أوروبا تشعر بألم الأسواق الناشئة... وتعبير «انتهت الأزمة» فارغ
حين يكون معدل التضخم 0.8 في المئة، صدمة واحدة كبيرة ربما تكفي لإيقاعنا في الانكماش. والسكتة القلبية التي تلوح في تركيا وما يحدث في الأرجنتين يمكن أن يشكلا صدمة من هذا القبيل.
نعلم الآن أن تعبير «انتهت الأزمة» إنما هو كلام فارغ بعد انهيار القروض العقارية لضعاف الملاءة في الولايات المتحدة وانفجار عوائد السندات السيادية في منطقة اليورو. نحن الآن أمام أزمة كلاسيكية معروفة في عملات الأسواق الناشئة، مع ما لديها من تداعيات محتملة على أجزاء أخرى من الاقتصاد العالمي.في تركيا، أدى انقلاب وجهة التدفقات الرأسمالية في النصف الثاني من العام إلى تراجع تدريجي في سعر صرف الليرة مقابل الدولار واليورو. وحين بدأت الليرة في الانهيار، استجاب البنك المركزي بأن فرض زيادات شديدة في أسعار الفائدة الرسمية.
وبعد اندفاع صعودي قصير عادت العملة واستأنفت انحدارها. والآن تركيا التي كانت في وقت من الأوقات مثالاً للنمو الاقتصادي المرتفع، لديها عملة ضعيفة وأسعار فائدة عالية. والسكتة القلبية التي تلوح في أفق الاقتصاد تأتي في سنة تشهد انتخابات محلية ورئاسية، وربما انتخابات عامة كذلك. والمخاوف من عدم الاستقرار السياسي تحدِث آثارها في أسواق العملات.آثار عالميةكذلك أضر ضعف العملة والمخاوف من التضخم بالأرجنتين وأميركا الجنوبية. ومع أن نطاق هذا الجيشان ليس في حجم أزمات العملات الضخمة في التسعينيات من القرن الماضي، أو على الأقل لم يبلغ ذلك الحجم بعد، إلا أنه أخذ منذ الآن يُحدِث آثاراً عالمية. وكما هي الحال دائماً، الاقتصاد الأميركي قوي نسبياً أمام الصدمات العالمية، لكن إلى حد معين، بينما الوضع في أوروبا ليس كذلك، خصوصاً في منطقة اليورو.ولنبدأ بالأثر المباشر المترتب عن الأزمة التركية على اليونان وقبرص. حجم التأثير ليس كبيراً حين نقيسه على النطاق العالمي، لكنه مهم بالنسبة الى هذين البلدين، لأن صناعتهما الرئيسة، وهي السياحة، تتنافس مباشرة مع تركيا. وقد عانى اليونانيون والقبارصة آلاما شديدة في سبيل تحسين وضعهما التنافسي من خلال تقليص الأجور والأسعار. ويعتبر انتعاش السياحة إحدى النقاط المضيئة في اقتصاد هذين البلدين الذي لايزال معتلاً، لكن انخفاض قيمة الليرة التركية أتلف كل ذلك. فأي شخص يريد الذهاب في إجازة إلى شرق البحر المتوسط سيجد أن تركيا أرخص بكثير بالنسبة إليه. هذه لعبة لا يمكن أن تفوز فيها اليونان وقبرص.أزمة العملةوالسبب، بطبيعة الحال، هو أن البلدين عالقان في يورو قوي. سعر الصرف الحقيقي الفعلي لليورو – أي المحسوب استناداً إلى الوزن النسبي مقابل جميع العملات الأخرى بعد احتساب التضخم – ارتفع بنسبة 1.7 في المئة في ديسمبر، وفقاً لبيانات من بنك التسويات الدولية. ومن المرجح أنه ارتفع مرة أخرى في يناير. وبالنسبة لاقتصاد على حافة الانكماش، فإن أزمة العملة في بلد مجاور هي آخر شيء يتمنى حدوثه. وهذه مشكلة لا تمس اليونان وقبرص وحدهما، وإنما منطقة اليورو ككل.بالنسبة لمنطقة اليورو المشكلة الرئيسة ليس فقط التجارة، لأن لديها فائضا تجاريا كبيرا نسبياً، لكنها تكمن في التأثير الواقع على مستوى الأسعار. وتشير تقديرات مكتب الإحصائيات في الاتحاد الأوروبي، إلى أن التضخم الأساسي كان 0.8 في المائة في يناير.وأود التركيز على التضخم الأساسي لأنه المقياس الذي يستبعد البنود المتقلبة، مثل أسعار الطاقة والمواد الغذائية، ويغلب عليه أن يكون مستقراً. وكان معدل التضخم الأساسي متقلباً ضمن نطاق ضيق حول مستوى يناير بالنسبة للأشهر الأربعة الماضية. بعبارة أخرى، أصبح ثابتاً بصورة غير مريحة عند مستوى يقل كثيراً عن الهدف الذي وضعه البنك المركزي الأوروبي. تسهيل السياسة النقديةوحين يكون معدل التضخم 0.8 في المئة، فمعنى هذا أننا لسنا على مسافة بعيدة من الانكماش الاقتصادي الصريح. صدمة واحدة كبيرة ربما تكون هي كل ما يلزم لإيقاعنا في الانكماش. وما يحدث الآن في تركيا والأرجنتين يمكن أن يشكل صدمة من هذا القبيل. كل هذا دون أن آتي حتى على الحديث عن العواقب المحتملة لتحوُّل السياسة الاقتصادية في الصين.في الشهر الماضي وعد رئيس البنك المركزي الأوروبي، ماريو دراجي، بتسهيل السياسة النقدية، إذا انتهى التضخم عند مستوى أدنى من التوقعات. وتحقق هذا الشرط الآن، بالتالي أتوقع منه ومن المجلس الحاكم في البنك أن يفي بالوعد.لكن إجراء تخفيض بسيط في سعر الفائدة لن يكون كافياً. السياسة النقدية لديها آثار مباشرة كثيرة، مثلا، على سوق الأسهم، لكن أثرها على مستوى الأسعار يستغرق وقتاً. وحين يتم تخفيض سعر الفائدة بنسبة 0.15 في المئة، فإن هذا الإجراء لن يقدر أبداً على التأثير وإحداث اختلاف بين الانكماش واستقرار الأسعار. سيتعين على البنك المركزي الأوروبي أن يقوم بما هو أكبر بكثير من رفع سعر الفائدة من أجل الحؤول دون الوقوع في الانكماش. ولستُ واثقاً بأننا سنشهد استجابة قوية بما فيه الكفاية.انكماش الديونوالأمر المثير للقلق فعلاً، هو أن السماح للتضخم بالهبوط والبقاء عند مستواه الحالي أدى منذ الآن إلى نوع من الانكماش.وكما قال الاقتصادي البلجيكي، بول دو جراوفه، يمكن أن يحدث انكماش الديون حتى حين تكون معدلات الفائدة الرسمية في المنطقة الموجبة. وهو يحدث حين تكون التوقعات الخاصة بمعدلات التضخم المستقبلية أدنى مما كانت عليه حين تم الدخول في عقود الديون.ومن الواضح أن هذه ليست نتيجة تفهم بالحدس. فهي تعني أنه حين تهبط التوقعات التضخمية بصورة دائمة، ترتفع قيمة السندات الحالية – حتى لو لم يتم إصدار سندات جديدة. ولا داعي لأن نصل إلى معدل تضخم صفري حتى نجد أنفسنا واقعين في المتاعب.وليس هناك عدد كبير من البنوك والمقترضين الذين توقعوا أصلاً أن يثبت معدل التضخم الأساسي عند نحو 0.8 في المئة. وانكماش الديون أمر خطر في عالم لاتزال فيه أزمة الديون دون حل. وكلما طالت فترة الانتظار، أصبحت الأمور أسوأ.إن آخر شيء يحتاج إليه الاقتصاد العالمي في الوقت الحاضر هو عودة إلى أزمة السندات الأوروبية. صحيح أن الاقتصاد العالمي يمر في انتعاش دوري ضعيف. لكن صحيح كذلك أن كل الناس معرضون للصدمات في كل مكان.*فايننشال تايمز