خرجنا من ضلع جبل

نشر في 25-01-2014 | 00:02
آخر تحديث 25-01-2014 | 00:02
No Image Caption
1

هل تُرسَم الروح؟

ربما... باللون الأبيض،

وعلى صفحة بيضاء جدًا.

كيف أرسم الجثث التي ارتفعت من البلدة وهي الأرواح من أمر ربي؟

لا أملك سوى لونين؛ لبحر وجبل!

هنا تكون اللوحة ناقصة دون قارب نجاة.

***

خرجتُ من ضلع جيس؛ جبل يأكل نفسه ويكبر، يحتضن بيوتنا الساحلية بقلق، وينام قريبًا عند حافة الحكايات.

يقول أبي: «تموت البلاد وينقطع عملها إلا من ثلاث.......... أو ولد صالح يدعو لها».

والجبل هو الولد الصالح للبلدة. دعاؤه مرفوع للسماء، لا يُقصَف بشهاب، ولا يركله إبليس.

لم يحدث أن ماتت البلدة قطّ؛ لأن الجبال الحانية تحب الصالحين، وجيس جبل يحبنا ونحبه. خرجتْ بلدتي من عمق الزمن، وعاشت ما شاء الله لها أن تعيش؛ إلى أن قست القلوب فصارت أشد قسوة من حجارة جبالنا، تلك التي راحت تنسف نفسها وتتصدع خشية من الله، وتضرّعًا إليه كي لا يطبق عليها السموات.

بلدتي لا تخلع سوادها أبدًا، وما كانت شفاعة ملك الجبال لجيس كافية لتغيير مسار الغضب النازل؛ فقد انشقّت الجبال، وخرَّت وطمرت نفسها في قعر الكرة الأرضية.

وقف جيس بين يدي الله قلقًا من حمل أمانة بلدة أخرى ونادى: «إلهي... إن شئتَ أخرُّ هدًّا.. وأدكّ نفسي دكًا».

لكن المشيئة الكونية نزلت بالرحمة والسكينة،  فالتزم جبلنا الصبر والتجويد، وسبّح بحمد الله وخشيته.

2

أمي ترش الماء خلفي، وتطلب من الله أن يهبني نسلاً أكاثر به عدد الغربان التي تشق جبهة الصباح بالنعيق فوق الجبال. مع كل خطوة أخطوها نحو مقبرة القرية، أتلو على مسامع الجبال آيات العذاب برهبة، مذعنةً لوصية أمي بألا أُغضب الجبل بالغناء، وذلك لأن جيس هو مئذنة البلدة، ولا ينبغي تدنيس المئذنة بالأهواء والعبث.

تقول أمي إن البلدة مصابة بداء الكهولة، وسببه حجاب طُمِرَ بطرفة عين تحت الحائط الطيني لمقبرة الجبل. وبما أنني الوحيدة السليمة التي سلمت من ناب الداء، كانت كل صباح ترسلني نحو القبور لأنهمك في نبش ثقوب في الجدار، أو صنع ثقوب أخرى فيه.

كان يتوجب عليَّ بعد أن أقرأ مع كل خطوة أخطوها كل آيات العذاب المنزلة على الأقوام، أن أُتبع ذلك بسرد حكاية قصيرة قرب جدار المقبرة، قبل أن أشرع بالحفر في جسده المتهالك.

أروي قصتي التي حفظتها وأردّدها على مرّ زمن الداء المستشري في القرية: «أنا هند... الوحيدة التي نجت من داء الكهولة في البلدة المحرمة؛ بلدة عوقبت بألا تعايد العيد إلا بعد انقضاء هلاله. وها أنا قد جئت بعد انقضاء العيد لأعايد الموتى. تقول بلدتي إن مواليد محرم يولدون بنصف رئة، ولأنني مولودة وفي رئتي هلال محرم، اصطفتني أمي لك أيها الجبل».

بخنجر أبي أطعن جسد جدار المقبرة طعنات تتلوها أخرى، فيتهاوى الطين تباعًا برميم عظام تزفر منها رائحة المواليد الأطفال. كنتُ أطعن بشراهة لأستلذ من تلك الرائحة، وأشهد ولادتها ولو بصورة قيصرية عسيرة.

تُرى، هل دفنوا الموتى أيضًا في بطن الجدار؟

أم إن الأحياء جمعوا رفات الأموات وصنعوا منها سور مقبرة؟

وأي موت هذا الذي يندلق برائحة ولادة؟

تنتصف الشمس بين قرني شيطان، ويخرج أطفال حمر قُرعٌ من فوهة الجبل؛ يتراقصون على السفوح بأذيالهم، ولا ظل لهم.

هذا ميقات إيابي نحو البيت، فلا صلاة حين يحين هذا الميقات المقيت.

وكالعادة منذ زمن بعيد، أعود أدراج الرياح ممسوسة برائحة ولادة، ويداي خاليتان من أي تعويذة أو حجاب.

تخبرني أمي بأن كل أطفال البلدة إخوتي، ما دمتُ الوحيدة التي خرجت سليمة صحيحة من رحم البلدة.

«أنتِ حاملة لواء الجبل وتصحيح النسل». يقول أبي.

أسير واجمة في وادينا ساعة الأصيل، بين حشد من الأطفال الكهول الذين يلعبون ليومين أو ثلاثة أو شهرين أو نصف عام، ثم سرعان ما ينامون في أكفان صغيرة لأحملهم جثثًا هامدة... وأنقلهم إلى المقابر... ويتكفل من بقي من رجال البلدة مع والدي بدفنهم.

آتي كل صباح قائظ وأرشّ الماء وأثقب جدارًا في المقبرة، بحثًا عن حجاب الموت الذي عصف البلدة بالكهولة.

من أمي وأبي كان لي خمسة إخوة، سقطوا كلهم في حفرة واحدة لقبر جماعي واحد، وفي صباح بغيظ واحد.

ولدتهم أمي متفرقين على مدى خمس سنوات، لكنهم رحلوا جماعة.

ولدوا كهولاً، برؤوس كبيرة، ووجوه مجعّدة، وأعين جاحظة/ وأنوف مقروصة، وبلا حواجب، ولا رموش، وبرؤوس صلعاء شفافة تبرز منها الأوردة الدموية. ولدوا مصابين بتصلب في الشرايين ومشاكل القلب المتفاوت الضربات، والذي يحجم عن ضخ الدم فجأة.

كل من يخرج من رحم البلدة يولد كهلاً، وأنا كأنني خرجتُ في لحظة استثنائية خارجة عن حسبان الغضب العاصف على البلدة. خرجتُ ربما من ضلع جبلنا جيس الخاشع دومًا في وجه الرجفات البحرية، فقد يغدر البحر بأحبابه، لكن الجبل رغم أنه جلمود عملاق ضارب في أسرار الأرض إلا أنه لا يفتأ يستجدي العطف والرفق من الله أن يكشف الغمة.

«يا رب، اكشف عن بلدتنا الغمة أو أحينا أعزاء شرفاء». تدعو البلدة عند كل استسقاء.

3

الصخرة هي الدم

الفاجعة تعيد نفسها في بلدتي التي انزوت وانحشرت في مصاب جلل واحد، في صخرة انبجست من رأس جيس، وتدحرجت عالقة بين أصابع قدميه؛ تحديدًا على رئة بلدتنا.

من هنا... من الصخرة العاقَّة خرجت اللعنات تباعًا على روح بلدتي المنزلقة في الخطايا.

لذا، جدتي تصرخ دائمًا: «الحجاب في الصخرة لا في المقبرة».

وكانوا يزيدون على ذلك أن الصخرة وحدها حجاب خاطه جنيٌّ حاسد للبشرية.

ماذا لو كان ذلك صحيحًا؟

أيريدون مني أيضًا الحفر في صخرة بحجم جبل لأخرج لهم الحجاب؟!

«إذا كنتِ لا تعرفين إلى أين أنتِ ذاهبة، فلن تعرفي متى ستصلين». صيحة وعرة يزجرها صدى جيس لكل خطواتي الصباحية نحو المقبرة، إنني أفتش عن تعويذة شيطان، ولا أعرف متى وأين سأجدها!

هل زُرِعَت في جمجمة طفل؟

أم في حوض امرأة مكسور؟

أم في جدار سور المقبرة؟

أحتاج أحيانًا أن أبيع شيئًا من زاد بيتنا المتقشف لأشتري شهادة وأقوال حافر القبور. وقد بعته مرارًا خناجر أبي وطناجر أمي؛ لأستعير ساعده  في حفر قبر ما.

هو يفي بالغرض، ولكنه يصرُّ على حفر سور المقبرة لا القبور، بناء على قناعة الأجداد أن الأسوار مرتع للسحر وممشى للمكرمات.

يقولون إن شيخًا كهلاً صاحب كرمات انعطف منذ قديم الزمان خلف هذا الجبل، فسيَّر بلادًا كاملة على سور مقبرة، بما فيها من بساتين نخيل وبرك ماء وقلاع وحصون وغيمات وطيور!

لماذا لم يستعينوا بصاحب كرامات لإخراج الوباء من البلدة؟

لأنكِ وحدك ابنة جيس... جبل الكرامات». يعود الصدى شامخًا من بين ضلوع الجبل.

4

نهاية البدء الأول

الجثة رقم 135... لطفل كهل طبعًا.

تُوفّي عند باب المسجد، بينما كان المصلون يؤدون الركعة الثالثة من صلاة الزهر.

نادى المؤذن باسمي لأحمل الجثة، وسار خلفي رجال البلدة نحو المقبرة.

وكالعادة، حفروا قبرًا صغيرًا وعريضًا كأنه لدبِّ الجبل، ثم رشوا الماء، وانصرفوا لمتابعة شؤون حياتهم اليومية.

أما أنا فبقيت في المقبرة أستأنس برائحة الولادة للموت، أتساءل من سيكون الإنسان الأخير في هذه البلدة؟ بل من هو الإنسان الأخير على هذه الأرض؟ لماذا أخفى الله هويته عنا بينما كشف لنا هوية الإنسان الأول؟

لا أعرف كم من الوقت ضعت في متاهة قراءة الموت، قراءة تاريخ البلدة الواقعة تحت قسوة العقاب؟ تربكني وحشة الحروف والرموز والشخوص البارزة على جسد البلدة. مع كل منعطف قراءة، كنت أتوقعها تنقضّ على وجهي لتحول ملامحي إلى ملامح امرأة عجوز محاصرة في ثياب مراهقة، أو محبوسة في كبد صخرة منذ زمن قديم لا أحد يذكره.

توبخني أمي، وتطلب ألا أزيد العبث والاستهانة بالزمن؛ فمع كل لحظة تضيع من عمر البلدة، تنجب إحدى النساء كهلاً لا يعرف مدى إقامته بيننا، لكن تبقى إقامته الجبرية في مقبرة الجبل معلومة بامتياز.

كانت مخاوف بلدتي العظمى أن أتراجع عن حمل أمانة البحث عن حجاب الكهولة وانتشاله، سواء أكان في سور المقبرة، أو في قبر أحدهم، أو في قلب صخرة الدم، أو حتى في مقبض باب بيتنا.

كيف لي أن أعرف مكان نوم طلاسم تم سبكها منذ ملايين السنين وفي زمن لا يُذكر؟

تصرُّ أمي أنّ ساحرًا ما قد حبك تفاصيل البلدة داخل حجاب من السحر.

وتصرُّ جدتي على أنّ هذا الداء هو لعنة الجبال على البلاد.

وتتفق عمتي مع أمي على أن السبب حجاب ساحر، إلا أنها تختلف معها في كون عروس البحر قد سرقت ذاك الحجاب وخبأته في قصر يشبه عرش بلقيس، ولكن تحت الماء.

يصرُّ أبي وجدي على أن الحقيقة بعيدة جدًا؛ ربما هي في مغارة طال قفلها، ولم تحن بعض فرصة اعتاق البلدة من أسرها.

يبدو أنني الوحيدة التي تتابع إدمان البلدة على الشيخوخة بحيادية دون أن تعتريني مشاعر غل وحقد دفين. فأنا أحسن الظن بالجبال؛ أحسن الظن وبمنتهى السذاجة، أو ربما بعشق لا شعوري.

شاع خبر كائن اسمه نفط ينتشر بين شعاب البلدة. أشعر بالفضول أو بالرعب؛ على الأخص حين تناهى إلى سمعي خبر تحويل البحر إلى حقول يجثم على صدرها كائن حديدي ضخم يصل ارتفاعه إلى طول جبلنا جيس أو أقل بقليل.

لم تفرح بلدتي بالنبأ ولم تستبشر، لكنها توقعت شيئًا من الخلاص الوشيك؛ الخلاص من وباء الأطفال الكهول.

تقافز شيخ البلدة على رؤوس الجبال؛ على الأغنام والبغال النافقة، وصاح في البلدة والجبال: «ذهب الظمأ وستبتلّ العروق إن شاء الله... أبشري بالنسل السعيد أيتها البلاد».

back to top