حلفاء الولايات المتحدة يحتاجون إلى ضمانات في الشأن الإيراني
تقديم ضمانات أميركية راسخة جديدة لحلفائها ستحدث فارقاً أكبر، خصوصاً إذا أُدرجت ضمن إطار معاهدة. فهكذا تصبح دائمة ولا لبس فيها، وتؤكد لحلفاء الولايات المتحدة أن الأميركيين لن يتقاعسوا في أي أزمة، بغض النظر عمّن يشغل البيت الأبيض.
لا نعلم ما إذا كان الاتفاق المؤقت مع إيران بشأن برنامجها النووي سيشكل حقاً إنجازاً مع بدء المحادثات الأطول والأكثر صعوبة، التي ستستمر طوال الأشهر الستة المقبلة. في مطلق الأحوال، من الضروري أن تُعالج الولايات المتحدة أحد المتطلبات الرئيسة لنجاحها في هذا المسعى: الحد من المخاوف العميقة التي تشعر بها إسرائيل والمملكة العربية السعودية، لأنهما تعتقدان أن إيران ستنتهك أي اتفاق نهائي.حتى قبل إبرام الاتفاق، انتقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بسخرية الخطوط العريضة للاتفاق الأولي، معتبراً إياه "خطأً تاريخياً". وعلى نحو مماثل، ترفض المملكة العربية السعودية، خصم إيران الإقليمي الأول، فكرة أن طهران قد تلتزم بأي وعود تقطعها. لذلك لا تملك الولايات المتحدة متسعاً من الوقت لتعالج هذه المخاوف قبل أن تلحق المزيد من الضرر بعلاقاتها مع أبرز حلفائها في الشرق الأوسط.إليكم استراتيجية قد تطمئن حلفاء الولايات المتحدة، وعلى هذه الأخيرة تطبيقها في الحال: بالإضافة إلى أي اتفاق إضافي تعقده واشنطن مع إيران بشأن وقف برنامجها النووي أو عكسه، يجب أن تقدم لإسرائيل والدول العربية شبكة من المعاهدات وغيرها من الالتزامات الرسمية تؤكد أن أي اعتداء تنفذه إيران ضد هذه الدول يُعتبر اعتداء على الولايات المتحدة.سيكون هذا التعهد مماثلاً للرسالة التي أعلنها الرئيس جون كينيدي خلال أزمة "الصواريخ الكوبية" عام 1962، حين حذر السوفييت من السماح بإطلاق أي صاروخ نووي من كوبا ضد أي دولة في النصف الغربي من الكرة الأرضية. ومن الضروري أن يقدم الرئيس أوباما رادعاً قوياً مماثلاً اليوم. تُعتبر الضمانات الأمنية الأميركية، التي تقدمها واشنطن اليوم إلى إسرائيل والمملكة العربية السعودية، واضحة إلى حد ما. لكن الضمانات الراسخة الجديدة ستحدث فارقا أكبر، خصوصاً إذا أُدرجت ضمن إطار معاهدة. فهكذا تصبح دائمة ولا لبس فيها، وتؤكد لحلفاء الولايات المتحدة أن الأميركيين لن يتقاعسوا في أي أزمة، بغض النظر عمّن يشغل البيت الأبيض. والأهم من ذلك أن هذه الضمانات ستحد من احتمال ارتكاب إيران أي سوء حسابات. فلن يتوهم قادتها أنهم لن يواجهوا العواقب في حال هاجموا جيرانهم، علماً أن كوريا الشمالية وقعت في خطأ مماثل حين اجتاحت كوريا الجنوبية عام 1950، بعد أن أخفقت الولايات المتحدة في توضيح مصالحها في الدفاع عن شبه الجزيرة الكورية.بما أن لإسرائيل والدول العربية مخاوف مختلفة، فقد تتخذ التزامات الولايات المتحدة تجاهها أشكالا متعددة. قد ترغب الحكومات العربية في تفادي اتهامها سياسياً بأنها تربط نفسها بشكل لصيق بالمدار الأميركي. وقد ترفض عقد معاهدة دفاعية كاملة، مكتفية على الأرجح بضمان أمني معلَن وإعلان أن واشنطن وسعت مظلتها النووية، التي تغطي اليوم حلفاء مثل أعضاء حلف شمال الأطلسي واليابان، لتشملها. أما إسرائيل، فقد يتملكها القلق من أن يؤدي الاتفاق الأميركي مع إيران إلى الحد من خياراتها، فتُضطر إلى التعامل بمفردها مع أي استفزازات تقليدية من إيران وأعوانها، مثل "حزب الله". ولكن من الممكن تضمين المعاهدة بنوداً تؤكد لإسرائيل أن يديها لن تكونا مكبلتين في حال احتاجت إسرائيل إلى مساعدة الولايات المتحدة. ومع ضمان مماثل، سيصعب على إسرائيل رفض سلسلة الالتزامات الراسخة، التي قدمتها الولايات المتحدة وتعهدت فيها بالدفاع عن إسرائيل إذا دعت الحاجة، خصوصاً إذا وسعت الولايات المتحدة هذه الالتزامات لتشمل جيران إسرائيل العرب. لا شك في أن الانتقاد الواضح، الذي سيُوجه إلى شبكة الاتفاقات هذه، سيستند إلى فكرة أنها تهدد بجر الولايات المتحدة إلى حرب أخرى في الشرق الأوسط، لكن هدفها ونتائجها المحتملة تشير إلى العكس: فستتحول هذه الشبكة إلى بوليصة تأمين ضد اندلاع الحرب، تماماً كما ساهم التزام حلف شمال الأطلسي بالدفاع المشترك خلال ذروة الحرب الباردة في ردع أي خطوة سوفياتية ضد أوروبا الغربية.إذا قبل حلفاء الولايات المتحدة بفوائد هذه الضمانات، يكمن تحدي إدارة أوباما الأكبر، على الأرجح، في إقناع الإيرانيين بأن المعاهدات لم تهدد أمنهم ونزاهة الاتفاق الذي سيعقدونه مع الولايات المتحدة. لا شك في أن إيران ستحتاج إلى ضمانات مكتوبة تؤكد لها أن الشبكة الأمنية لن تدخل حيز التنفيذ إلا إذا انتهكت إيران بحد ذاتها الاتفاق، وأن شبكة المعاهدات لن تخدم إلا أهدافاً دفاعية، وأنها لن تُطَبق في حال بدأت إحدى الدول المحمية الأعمال العدائية بمفردها من دون أي استفزاز. وبالإضافة إلى التخفيف من شكوك الإيرانيين، يمنح هذا البند الأخير للولايات المتحدة، وإسرائيل، والدول العربية مرونة كافية للدفاع عن مصالحها بشكل مستقل.قد يعارض الإيرانيون اتفاقات مماثلة، ويعتبرون أنها تحد من نفوذهم في المنطقة، وأنها تؤلف تحالفاً ضد إيران. وبغية معالجة هذه المخاوف، على الإدارة أن تقترح إطار عمل لعقد محادثات دورية بشأن أي انتهاكات مزعومة للاتفاق، فضلاً عن إمكان التعاون مع إيران في قضايا أخرى تتلاقى فيها مصالح الدولتين (مثل أفغانستان، سورية، ومكافحة الإرهاب). وعلى الأميركيين التخطيط لعملية مماثلة في مطلق الأحوال، إذا توصلوا إلى اتفاق مع إيران.حتى لو عبر المسؤولون الحكوميون في إسرائيل والمملكة العربية السعودية عن شكوكهما وأعربوا عن عدم ثقتهم بإيران، لم يعد الوقت مبكراً للتفكير في خطوات يجب اتخاذها، إذا أرادت واشنطن لمحادثاتها النجاح، فما من صفقة يمكن أن تلغي الشكوك حول مدى نزاهة إيران بين ليلة وضحاها. وقد يحد هذا من فرص نجاح هذا الاتفاق في تعزيز أمن المنطقة، لذلك ينبغي أن تبدأ الولايات المتحدة بالاستعداد لهذه الخطوات اليوم بتقديمها لحلفائها شبكة أمن أكثر متانة.* بروفيسور متخصص في العلوم السياسية ومدير مركز تنمية الشرق الأوسط في جامعة كاليفورنيا.