تزوّج سعودية

نشر في 02-11-2013 | 00:01
آخر تحديث 02-11-2013 | 00:01
No Image Caption
كبسة

أُدرج الرزّ ضمن قائمة الحظر في منزلنا، بحسب التقارير الواردة والوافدة والمحلية عن علاقة الرز بالإرهاب والعنف ضد الصحة ولصالح السمنة وتهدّل البطن والإرادة معاً، خاصةً أن طبقنا العزيز دائماً ما تشوبه الريبة وتحوم حوله الشكوك بسبب طريقة طبخنا إياه؛ فلسنا، كالشرق آسيويين، نكتفي بسلقه بالماء أو طبخه، إنما نكبسه ونسمّيه مكبوساً، ونضغطه ونسمّيه مضغوطاً، أو مكتوماً أو مفلفلاً، حتى لم يبقَ للرز عند أصحاب الحميات وأصحاب الكروش المتهدلة عذر. لكنني قرأت خبراً ظهر فيه مسؤول الملابس في المنتخب السعودي وعضو الجهاز الإداري وهما يحملان «عفش» المنتخب السعودي المسافر للمشاركة في نهائيات كأس العالم في مطار الملك خالد والمتجه نحو طوكيو، وقد تضمن العفش ثمانية أكياس رز حتى أدركت أنه يمكن الآن رفع الحظر عن الرز واعتباره وجبة يمكن التعامل معها طالما أنّ الرياضيين الذي يحصدون الكؤوس قد ذهبوا لحصد كأس العالم لعام 2002 م بثمانية أكياس رز؛ فخسروا الكأس أمام الفريق الألماني بثمانية صفر.

وقد زاحمت الكبسة طوابير الطعام المعولم في شوارعنا فصُفَّت بذراعين طويلتين مفروشتين على جانبي الشوارع الرئيسية وغير الرئيسية، ولو تفقّدتَ شارعاً تمرّ به كل يوم، مثلما فعلتُ ذات يوم، وقرأتَ عناوين محلاته لخلتَ أننا شعب لا يشغله إلاّ ما يأكل! فجانب مطاعم الوجبات السريعة الأجنبية من همبرغر وبيتزا ودجاج مقلي صفّت مطاعم الرز المكبوس والمضغوط والمكتوم والمفلفل، ثم الفلافل والفول، ثم الكنافة النابلسية والحلويات العربية والأفرنجية، ثم الجبنة الرومية، ثم الحمص والمتبل والمشويات المقليات؛ وللأمانة كان هناك محل واحد صغير للنظارات، وأكيد أنك تحتاج بعد هذه القائمة إلى نظارات سوداء.

دخل السعوديون ضمن سباق السمنة فأحرزوا نسباً مرتفعة فيها، إذ احتللنا المرتبة الثالثة في العالم، وحصدنا نسبة أعلى إصابة بالجلطات التي ارتفعت عند السعوديين أكثر مما هي عليه عند البريطانيين. أما السبب فهو دون عجب أننا قوم إذا أكلنا شبعنا، وإذا شبعنا نحلّي، وإذا حلّينا ننام، وإذا صحونا من النوم نحلّي مرة أخرى، ونعتبر أن الرياضة لهوٌ وضياع وقت، وتدخّلٌ في عمل الشيطان الرجيم في مدارس الفتيات. وقد أثبتت الإحصائيات أن نسبة ستين بالمائة من نساء العالم محرومات من الرياضة، وبسبب الكبسة تجرأت «ما إلك إلا هيفاء» فأغضبت السعوديات حين قالت: المرأة السعودية تأكل المكبوس وتمشي كالبرميل، ولو كنت مكبوساً لغضبت على هيفاء وعلى كل من يخطبها.

وأذكر قصة طريفة قصّتها لي إحدى السيدات التي قررت عائلتها مع عائلات سعودية، كانوا يقضون إجازة صيفية، للقيام برحلة مدتها ساعة ونصف إلى أحد الخلجان الرائعة والنادرة في العالم؛ فما كان من النساء إلا أن تقاسمن- كالعادة- إحضار قائمة المأكولات وترامس الشاي والقهوة والمشروبات الباردة. وعند صعود القارب ومع أول تحرك للقارب بدأت النساء بإظهار ما في السلال، و»يا محمد خذ هذي الكيكة»، و»يا سعود ذق هالفطيرة» و»من يريد قهوة، من يريد شاي؟» و»نادوا موضي تراها ما ذاقت شَيّ»، ومرت الساعة والنصف في مرح وفرح وهرج ومرج بين الفطائر والمعجنات والمشروبات ومن أكل ومن لم يأكل، لكن المفاجأة التي أذهلت العائلات هي بوق القبطان الذي قال لهم: «حولوا، خلصت الرحلة!».

فتصايحت الجماعة: بس حنّا ما شفنا شَيّ!

السيدة هيه

دخلت إحداهن غرفة انتظار السيدات تحمل رضيعاً حديث الولادة ومعها طفل آخر يتعثر في مشيته وطفل ثالث أكبر منه قليلاً بينما بقي ثلاثة آخرون مع زوجها في صالة انتظار الرجال. أخذ الطفل الأوسط يهجم بضراوة على أطفال السيدة المجاورة لوالدته؛ فخطف لعبة طفل ودفع عربة طفل آخر بعنف، بينما أخذ الطفل الثالث يبحلق في السيدات وكأنهنّ جئن من كوكب غريب. نادت الممرضة على اسم الصغير (سعود محمد ال...). نهض الزوج ووقف بالباب وصاح: «هيه»! نهضت السيدة «هيه» عن كرسيها تحمل رضيعها، وجرى الطفلان خلفها... أرجو ألا يذهب الظن بكم إلى أن لقب «هيه» هذا كتابة لحرف الهاء مثلاً أو أنه خطأ مطبعي أقصد به «هيا»، وهو اسم مشهور يُطلق على النساء لدينا، بل هو لفظ صوتي على شاكلة «أحم» «أممم» «واووو». كما أن «هيه» ليس اسم السيدة؛ فقد كان لها يوماً ما اسم، ربما كان منيرة أو مزنة أو ضحى، إلا أنها في الأماكن العامة أو بين ازدحام الأقارب والأهل تشتهر بنداء معين هو «هيه»، فتصبح كل سيدة «هيه». أما كيف تعرف السيدة «هيه» أنها هي المقصودة دون السيدة «هيه» الأخرى فإن كل سيدة تحفظ عن ظهر قلب ذبذبة صوت زوجها أو ولدها حتى أنه ما يكاد ينطق اسم «هيه» حتى تهبّ على الفور إليه. والسيدة «هيه» هذه لا بدّ أنها ولدت في زمن غنّى لها فيه المطرب السعودي القديم أغنية جميلة مطلعها «شفت الخالة وأعجبتني في مشيتها»، منذ ثلاثين عاماً، تحيةً منه للسيدات اللواتي حملن حقائبهن ودروسهن نحو مدرسة محو الأمية رغبةً منهن في محو أميتهن وتعلم الحروف الأبجدية وقراءة القرآن على جلسات النميمة والثرثرة في العصاري.

لكنّ السيدة «هيه» أنجبت «هيهات» صغيرات كبرن في زمن تلاحقت فيه طفرة التعليم والتحضّر بشكل يفوق الوصف؛ فصار في كل شارع مدرسة وفي كل حي مستوصف؛ فغدا بين السيدة «هيه» الأم والسيدة «هيه» الابنة فارق تعليمي كبير. اشتغلت «هيه» الأولى مدرّسةً في الثانوية و»هيه» الأخرى طبيبة وأخرى باحثة في مركز البحوث العلمية وأخرى دكتورة في جامعة الملك سعود. وكل يوم، ورغم أن هؤلاء «الهيهات» يقرأن تقارير صحفية تنشرها وكالات دولية عن تفوق السيدة «هيه» البيولوجي والعقلي وتمتعها بمهارات تزيد أحياناً في جنسها عن الآخر في أعمار وأزمان معينة، كما أنها توكل إليها تربية العيال وحفظ المال وترشيد العائلة وتربية النشء الجديد، إلاّ أن لقب «هيه» ظل يلاحقها في المستشفى وعند حارس المدرسة وفي المطار، وحين تذهب إلى ماكينة الصرف الآلي لتسحب من مالها تسمع: «هيه، يا الله خلصينا!»، والأطفال في الشارع بعمر يكاد يقرب عمر أبنائها لا يتورعون عن مغازلتها ومناداتها بـ «هيه، خذي الرقم»، بل إن السيدة «هيه» لا تتمتع بأي وجاهة مميزة فيستسهل كثيرون القفز فوق جدارها القصير بالهمز أو اللمز أو بالشك في حضورها، وتتحول السيدة «هيه» في الصحافة والتفكير الاجتماعي إلى مشكلة دائماً لتصبح «أم المشاكل» على وزن «أم المعارك»؛ فحين تتجاوز عمر الزواج التقليدي، الذي لم يكن يشغل المرأة فيه عمل ولا تعليم، تصبح مشكلة عنوستها أولى مشكلات الصحافة، وحين تتزوج يصبح غلاء المهور مشكلة المشاكل فيتدخل المحللون والنافذون للحد من تلك الظاهرة، ويتطوع كثيرون لتحديد مهر الفتاة. وأغرب ما قرأت في هذا الشأن أنّ عائلة أعلنت أنها حددت مهور بناتها؛ فـ»هيه» البكر مهرها خمسة وثلاثون ألف ريال، و»هيه» الثيب مهرها خمسة وعشرون ألف ريال على اعتبار أن الثيب بضاعة مضروبة، وقد يستطيع المرء أن يستثمر ماله بأن يأخذ اثنتين بخمسين. وعلى الرغم من أن المهر حق خاص للمرأة، كما جاء في الإسلام، إلا أنّ من يقرره ويخوض في شأنه كل الأطراف عدا السيدة «هيه». بل إن بعض الهيهات يخلصن لهذا اللقب ويجدن الاعتراض عليه ممنوعاً، ولو حاولت إحدى الهيهات من أمثالي الكتابة عن أمور رفيقاتها من الهيهات فإنها توصم بتهمة انتمائها إلى جماعة تحرير الهيهات، وهي جماعة سيئة السمعة لدينا.

لحظة من فضلك، إني أسمع أحداً في بيتنا ينادي «هيه»، عن إذنكم إنهم ينادونني...!

مصيّف ويصفر

فيما يرى الباحثون الانثربولوجيون أن اختلاف اللهجات مادة ثرية في دلالاتها اللغوية يرى كثير من الناس أنها نقيصة في قيمة الآخر المختلف عنا. ولأن اللغة كائن حي ينمو ويكبر ويتلون ويتأثر بالأحوال الاقتصادية والجغرافية لذا ترى كثيراً من اللهجات تتنوع في كل بيئة، وسأسوق مثالاً بسيطاً في أسماء الناس التي كانت تميّز، حتى سنوات ليست بالقليلة، البادية عن الحاضرة؛ حيث يكثر لدى أهل البادية أسماء مثل: العنود وغزيل ووحشة وقهوة ومزنة ومطر وذيب، في حين ينتشر عند أهل الساحل، مثل أهل الشرقية والبحرين، أسماء مثل: دانة وحورية وحصة وموزة وقماشة، وهذه الأسماء هي من أسماء اللؤلؤ.

back to top