رثاء
يوم بذاكرتي لا ينسى، يوم تلقيت فيه اتصالا مفجعا هزني من داخلي عندما أبلغني ابن اخي أن صديقي قبل أن يكون اخي قد أسلم الروح لبارئها.أول كلمة صدرت عن شفاهي الله يبيحك يالذيب.
عند تمام الساعة السادسة صباحا تلقيت الاتصالات من زملائه تسألني وأنا المصدوم بحرارة شهر يونيو المتعبة هل الخبر صحيح؟ أم هي إشاعة؟ وكان ردي الدنيا كالقطار، هنالك من يركب القطار، وهنالك من يترجل من على متن قطار الدنيا الفانية وعيني تدمع.وكنت بالمستشفى، وكان جسده الطاهر ممددا على السرير، وابتسامة المؤمن على محياه، رحمة الله عليه، بداية اقتربت وأنا مهزوز من داخلي، وعاندتني الدمعة بقربه لأني مصدوم، ولم أفق من الصدمه رغبة في أن ألم جسده الطاهر لصدري، ولكني خشيت من الرهبة ان آلم جسده الطاهر بأن احتضنه بحضني.وقفت. تجمدت الدماء بعروقي. استجمعت شجاعتي وقبلت جبينه كأنني طفل. مسكين ضعيف وأنا الرجل الذي تعلم المرجلة على يدي والد علمنا معنى الرجولة والوقوف بوجه مصائب الدنيا، وألا نحني الجباه إلا لخالق الكون سبحانه.وأتذكر الابتسامة لا تفارق محياه، وكان أقوى اختبار لي بعدها عندما أبلغت أخي الرحوم هادي أن أبومشاري انتقل الى رحمة الله تعالى، وكانت ردة فعله وأنا وأبناؤه من حوله نطق الشهادتين والترحم عليه وعينه تدمع، وأعلم أنه كالمجروح من داخله لفقده أبومشاري الحبيب.وعند ذهابي للمقبرة، وبعد تجهيز جثمانه الطاهر ونقله للصلاة عليه ولنواريه الثرى أحسست بشعور غريب لعدم إحساسي بحرارة شهر يونيو، ذلك لما رأيت جموع المشيعين لجثمانه وأنا بجانبه بإسعاف المقبرة كل يريد حمل جثمانه الطاهر.اجتمعت الحشود ولا أعرفها، مسؤولون ومديرون، وموظفون وعمال، ومواطنون ووافدون أتوا لجنازة أبومشاري. الكل يعزينا بمصابنا. الكل يترحم عليه. الكل يشد من أزرنا. الأغلبية تعزي وتبكي. الكل بكى فراقك حتى إن البعض أبكاني معه من ألمه لفراقك يا صديقي. ومنهم من لم يستطع النطق بكلمة التعزية، لحبهم له، وفقدانهم له، وصدمتهم من الفاجعة بوفاته.وعلى كثرة الاتصالات التي استقبلتها تعزي من خارج الدولة وداخلها، ومن حضر عزاء المرحوم حتى إنني نسيت حزني، وعرفت أن الغالي لم ينسه الذي عرف معزته لديه، سواء بالحضور، بالاتصال، بالبرقيات، من داخل البلاد وخارجها، وهنا تذكرت وصيته لي، ثلاث جمل لا تنسها وأنا اخوك، هذه كلمته، لا تظلم، ولا تستغل، ولاتساوم على كرامة انسان يا أحمد.وكنت أجيبه لا تخف أنت بعد والدي أطال الله بعمره استاذي بالعمل.كنت أخي الكبير وصديقي وقت الضيق ومعلمي بالعمل.فرحمة الله عليك أيها الحبيب الغالي يا بومشاري.ادعوا له بالرحمه يا إخوته وأصدقاءه.اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين، وتقبلهم بواسع رحمتك، فهم السابقون ونحن اللاحقون، ولاحول ولا قوة إلا بالله.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.