صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4248

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

مديحة يسري... سمراء النيل: آه من الرجالة (18)

تؤمن امرأة القوس بأن الحياة عمل وإنتاج، وليس تمنيات من دون فعل، لذا نجحت النجمة القديرة مديحة يسري في أولى تجاربها كمنتجة وممثلة أيضاً، تحملت المسؤوليه كاملة وأنجزتها على أكمل وجه، ومن ثم اقتنصت مكانة متميزة على الساحة بهذه التجربة التي أهلتها لتصدر الملصق منفردة.

كانت مستغرقة في متابعة كل ما كتب عن فيلمها الجديد {الأفوكاتو مديحة} في الصحف والمجلات حينما رن هاتف منزلها وكان المطرب والممثل محمد فوزي على الطرف الآخر.

فوزي: مساء الخير يا مديحة، أخبارك أيه؟

مديحة: أهلا يا فوزي... أنا بخير، أنت أخبارك أيه؟

فوزي: الحمد لله.. من زمان وأنا عاوز أبارك لك على نجاح الفيلم، حاجة عظيمة جدا.

مديحة بسعادة: الله يبارك فيك يا فوزي بجد عجبك الفيلم.

فوزي بحسم: جدا يا مديحة، وسعيد بكل الكلام اللي قريته وسمعته عنه، ألف ألف مبروك وعقبال كل أفلامك الجاية يارب.

مديحة وهي في قمة سعادتها: معندكش فكرة أنا سعيدة قد أيه يا فوزي بكلامك ده، سعيدة قوي إن الفيلم عجبك، وبإذن الله نعمل أفلاماً حلوة مع بعض تنجح وتكسر الدنيا.

فوزي: يعني لو قلت لك يالا نشتغل مع بعض حتوافقي؟

بحسم ردت مديحة قائلة: وهو أنت عندك شك يا فوزي؟ أنت عارف أني بحب أشتغل معاك دايماً، وكنت سعيدة جداً لما اشتغلنا سوا.

فوزي: يعني ابعت لك السيناريو بكرة؟

مديحة مندهشة: أيه ده؟ أنت بتتكلم بجد؟

فوزي: أيوه طبعا بتكلم جد الجد، وفعلا عاوزك معايا في فيلمي الجديد، ولا علشان خلاص بقيتي منتجة مش حتشتغلي في أفلام أي حد تاني .

مديحة متعجبة: لا طبعاً... ليه بتقول كده يا فوزي؟ وهو أنت تعرف عني كده؟ أنا المهم عندي دايماً الدور الحلو والرواية اللي بقدمها يكون فيها جديد.

أرسل فوزي إلى مديحة سيناريو فيلمه الجديد {آه من الرجالة} وكان رشح لإخراجه حلمي رفلة مجدداً (شارك رفلة الثنائي فوزي - مديحة الكثير من الأفلام)، وشارك في بطولته أيضاً: إسماعيل ياسين، زينات صدقي وسميحة توفيق صديقة مديحة يسري، التي اكتشفها يوسف وهبي وشاركت في بطولة أفلام عدة، أشهرها {بلبل أفندي}، {حسن ومرقص وكوهين}، {عفريت سمارة}، {هجرة الرسول} و{نحن لا نزرع الشوك}.

ثورة النساء

تدور أحداث فيلم {آه من الرجالة} حول جمعية نسائية هدفها الوحيد التأكيد على المساواة بين الرجل والمرأة، على أن تلتزم عضواتها بعدم الزواج بوصفه أسوأ نظام اجتماعي، والتحذير من السقوط في الحب بوصفه الرذيلة الكبرى، أو الخطيئة التي لا تغتفر لأي من عضواتها، لنكتشف أن السر وراء هذا العداء يرجع إلى فشلهن في تجاربهن العاطفية، وقد جمعهن كرههن للرجل، فشكلن تلك الجمعية، التي لا تهدف إلا إلى الانتقام من الرجل، إلى أن تقع رئيسة الجمعية في الحب فتتبدل حياتها رأساً على عقب، إلا أنها تفاجأ بثورة نسائية ضدها من عضوات الجمعية اللواتي يطالبن بعزلها من منصبها، قبل أن تتبعها فتيات آخريات أصابهن سهم كيوبيد فرفعن رايات الاستسلام.

الفيلم الذي كتبه أبو السعود الإبياري في قالب من الكوميديا الراقية القائمة على الموقف، نال حماسة مديحة فور الانتهاء من قراءته، إذ رأت فيه استكمالا لما طرحته في فيلمها السابق {الأفوكاتو مديحة}، ولكن في شكل مختلف، والأهم جديد، كونه لم يطرح سينمائياً سابقاً، كذلك اجتماعياً في تلك الفترة تحديداً (بداية الخمسينيات)، فأتاح لها تقديم موضوع شديد الجدية في قالب من الكوميديا الخفيفة .

نالت حماسة مديحة استحسان فوزي بالطبع، ليس لارتفاع أسهم مديحة فنياً، بما يضمن نجاح الفيلم كما كان يحلم ويخطط بل ويراهن، لكن لأن الجمهور سوف يُفاجأ بمديحة جديدة ومختلفة، أيضاً، علاقة الصداقة التي جمعته بمديحة وتعاونهما الفني أكثر من مرة، أحدثا بينهما {كيمياء مشتركة} انعكست إيجاباً على العمل.

فوزي: أنا سعيد جداً يا مديحة بموافقتك على الفيلم.

مديحة بثقة: أنا اللي بشكرك يا فوزي لأنك رشحتني أشارك في الفيلم ده، وعندي ثقة كبيرة أنه حينجح ويكسر الدنيا بإذن الله.

فوزي مبتسما: يسمع من بقك ربنا يا مديحة، ثم تابع قائلا: طيب مقلتيش بقى عاوزة كام أجر؟ أنا عارف طبعاً أنك بقيت نجمة كبيرة ومنتجة قد الدنيا وأفلامك بتحقق إيرادات هايلة.

 قاطعته مديحة: أنا عمري ما حاختلف معاك يا محمد... الأجر اللي حتقدره لي أنا موافقة عليه وأنا واثقة في تقديرك لي.

فوزي سعيداً: أنت كده بتحرجيني يا مديحة لأنك عارفة ومتأكدة أنك تستحقي كنوز الدنيا كلها.

ضحكت مديحة من كلمات فوزي، التي شعرت أنها تحمل قدراً كبيراً من المجاملة المعروفة دوماً عنه، إلا أنها أدركت في ما بعد أنه لم يكن يجاملها ببضع كلمات تحمل إطراءً ليجبرها على القبول بأجر متواضع، بل خرجت من دون إرادته وبشكل تلقائي، لتكشف له عن {المسكوت عنه}، في داخله، ومن دون أن يعي ذلك أو يتوقف أمامه يوماً.

على الجانب الآخر راح فوزي يتأمل كلماته التي وصفت {بالمجاملة}، فندها مراراً وتكراراً وسأل نفسه إذا ما كانت فعلا مجرد كلمات تصنف في إطار المجاملة، أم أنها مؤشر لشيء آخر، بتعبير أدق هل يمكن اعتبارها الشرارة الأولى لقصة حب، فلماذا استوقفته على هذا النحو؟ ولماذا شعر بالإحراج من ضحكاتها؟

 تعديلات اللحظات الأخيرة

لا يشترط في الفيلم إلا أن يكون صادقاً، حتى لو تعرض لأبسط القضايا أو أصعبها، المهم كيف يعالجها، وفي {آه من الرجالة}، حرص حلمي رفلة على أن يزن الأمور بميزان الدهب، فلا تبدو الكوميديا، التي اختارها كوسيلة لطرح قضيته، نوعاً من السخرية، فقط يطرح القضية في دائرة الضوء سينمائياً، بعدما باتت مطروحة اجتماعياً، لذا كان يراجع الحوار مراراً مع أبو السعود الإبياري، فلا يصدم جمهوره بلغة متعالية متحذلقة أو بتسطيح مخلّ فتبدو المواقف الكوميدية شديدة السخف وغير منطقية.

 مثلا في أحد المشاهد النقاشية داخل جمعية الدفاع عن حقوق المرأة، اختلف الحاضرون هل يقولون في الخطاب الافتتاحي {أيها المحترمون أم أيتها المحترمات}، {مين أم مات}، واشتعلت المعركة وتطايرت الكراسي وهنا هتف صوت {هو مين اللي مات}؟    

كانت مديحة سعيدة بمشاهدها التي جنحت نحو الكوميديا، وكانت تسعد أكثر كلما أثنى فريق العمل على أدائها.

مديحة: أيه الأخبار يا أستاذ حلمي؟

حلمي مندهشاً: مش فاهم تقصدي أيه يا مديحة؟

مديحة: كنت بسألك عن رأيك في المشاهد اللي اتصورت، يعني قادرة أعمل كوميديا بشكل معقول، ولا دمي تقيل؟

حلمي: أنت ممتازة يا مديحة ومش بجاملك، ومتهيألي كل اللي هنا، الصغير قبل الكبير عجبهم أداؤك.

مديحة: أصلي قلقانة جداً علشان الدور كوميدي فخايفة ميعجبش الناس.

حلمي: لا اطمني أنت عاملة شغل كويس، ولو أنا شايف غير كده كنت قلت لك طبعاً... صمت لحظات قبل أن يتابع: تفتكري أنا ممكن أسمح بأي مشهد مش معمول كويس؟

طوال أحداث الفيلم كانت مشاهد فوزي ومديحة أقرب إلى القط والفأر، هو يلاحقها ليبث لها حبه ومشاعره وهي تهرب منه خشية أن تبادله المشاعر نفسها، وبعيداً عن الكاميرا، لم يختلف الحال كثيراً، صحيح لم تكن المطاردات واضحة بما يمكن للآخرين ملاحظتها بشكل مكشوف، لكنها كانت تشير إلى أن ثمة {تحولات} في العلاقة بين أحد أبرز الأصدقاء في الوسط الفني، صحيح كانا دائمي الجلوس معاً في فترات الراحة، يتبادلان الأحاديث العامة والخاصة أيضاً، إلا أن قفشات فوزي وسخريته اللاذعة التي طاولتها أحياناً في الأعمال السابقة، اختفت بشكل ملحوظ لتحل محلها عبارات إطراء على إجادة مشهد، أو فستان جديد، عطر نفاذ و.. إلى آخر تلك التفاصيل التي تؤكد، بما لا يدع مجالا للشك، أن ثمة اهتماماً من نوع خاص من فوزي لمديحة.

كان فوزي وقبل بدء تصويره لـ{آه من الرجالة} انفصل عن زوجته الأولى وأم أولاده السيدة هداية، وقتها عرفت مديحة، كغيرها، خبر الانفصال من الصحف، لم تحاول سؤاله عن الأسباب واحترمت صمته رغم ما بينهما من صداقة تسمح لها بأن تسأل وتتلقى الإجابات الصادقة أيضاً، وعندما شرعا في تصوير الفيلم الذي استغرق سبعة أسابيع كاملة، لم تحاول سؤاله رغم {الفضول الأنثوي} الذي كان يلح عليها بين الحين والآخر، احترمت مجدداً صمته وتركت له أن يحدد ما يريد أن يخفف منه.

في الأسابيع الأخيرة من تصوير الفيلم كانت طقوس {الإشارات} و{التحولات} قد بدأت على استحياء بين مديحة وفوزي، وبما يمكن ملاحظته بوضوح، وكان في مقدمة {الملاحظين} لمرحلة {المقدمات} تلك مخرج الفيلم حلمي رفلة، الذي أصبح لاحقاً أحد أبرز الأصدقاء المشتركين بين الطرفين.

ارتباك في تمثيل الخطوبة

دخل رفلة البلاتوه وتفقد الاستعدادات لتصوير المشهد، وكان عبارة عن مشهد غرامي بين فوزي ومديحة ينتهي بأن يضع فوزي الدبلة في يدها، وفور أن اطمأن رفلة إلى التفاصيل استدعى بطلي الفيلم وبدأ شرح المشهد وكيف سيتحركان أمام الكاميرا، الغريب أن رفلة، وعلى غير العادة، اكتفى بشرح المشهد ولم يطلب منهما عمل بروفة كاملة للاطمئنان على تنفيذه بشكل جيد، وعندما سأل فوزي عن السبب لم تقنعه إجابة رفلة بأنه {لا داعي} وأنه أبسط من أن نضيع فيه وقتاً من أجل بروفة و... و...

وبدأ التصوير ودارت الكاميرا فإذا بفوزي يُخطئ في الحوار تارة، وأخرى في الحركة، بدا متوتراً جداً، على غير عادته، فحاول رفلة تخفيف توتره بإعادة شرح المشهد بهدوء، ودارت الكاميرا مجدداً، لتخطئ مديحة هذه المرة، وفي الإعادة كانت هي السبب مرة أخرى، فضحك رفلة قائلا: كده بقيتم متعادلين، وظلا على هذا النحو حتى ضربا الرقم القياسي في إعادة أي مشهد منذ بدأ تصوير الفيلم، فضج البلاتوه بالضحك، لا سيما بعدما شهد تصوير المشهد أخطاء من فنيين أيضاً وليس من أبطال الفيلم فحسب، ما دفع رفلة إلى أن يعلن عن {بريك} قصير حتى يهدأ الجميع ويعيد تصوير المشهد.

بعد ساعة وقف فوزي أمام مديحة لإعادة تقديم المشهد، فجرت الأمور بشكل سلس ومن دون أخطاء، وصولا إلى اللقطة الأخيرة التي يمسك فيها فوزي بيد مديحة ليضع في إصبعها دبلة الخطوبة، وخلال المشهد شعرت أن يد فوزي ترتعش، وكأن في يدها {ماساً كهربائياً} لم يستطع فوزي مقاومته، فارتعشت أصابعه، التي قالت ما عجزت عن قوله عيناه، اجتهدا ألا تتلاقى عيونهما فيما فوجئ الجميع بفوزي يقبل يد مديحة مع نهاية المشهد، مع أن {القبلة} لم تكن موجودة بالسيناريو، ما دفع مساعد المخرج سعد عرفة إلى أن ينبه حلمي رفلة مع نهاية المشهد، إلا أن رفلة رفض إعادته واحتفظ بالقبلة التي استحدثها فوزي، أدرك أنها ليست {تجويداً} من ممثل وإنما {تعبير} عن مشاعر بات من الصعب إخفاؤها، وكان يتحسسها منذ فترة.

فور انتهاء المشهد التزمت مديحة غرفتها، كذلك فوزي، فيما سميحة توفيق صديقة مديحة وشريكتها في بطولة الفيلم زارتها.

سميحة: مالك يا مديحة قاعدة لوحدك ليه؟

مديحة: أبداً حسيت أني مرهقة بس فقلت استريح في أودتي شوية.

سميحة مبتسمة بخبث: تعبانة ولا في حاجة تانية يا مديحة؟

بحسم ردت مديحة: حيكون في أيه تاني، مفيش أكتر من أني تعبت من تكرار تصوير المشهد ، كمان في مشاهد تانية محتاجة تركيز فقررت استريح شوية علشان ارتاح.

صمتت سميحة قليلا قبل أن تتابع: مش عارفة حسيتك أنت وفوزي كنتم متوترين النهاردة وانتم بتقدموا المشهد.

مديحة: وحنتوتر ليه؟ مفيش حاجة يا سميحة.

سميحة بدلال: على صاحبتك يا مديحة؟

مديحة باستنكار: تقصدي أيه مش فاهمة؟

سميحة بحسم: أقصد أنه فيه استلطاف بينك وبين فوزي، ومش أنا لوحدي اللي حسيت بكده، كل اللي كانوا في البلاتوه النهارده حسوا ده .

تابعت سميحة قائلة: أنت كمان حاسة وعارفة إن اللي بقوله ده صح.

صمتت مديحة ولم تعلق، فيما سميحة كانت تضحك وهي تخرج من غرفة مديحة، التي ظلت تفكر في ما قالته سميحة، وما استشعرته من فوزي، وإحساسها تجاهه، لم تهرب من نفسها، لكنها في النهاية حسمت قرارها بتجاهل ما حدث.

في الأيام التالية لم يكن ثمة قرار مسبق من مديحة وفوزي بتجاهل ما حدث والتعامل بشكل طبيعي، إلا أن كلا منهما تجاهل فعلا ما حدث واستمرا في تصوير بقية مشاهدهما، وكان كل منهما يخشى مواجهة الآخر، حتى جاء موعد تصوير أحد أبرز أغنيات الفيلم {إنت إنت وبس إنت} التي يغنيها لها محمد فوزي ضمن أحداث الفيلم، إلا أنها فوجئت بإلغاء موعد التصوير، وعندما سألت عن السبب أكد لها حلمي أن تلحينها لم ينته، تعجبت مديحة فكانت تعرف مدى التزام فوزي وحرصه على الوفاء بمواعيده.

مديحة: ليه فوزي مالحنش الأغنية.

حلمي: والله يا مديحة فوزي مش مضبوط اليومين دول تقريباً، داخل على قصة حب جديدة.

ردت مديحة بثبات: طيب وماله... القلب وما يريد بس ده مالوش علاقة بالشغل والالتزام بالمواعيد.

حلمي: اعذريه يا مديحة أصله مشغول بإنسانة وخايف يصارحها .

مديحة: طيب ما إحنا أصحابه يا أستاذ يقولنا عليها وإحنا نساعده، نروح نقولها إحنا.

حلمي: بجد يا مديحة ممكن تساعدي فوزي؟

بثبات ردت مديحة: أه طبعا لو ده في مصلحته معنديش مانع، أنت بس قولي هي مين وأنا حأكلمها علطول

حلمي: حتى لو كانت الإنسانة دي هي أنت؟

صمتت مديحة للحظات قبل أن ترد ...