي وأبي العنان لعواطفهم، كما لو أن أحداً توفي في منزلنا. فهم سيبقون معاً، فيما أرحل أنا عنهم. كانت هذه المرة الأولى التي سأعيش فيها وحيداً. تملكني الشك. فما كنت أجيد التنظيف، غسل الملابس، أو ترتيب غرفة. ما كنت أجيد سوى العمليات الحسابية... ولكن بما ستفيدني هذه العمليات الحسابية في الحياة العملية؟ هذا مؤسف. ولكن لا يمكنني إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء. ركبت الطائرة للمرة الأولى. جلست إلى جانبي سيدة راحت تصلي كي نصل إلى وجهتنا من دون أي مشاكل أو عقبات. أثارت فيّ مغادرة ليبيا القدر عينه من الحماسة والخوف. فكيف سينظر إلي الغربيون؟ هل أحظى بأصدقاء جدد؟ وهل أغالي في طموحي؟لم يكن وصولي إلى لندن حدثاً استثنائيّاً. ففي هذا البلد، وفق أمي، تطير السيارات، تعوم المنازل على سطح البحر، ويضع الرجال أحمر الشفاه. لكنني لم أحظَ بأي مفاجأة تُذكر في لندن، غير الطعام. فقد خسرت 15 كيلوغراماً من وزني خلال الشهرين الأولين، وراودني حنين كبير إلى طعام أمي. نزلت في مسكن للطلاب الأجانب قريب من جامعة لندن. كان جاري في السكن من مدغشقر، والآخر من الأرجنتين. كان الطلاب والطالبات يقيمون في مساكن منفصلة. رغب باولو، صديقي البرتغالي، في أن يصبح مهندس صوت. لم أفهم يوماً ماهية المهنة التي كان يحلم بها. أحببت الخروج وحدي والهيام في شوارع لندن. كنت أسير ساعات من دون أن أعلم إلى أين أتجه ثم أعود أدراجي من دون أي مساعدة. نتيجة لذلك، طوّرت مقدرة عالية على تحديد الوجهات. كانت المواضيع التي تتركز حولها حوارات الناس تفاجئني: الحب، المرأة، الرجل، الله، والسياسة. ما كنت أشارك في هذه المناظرات بحكم العادة. واعتبرت أولئك الناس شديدي الجرأة لتناول هذه المواضيع بحرية. لم أدرك أن مناقشتها لا تحمل أي خطورة إلا بعد مرور وقت طويل. كنت دوماً طالباً مجتهداً، واتصلت بعائلتي كل أسبوع. قلما كان أبي يكلمني، إلا أن والدتي اعتادت أن تنقل إلي أخباره كافة وأخبار إخوتي وأخواتي والجيران وأولادهم وأصدقاء الجيران وأولاد أصدقاء الجيران... وبما أنني ما كنت أحمل لها أي أخبار قد تثير اهتمامها، اكتفيت بالإصغاء إليها. ولم تتردد في أن تشكو إلي همومها. فكانت تتذمر من أبي. وعندما تنتهي من سردها الطويل، تنتقل إلى توصياتها المعهودة: {لا تتحدث إلى الغرباء، لا تأكل عند الناس، لا تكثر الكلام، لا تطل السهر، لا تشرب الكحول، لا تدخن، واظب على الصلاة، واتصل بي...}.لندن وزواج ما كان أصدقائي يتصلون بعائلاتهم بشكل منتظم، وما كان هذا يسبب لهم أي همّ أو قلق. وبما أن ذويهم اعتادوا أن يرسلوا إليهم المال، لم يفهم أصدقائي سبب إرسالي أنا المال إلى عائلتي. تمكنت بسرعة من العثور على عمل في مكتب للمحاسبة. كنت أجيد الإنكليزية بطلاقة. وبدأت أكسب المال الوفير. عندما تقاضيت أول راتب لي، توجهت إلى مكتب مديري لأبلغه أن ثمة خطأ ما. وكنت مصيباً: كان راتبي ناقصاً. صحيح أن الحياة في لندن مكلفة، إلا أنني ما كنت أخرج كثيراً، بل انكببت على الدرس لأنني اعتبرت أن إرسال الجزء الأكبر من المال إلى عائلتي وسيلتي لأكون معهم. لكن ما من أمر عوّض عن وجودي إلى جانبهم. لم أعد إلى ليبيا حتى صيف عام 1964. أرادت كل بنغازي أن تطلع على أخبار حياة الأغنياء البيض (كما لو أنهم هم سود). جمعت والدتي أفراد الحي، فتحوّلت إلى كائن غريب أراد الجميع مشاهدته. لكن حديثي لم يحتوي على ما يثير الاهتمام حقّاً، فضلاً عن أنني وددت الاحتفاظ بأسراري لنفسي. كان والداي يخبئان لي مفاجأة في ذلك الصيف: سعيدة، التي كانت ستصبح زوجتي طوال ما لا يقل عن ثماني وأربعين سنة. ظننت أن والديّ قد جنَّا. أتزوج؟ لم تخطر هذه الفكرة على بالي منذ انفصالي عن سناء. تتحدر سعيدة من عائلة جيدة واعتبرتها أمي مثقفة بما فيه الكفاية. تمت الخطوبة من دون أن أنبس ببنت شفة. وحان بعد ذلك موعد الزواج. ما كان أحد يأبه بما إذا كانت هذه المرأة تعجبني أو لا. وعندما عدت إلى لندن، ظلت سعيدة في منزل والديّ لأن عائلتها رفضت أن تنتقل معي إلى ذلك المكان البعيد. وقد ناسبني ذلك تماماً، لأنني كنت قد أنهيت دروسي، وحان الوقت لأثبت نفسي مهنيّاً. خلال الاستعداد لرحلة العودة، تولت زوجتي مهمة تجهيز حقائبي. أنجزت سعيدة المهمة بدقة وعناية، إلا أنها أضافت إلى ملابسي مزيداً من الكنزات والمعاطف التي ما عاد أحد يرتديها منذ الحرب العالمية ومعاركها. أمضيت ما مجموعه سبع سنوات في لندن. بعد ذلك، قررت أن الوقت قد حان لأحمل معرفتي وكفاءاتي إلى بنغازي. كان 1969 عاماً مميزاً. كان القذافي، الذي طالما اعتبرته مجنوناً، قد تسلّم السلطة لتوه. كنا نملك عدداً من الأصدقاء المشتركين. لكنني لم أستطع يوماً النظر إليه بتقدير واحترام. أحب القذافي التباهي وإهانة النساء، واقتصر استعراضه لرجولته على الاستعانة بسبعة أو ثمانية أشخاص لإبراح رجل بريء ضرباً. فضلاً عن ذلك، تملكه ميل غريب إلى العنف والبذخ. كان القذافي قائداً. ومع أنه تمتع بسرعة البديهة، إلا أنه افتقر إلى الأفكار... أحب ترداد فكرة أنه وُلد ليلمع نجمه. عارضه 12 رجلاً، من بينهم قريبي محمد المقريف، حين نفّذ انقلابه، فخسروا حياتهم. لم نستطع كفكفة دموع والدته أو تهدئة غضب أشقائه. رغم ذلك، دان كثيرون الانقلاب العسكري، متناسين عملية الاغتيال. وما هدف معارضة انقلاب؟ أراد محمد الموت. فما كان الوضع ليتبدّل سواء تسلم السلطة القذافي أو غيره. في تلك اللحظة بالذات، خطت ليبيا الخطوة الأولى على درب مأساة ستدوم ثلاثاً وأربعين سنة. عندما علم أبي بخبر وفاة قريبي، عرفت أن علي العودة إلى ليبيا بأسرع وقت ممكن. ما كنت أعلم الدور الذي سألعبه هناك. ولكن كان علي الوقوف إلى جانب عائلتي.{ينتهي من ضحيّته ويسلّمها لرجاله}مات محمد. ولم تكن هذه الجريمة الأولى التي ارتكبها القذافي ولن تكون الأخيرة. إلا أنني ما كنت أعرف ذلك حينذاك. لم تكن الأوضاع قد تبدّلت بعد في بنغازي. فما زال أهلها يتفادون تناول المواضيع السياسية. قدّمت لي جامعة بنغازي عرض عمل. وطوال سنتين، علّمت المحاسبة، المال، والاقتصاد لطالب محللين، منفتحين، وفضوليين، ما منحني متعة كبيرة. فكان الطلاب يبقون في الصف بعد انتهاء الحصة ليطرحوا علي الأسئلة عن لندن وأوروبا. فقد بدتا بالنسبة إليهم عالماً مختلفاً. عندما لا يرى الشباب العالم إلا من منظار قريتهم، فهذا يعني أن الإنسانية ليست منفتحة كفاية على الخارج. لذلك شجعتهم على السفر وعلى تجربة حظهم، شرط أن يعودوا في النهاية. لا شك في أن سفر الطالب إلى الخارج ليغني معارفه يعود بفائدة كبيرة على وطنه. فالبلد الذي يفتقر إلى نخبة لا يتطور مطلقاً. حفظت اسماء طلابي، وأثارت حياتهم، هواياتهم، معتقداتهم، وشكوكهم اهتمامي. دفعتهم إلى التشكيك في كل شيء: النظام القائم، عمل الدول... ما كانوا يعرفون حينذاك إلا النموذج الليبي، لذلك اتخذت على عاتقي مهمة إخبارهم عن نماذج أخرى أكثر تحرراً وديمقراطية. صحيح أن القذافي كان قد تسلم السلطة لتوه وبدأ بشق الطرق، إلا أن المجموعات الاجتماعية والإنسانية كانت لا تزال مكبلةً، أو على الأقل مكمّمة. لم يعد زميل لي يدرّس الفلسفة إلى عمله. ولا تزال عائلته تجهل حتى اليوم مصيره. كان القذافي يكنّ لي الاحترام، فعرض عليَّ عدداً من المناصب في إدارته وحكوماته، مناصب رفضتها تلقائيّاً، متحججاً بأنني أحقق نجاحاً كبيراً في مهنة التعليم. شعرت أنني رجل مكلّف بمهمة: رغبت في إعداد الجيل الشاب للثورة وللتفكير. ظننت أن ليبيا معمر القذافي لن تدوم طويلاً. اعتقدت أن رجلاً أكثر منه ذكاء سينهض بين لحظة وأخرى ويقول {كفى!}. غير أنني ما كنت قد اطلعت بعد على فظائع هذا الرجل المجنون كافة. عندما توقفت زهرة، إحدى طالباتي المميزات، عند حضور الصف، قصدت من دون أي تفكير مسبق منزل أسرتها. فالتغيّب طوال شهر عن الجامعة قد يمنعها من متابعة دروسها. مرّت ثلاث ساعات قبل أن يقرر أهلها إطلاعي على الحقيقة. تحججوا بأمراض مختلفة، حتى إنهم ادعوا تعرض أخيها الأكبر لحادث مميت. إلا أنني كنت أعلم أنها لا تملك أخاً أكبر منها سنّاً. علمت في النهاية أن القذافي، خلال زيارة رسمية إلى بنغازي، وضع يده على رأسها وأومأ لحراسه. فأُخذت زهرة، خُدّرت، اغتصُبت، ضُربت، وعُذّبت طوال أسبوع كامل. أتى بعد ذلك عدد من الرجال إلى منزل والديها وأعطوهما مبلغ 500 دينار ليبي مقابل {التزام الصمت} وكـ{تعويض}. عندما كان القذافي ينتهي من ضحيته، كان يسلمها إلى رجاله. وحين ينتهي منها هؤلاء، يقتلونها أو يطلقون سراحها بعد أن يحلقوا شعرها. مع أن وجهها كان مليئاً بالكدمات والندوب وعينها منتفخة ومغمضة، لم تخلع عنها حجابها المعتاد. لم تتجرأ على النظر إلي، بل اكتفت بمسح دموعها سرّاً وهي تخبرني أنها تشكر الله لأنها لا تزال على قيد الحياة. تملكني كره عميق. كان من الممكن أن تكون زهرة أختي، قريبتي، أمي، أو حتى ابنتي. سترغمها الشرطة على التزام الصمت، ستدينها العدالة، وسيحتقرها محيطها. لذلك آثرت الصمت والنسيان. على عائلتها المضي قدماً من دون أي تذمر أو احتجاج. أما أنا، فحملت سخطي في داخلي. أسكرني الكره، فوددت أن أصيح أن كل هذا ظلم. لكنني صمت. ستتخطى زهرة المحنة. حاولت إقناع نفسي بذلك. ولكن كم زهرة وكم من محمد المقريف سيسقطون بعد؟{حاولت محاربة النظام الداخلي}في عام 1971، عُيّنت رئيس ديوان المحاسبة. لم يشأ القذافي أن تشمل مهمة المدرسين في عهده تنمية روح التحليل والانتقاد. ولطالما خشيني ذلك المجنون. لم أكن أحضر لانقلاب أو لثورة. فأنا رجل مسالم جدّاً يكره العنف والسلاح بقدر كرهه لذلك المجرم. صحيح أن منصبي الجديد عاد علي بفوائد مادية كبيرة، إلا أنه كان مجرد وظيفة فارغة. ولذلك أُوكلت إلي. فما كان علي القيام بأي أمر. ولكن بما أني فضولي بطبعي وأعمل باحتراف كبير، أخذت عملي على محمل الجد. لاحظت أن وزارة الدفاع تخصص كل سنة ثلاثين مليون دينار ليبي كنفقات طعام وحفلات للقذافي. ولكن بعد إجراء حسابات دقيقة ومن دون أي تعديلات على مأدبات القذافي وحفلاته، تبيّن لي أن هذه النفقات يجب ألا تتخطى 12 مليون دينار ليبي. فأين تذهب الثمانية عشر مليون دولار المتبقية. يحظى كل موظف رفيع المستوى بخمس سيارات وعشرة سائقين. كذلك اعتاد كبار الموظفين أو الوزراء شراء الملابس والسيارات لعائلتهم أو دفع أقساط المدارس من الأموال العامة. ولم تختلف الرواتب باختلاف المنصب أو الأقدمية، بل أيضاً بحسب العلاقة مع ذلك المجنون. نتيجة لذلك، فاق مرتب نائب وزير العدل ما تقاضاه الوزير نفسه. رفضت الخضوع لهذا النظام الظالم. فمع أن ليبيا بلد ثري، يعيش كثير من مواطنيه في الفقر. فكيف أرضى أن يعيش البعض حياة بذخ في حين يكاد آخرون يموتون من الجوع؟ رفضت هذا الواقع رفضاً قاطعاً. وحاولت طوال سبع سنوات طويلة محاربة النظام الداخلي. وكم من مرة أتى مقربون من القذافي إلى مكتبي، ومن بينهم رجلاه عبد السلام جلول ومصطفى الخروبي، وعرضوا عليّ حقائب مليئة بملايين الدينارات لأوقع من دون تردد على حسابات مزورة اعتبروها سرقات مشروعة. لا داعي لذكر أنني كنت أرفض تلقائيّاً. إلا أنهم كانوا يتخطون قراري. حاولت مرات عدة التحدث إلى صحافيين. ولكن مَن تجرأ منهم وأعدّ تقريراً عن الفساد في أعلى مناصب الدولة كان يُعتقل فجأة ويُلقى في السجن بتهمة... اختلاس الأموال. كان الصحافيون يخافون على حياتهم وحياة عائلاتهم. فلا أحد يعارض القذافي أو يخالف رأيه. فحياة الإنسان، مهمن كان، لا قيمة لها في نظر هذا الحاكم الشرير.