مرسي فرح كطفل حين جلس على كرسي الرئاسة... ونكث تعهدات «فيرمونت» 9 - 10
الإعلامي الكبير حمدي قنديل يروي ذكرياته: «عشت مرتين»
يروي الإعلامي الكبير حمدي قنديل، في هذه الحلقة من مذكراته «عشتُ مرتين» واحدة من أكثر لحظات حياته حرجاً، بعدما ساند حكم جماعة «الإخوان» في الأيام الأولى لتولي الرئيس السابق محمد مرسي، ما دفع عدداً من الثوار إلى اتهامه بالانحياز إلى حكم الجماعة، ما دفعه إلى تقديم الاعتذار عما سماه وقتها الشراكة مع الرئاسة. ويخوض قنديل في كثير من التفاصيل التي اعترت المشهد المصري أثناء فترة الانتخابات الرئاسية وما تخللها من اجتماعات بين القوى الثورية والتيارات المختلفة وكثير من الشخصيات واللاعبين الرئيسيين في الساحة آنذاك ومعهم «الإخوان المسلمين»، أملاً في الحصول على تعهدات بالإبقاء على مفاهيم الدولة المدنية والحرص على عدم انفراد فصيل «الإخوان» بالسلطة.
عندما انتهى سباق الانتخابات الرئاسية عام 2012 بالإعادة بين الدكتور محمد مرسي والفريق أحمد شفيق، اختصرت مقالي في «المصري اليوم» في عدة سطور كانت بمنزلة بيان عنوانه «نداء إلى قوى الثورة»، قلت فيه إن الانتظار لن يطول بنا لأربع سنوات، سيتفجر السخط الشعبي غداً أو بعد غد أياً ما كان الفائز هذه المرة.أجريت الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية يومي 16 و17 يونيو 2012، وفي مساء يوم 21 جاءتني مكالمة من د. محمد البلتاجي يدعوني- مع آخرين- للاجتماع مع مرسي لمناقشة الموقف بعد الجولة الثانية، ولم تكن نتيجة الجولة قد ظهرت بعد.موقف المجلس العسكري كان وقتها غامضاً تماماً، كل ما كنا نعلمه أنه على صلة مستمرة مع الفريق شفيق، لكنه كان قد فتح قناة للاتصال مع «الإخوان» أيضاً من خلال الدعوة السلفية وحزب «النور».السلفيون والجيشكان السلفيون يطبخون شيئاً مع المجلس العسكري في تلك الأيام السابقة على الجولة الثانية للانتخابات، لكن هذه الطبخة لم تنكشف سوى بعد الانتخابات بشهور، عندما صرح الشيخ ياسر برهامي في نوفمبر 2013 أن المجلس كانت لديه مخاوف من سيطرة «الإخوان» على الحكم، إذا فاز مرشحهم في الانتخابات، فاتفق مع السلفيين على أن يطلبوا من «الإخوان» تقديم مبادرة تتضمن توجيه رسالة تطمين قوية لجميع مؤسسات الدولة وجميع أطيافها، والحرص على دعم الدولة الحديثة، وتقديم تعهدات من قبل الرئيس المقبل تضمن تحقيق الاستقرار داخل الوطن، وعدم تصفية مؤسسات الدولة بدعوى مواجهة الفساد، ولكن من خلال إعادة هيكلتها بشكل تدريجي يضمن استقرار كيان هذه المؤسسات (الشرطة، والقضاء، والمخابرات، والمحافظين، والمحليات)، وإعادة النظر في تشكيل الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور... إلخ.لو كان المجلس العسكري قد أفصح عن نواياه عندئذ، أو كان حزب «النور» قد اتصل بالقوى المدنية لكانوا قد شكلوا قوة ضاغطة لا يمكن بحال تجاهلها، خصوصاً أن عدداً من القيادات السياسية البارزة كان قد أعلن عن مبادراته.مع «الإخوان»... مباشرةذهبنا مباشرة إلى «الإخوان المسلمين»، الذين تتركز المخاوف من احتمال لجوئهم إلى العنف إذا ما فاز شفيق، وذهبنا إليهم في العلن وبسرعة، هكذا قررت أن المغامرة تستحق، خصوصاً أن ضررها يقع عليَّ وحدي، ولم أزعم أنني أمثل أحداً، مضيت في طريقي إلى فندق «فيرمونت».عندما دخلت قاعة الاجتماع وجدت عبدالغفار شكر هناك، ثم دخل عبدالجليل مصطفى وبعده حسن نافعة وسكينة فؤاد وعبدالخالق فاروق، الذين كانوا في اجتماع «التيار الثالث» أيضاً، وشارك في الاجتماع كذلك د. عمار علي حسن ود. محمد السعيد إدريس ود. هبة رؤوف والنائب سعد عبود ود. رباب المهدي وأيمن الصياد ووائل قنديل ومحمد الصاوي ود. سيف عبدالفتاح، أما شباب الثورة فكان هناك منهم وائل غنيم وشادي الغزالي حرب ووائل خليل ومحمد القصاص وإسلام لطفي وطارق الخولي وأحمد إمام ومصطفى شوقي، وجاء علاء الأسواني متأخراً، وقال ما عنده في دقائق، ثم غادر لارتباطات أخرى ولم يحضر ثانية.أتيح لي أن أكون أول من تحدث في الاجتماع، كررت مخاوفي مما إذا كان «الإخوان المسلمون» يحشدون الناس في العلن لرفض قرارات المجلس العسكري وإعلاناته الدستورية في الوقت الذي يجرون فيه الاتصالات كعادتهم مع المجلس في الخفاء.وأعاد الكل على مسامع الدكتور مرسي كل ما يزعجهم بلا تزويق ولا مجاملة، بعدها انتقلنا إلى صلب ما ذهبنا من أجله، يا د. مرسي، إذا شاءت لجنة الانتخابات الرئاسية أن تكون الرئاسة لشفيق فنحن هنا معكم لكي نحول دون أن ينزلق البلد إلى شفا هاوية، وإذا كانت الرئاسة من نصيبكم فلن يمكنكم البقاء في الحكم بتأييد «الإخوان» وحدهم، الشعب له مطالب عليكم أن تلبوها، إن تعهدتم بتلبيتها أمام الشعب فسنساندكم، بل ونصطف معكم في جبهة واحدة، وإن حدتم عنها كان هذا فراقاً بيننا وبينكم، طال النقاش بيننا حتى الرابعة فجراً.تعهدات مرسيفي مؤتمرنا الصحافي الشهير يوم الجمعة 22 يونيو، أي قبل إعلان النتيجة بعدة أيام، كررنا نحن ثباتنا على موقفنا، وقلت في كلمتي إننا نرفض الهيمنة باسم الدين أو الاستبداد باسم العسكر وإننا نتسامح فيما مضى من أخطاء، وتعهد محمد مرسي بما تعهد به أمام الناس جميعاً، دولة ديمقراطية مدنية، وكفالة الحريات، وضمان حقوق المواطنة، ونواب رئيس من الأقباط والشباب والنساء مسؤولون عن ملفات محددة، ورئيس حكومة مستقل، وحكومة غالبية وزرائها من غير «الإخوان»، وجمعية تأسيسية للدستور تمثل أطياف الشعب.في اليوم التالي لما سمته الصحافة «إعلان فيرمونت» شُكلت من المجتمعين جبهة سمت نفسها «الجبهة الوطنية لاستكمال الثورة» ضمت أيضا عدداً محدودا من قيادات «الإخوان»، كان من أنشطهم البلتاجي وخالد حنفي (أمين «حزب الحرية والعدالة» في القاهرة فيما بعد)، وعلى الرغم من أنني لم أحضر الاجتماع التأسيسي للجبهة فقد اختارتني منسقاً للجنتها الإعلامية، لكنني لم أتولَّ فعليا هذه المسؤولية.حضرت اجتماعين للجبهة، علمت منهما أن الدكتور سيف عبدالفتاح اختير منسقاً لها، وأن الجبهة أخذت في إرسال ترشيحاتها للمناصب الكبرى إلى الرئيس، وأن أعضاءها اتفقوا على ألا يتولوا أي مناصب في الإدارة الجديدة للدولة، وإن كان الاستثناء الوحيد لهذا القرار هو ترشيح د. عبدالجليل مصطفى رئيساً للوزراء (رفض د. عبدالجليل الترشيح كعادته في الاعتذار عن أي منصب تنفيذي منذ قيام الثورة).وجهاً لوجهفي يوم 14 يوليو بدأ الرئيس مقابلاته التي سميت «مشاورات حول المشهد السياسي الراهن» باجتماعين، كان أولهما مع السفير محمد رفاعة الطهطاوي الذي سمي فيما بعد رئيساً للديوان، والثاني معي، كان انطباعى عنه بعد اجتماعنا المضني في «فيرمونت» أنه رجل طيب على الرغم من أنه كان يحاول الإفلات من الالتزام ببند أو آخر من بنود الاتفاق.بادرني الرجل بترحيب دافئ، وعندما جلسنا دخل في الموضوع مباشرة: «كيف ترى الأوضاع؟»، قلت: «يا سيادة الرئيس، كيف لي أن أدلي برأي صائب وأنا لا أعرف بدقة ما يدور حولك في الكواليس؟».تحدثت عن الوضع بقدر ما فهمته، وفصلت بعض الشيء فيما تداولته جبهتنا في اجتماعاتها، وفي أننا نبعث برؤيتنا بانتظام إلى الرئاسة، لكن ما رجوناه من تشاور يبدو وكأنه اتصال من جانب واحد، بدا على الرئيس الانزعاج، وطلب من الدكتور ياسر علي، الذي كان حاضراً الجلسة، أن يذكِّره بالأمر فيما بعد.أضفت: «موضوع إعادة تشكيل الجمعية التأسيسية للدستور بحيث تكون أكثر توازناً لم يحدث فيه أي تطور، وممثلو الحرية والعدالة في الجمعية لم ينبس واحد منهم بكلمة تشير إلى ما اتفقنا عليه».قال الرئيس: «سنعمل على ذلك»، وأتبع بكلمات امتنان وهو يتذكر الليلة التي توصلنا فيها إلى الاتفاق في «فيرمونت»، سألت: «وهل تسمح لك القوى التي خلف الستار بتنفيذه؟»، بدأ الدكتور مرسي حديثاً مستفيضا فهمت من مجمله أن الرجل مدرك لتعقيدات الموقف، وأنه لايزال يتحسس أقدامه في حقل الألغام الشائك، ولكنه على استعداد لمغامرة محسوبة، كلمني أحياناً بالرمز، وكثيرا بصريح العبارة عن علاقاته المتشابكة مع المجلس العسكري «الذي يحتاج إليَّ وأحتاج إليه»، ومع القضاء، ومع الإعلام، وحتى مع الشرطة.«صياح الميادين»عاد بنا الحديث إلى الوضع العام، قلت: «ربما تندهش يا سيادة الرئيس إذا ما اقترحت عليك التهدئة مع المجلس العسكري لبعض الوقت، نعم، نحن لا نقبل دولة برأسين، لكنني مع ذلك، أرى التريث قليلاً، وأذهب في القول إلى حد مطالبتك بألا تصغي لفترة إلى صياح الميادين حتى لو تصدرتها أصوات «الإخوان»، الناس تود أن تلتقط أنفاسها وتنعم باستقرار يتيح للاقتصاد أن ينتعش بعد الاستقطاب الحاد الذي خلَّفته الانتخابات الرئاسية، لكن واجبك الأخلاقي العاجل هو العفو عن المعتقلين والمحاكمين عسكريا، وغير ذلك مقدور عليه».قاطعني الرئيس: «وهذا سيبدأ مع رمضان، وربما قبله»، استطردت: «وعندما تضطر إلى حسم الأمور الأخرى فيجب أن تُحسم في حزمة واحدة، وأن يتم ذلك بعد تشكيل حكومة وطنية قوية تساندك في مواجهة التبعات»، كنت أقصد العلاقة مع المجلس العسكري، ولكنني أوجزت، خصوصاً أنني لاحظت أن مرسي يتكلم بحساب خشية آلات التنصت كما كنت أتصور.حكومة قنديلوفي يوم 28 يوليو، وبعد أن كلف هشام قنديل بتشكيل الحكومة، اضطررنا للخروج إلى العلن، فعقدنا مؤتمراً صحافياً في «ساقية الصاوي»، أعلنا فيه استياءنا خاصة من تكليف رئيس حكومة يفتقر إلى المعايير التي تم الاتفاق عليها، ومن الغموض الذي يلف قصر الرئاسة فيما يتعلق بتشكيل الفريق الرئاسي، استأنا كذلك من غياب الشفافية بين الرئيس والشعب، ومن انعدام التشاور مع الجبهة، ومن تجاهل تعديل تشكيل اللجنة التأسيسية للدستور، وطالبنا الرئيس بتصحيح المسار، أي اننا عدنا مرة أخرى ننادي بما نادينا به قبل شهر في اجتماعنا في «فيرمونت».بعد تولي مرسي الحكم بخمسة أسابيع، نشرت مقالاً كان عنوانه «أنعي إليكم الشراكة مع الرئاسة»، وجاء ضمن ما جاء فيه... «إن لم يكن قد بلغ الرئيس صدى تشكيل حكومة قنديل، فقد بلغنا نحن، بلغنا في انتقادات حادة حمَّلتنا كشركاء مسؤولية الاختيار، ومسؤولية خداع الرأي العام الذي أوحينا إليه باتفاقنا مع الدكتور مرسي أن الأمور ستسير على نحو أفضل».«اليوم، بعد تشكيل الحكومة على النحو الذي شكلت به، وبعد النكوص عن التعهدات التي أعلنت ضمن اتفاق الشراكة في «فيرمونت»، فإننا لا نستطيع تحمل مسؤولية هذه الشراكة، بل إنها في واقع الأمر لم تعد قائمة».«جمعة الحساب»في خلال ذلك حضرت اجتماعين من تلك الاجتماعات التي كان مرسي يعقدها مع الشخصيات السياسية والثقافية، اكتشفت بعدهما أن هدف هذه الاجتماعات هو الفضفضة ونشر الصور.وعلى الرغم من أنه كان يبدو كما لو كان ينصت إلى من يتكلم باهتمام بالغ ويكتب ملاحظاته كطالب مجتهد، فإنني لاحظت أنه كان منتشياً بكرسيه في الصدارة، تماماً كطفل حصل على لعبة جديدة لم يحصل عليها أي من رفاقه، ولاحظت كذلك أنه أكثر حرصاً على أن يؤم المجتمعين في صلاة العصر بعد كل اجتماع من حرصه على تنفيذ اقتراحاتهم، وهكذا اعتذرت عن الاجتماع الثالث، وأبلغت أمين الرئاسة أن هذه الاجتماعات بلا جدول أعمال وأنه لا جدوى منها.بدأت في الوقت نفسه أدلي بتصريحات أو أكتب في «تويتر» عبارات أكثر حدة، مثل «يصعب الثقة في أن مرسي سيكون حاكماً ديمقراطياً»، «الرئيس أعلن عن أرقام لم يلمسها المصريون»، «ما يفعله الإخوان لم يجرؤ عليه حزب مبارك»، «يا دكتور مرسي وضح لنا علاقتك بصديقك العظيم بيريز»، إلى أن جاءت تظاهرات «جمعة الحساب» في ميدان التحرير يوم 12 أكتوبر، وهي التي خرجت فيها القوى المدنية تحاسب الرئيس على وعود المئة يوم، وتعترض على سياسات الحكم خصوصاً فيما يتعلق بوضع الدستور، وزاد من الاحتقان يومها مهرجان البراءة لكل المتهمين في موقعة الجمل.فجأة اقتحم «الإخوان» الميدان، واعتدوا على المتظاهرين من القوى الثورية، وحطموا المنصة، فطالبت «الإخوان» بالانسحاب على الفور من التحرير، ثم كتبت «ننتظر اعتذار «الإخوان» عن حماقة يوم (الجمعة)، ننتظر بلا أمل»، وبعد أيام نشرت مقالاً في «المصري اليوم» في 22 أكتوبر كان عنوانه «أعلن اعتذاري عن مساندة الرئيس».العشاء الأخيردعوت أعضاء الجبهة بعدها بأيام على عشاء في مطعم «القاهرة 40» في الزمالك فحضر معظمهم، ولم يحضر من الجماعة إلا النائب السابق خالد حنفي، وقلت يومها إنني أردت أن يكون لقاؤنا هذا ودياً لأنني على يقين أنه سيكون العشاء الأخير، وقلت أيضا إن الجبهة ليس لها أي ثقل في المعترك السياسي، وأخذت أعدد ما آلت إليه مطالب «فيرمونت» من ضياع، وأؤكد أننا لم نستطع ولن نستطيع أن نفرض على الرئيس شيئاً. في النهاية قلت إنه لا يمكن لي أن أواصل الانتساب إلى الجبهة إلا لو اعتذر «الإخوان المسلمون» عن أحداث جمعة الحساب، فوعد خالد حنفي بطرح الأمر على قيادتهم، ولكنني كنت أعرف النتيجة مسبقاً، هكذا انفض لقاؤنا والكل مدرك أننا لن نلتقي ثانية في إطار جبهة تأكدنا أنها مجرد وهم، ولم نلتقِ بالفعل.هجوم من كل جانبفي ذلك الوقت دعا حمدين صباحي إلى مؤتمر جماهيري كبير في ميدان عابدين يعلن فيه تأسيس «التيار الشعبي».ألقيت كلمة في المؤتمر دعوت فيها أعضاء التيار للعمل على حصد أغلبية في البرلمان المقبل تمكنّا من الحفاظ على الهوية المصرية وبناء دولة المواطنة والحداثة، وقوبلت الكلمة بحماس من الآلاف التي شاركت في المؤتمر، إلا أنه عند خروجي من السرادق التفت لي واحد من الشباب الذين ينظمون المؤتمر صائحا: «وكانت فين دولة الحداثة دي لما رحت لمرسي؟».لم يكن هناك مجال وسط تدافع الجمهور كي أقول شيئاً، وعندما اتجهت لسيارتي التي لم تكن تبعد أكثر من مئة متر استوقفني في الطريق عدة مرات عدد من الشباب أرادوا أن يناقشوا إعلان «فيرمونت»، وكان أحدهم يتكلم بطريقة فظة في حين كان الآخرون غاضبين تماماً، حتى أن السفير ياسر مراد الذي كان يصحبني انفعل لأنهم تحدثوا إلى خاله على هذا النحو، كانت هذه أول مرة أظهر فيها بين الجماهير، وكانت تجربة مريرة ترددت بعدها في الذهاب إلى «ميدان التحرير» أكثر من مرة.غم واعتذارعندما مررت بالتجربة المُرة الأخرى في مؤتمر التيار الشعبي تضاعف إحباطي، وزاد من الغم أن صحتي أخذت في التدهور، واستمر الحال على هذا النحو حتى الآن. وحرمني ذلك من المشاركة في العمل العام كما اعتدت من قبل، كما زهدت الظهور في برامج التلفزيون.ثم جاءت نكبتي في مرسي وعهوده، التي انتهت بأنني أعلنت لمن وثق بي يوم إعلان «فيرمونت» اعتذاري عن مساندة الرئيس، جاء هذا الاعتذار بعد أربعة أشهر تماماً، نالني خلالها ما نالني من أذى من كل جانب، من أنصار شفيق، ومن أنصار «الإخوان».أما أنصار الثورة فكانوا عاتبين عليَّ أشد العتب، إذ كيف أذهب إلى «الإخوان» على الرغم من درايتي بأساليبهم؟ وكان هناك أيضاً المغرضون الذين صمموا على أنني أنا الذي دعوتهم لانتخاب مرسي قبل جولة الانتخابات الرئاسية، واستمر هذا الأذى يلاحقني حتى الآن، خصوصاً من الكتائب الإلكترونية لـ»الإخوان» التي أدهشتني سفالة الكثير من رسائلها.خداع النفسربما كنت تحت وطأة ضغط نفسي عندما نشرت اعتذاري، لكن الأيام لو عادت بي مرة أخرى إلى تلك اللحظة، بظروفها ذاتها، لما اعتذرت، لقد حاولت أن أصل إلى تعهد من «الإخوان» يضمن استقرار البلد وثباته على طبيعته المدنية كما حاول المجلس العسكري، وحاول البرادعي، وحاول السلفيون، وحاول الكفراوي مع عمرو موسى، وحاول صباحي، وحاولت كل القوى السياسية التي طرحت «وثيقة العهد».لكنني كنت الوحيد الذي اعترفت بالفشل في مسعاه ودفع الثمن غالياً، وكان هذا يكفي، ولم أجد فيه ما يعيب، العيب أن نستمر في خداع أنفسنا، ومن ثم في خداع الناس، لم نكن نحن الذين أخطأنا، مرسي هو الذي أخطأ في حق الشعب، ولذلك استحق الجزاء، أما نحن، فمهما كان تقييم الناس لما فعلناه، ومهما كانت ردود أفعالهم، فلن يثنينا شيء عن مواصلة المسيرة لتحقيق أهداف ثورة 25 يناير التي استكملت في 30 يونيو.«مذبحة إعلامية»كان مرسي يرى أن علاقته بالشرطة ستسوى، خصوصاً بعد الاجتماعات المتتالية التي عقدها مع رجالها، لكنه عندما تحدث عن الإعلام كانت كلماته تنطق بخيبة أمل واضحة، قلت: «نحن الإعلاميين نشكو أيضاً، لكن الكل مع ذلك مؤمن بأمرين أساسيين: ضمانات الحرية، واستقلال الإعلام الرسمي عن الحكومة»، قال الرئيس: «وأنا الآخر، وأؤكد لك أنه لا يمكن أن تحدث مذبحة للإعلام في عهدي».انتقل بنا الحديث إلى التعرض بإيجاز لأوضاع المؤسسات الإعلامية، قلت إنني معترض منذ زمن على وجود وزارة للإعلام، واقتراحي أن تكون للإعلام وزارة دولة لنعطي إشارة إلى أنه ليس في نيتنا الإبقاء عليها إلا لمهمة قصيرة محددة، هي إعادة هيكلة أجهزة الإعلام، عندما طرحت بعض الأسماء المرشحة للوزارة، أدركت من تعليقه أن المجلس العسكري قد تكون له كلمته في الاختيار، وربما لوزارات السيادة جميعاً.نعم لموسى لا للبرادعيأكد الدكتور مرسي في لقائي معه عقب فوزه بالانتخابات الرئاسية أن الحكومة ستتم تسمية رئيسها خلال أيام، وأن اختيار الوزراء متروك لرئيس الحكومة، وإن كان هو معنياً بالأمر بالطبع، شجعني هذا على تذكيره بكفاءات مرموقة، خصوصاً ممن يمكن أن تسقط أسماؤهم من الذاكرة بسبب إقامتهم في الخارج، مثل الدكتور هاني عازر الذي صمم وأشرف على إنشاء محطة سكك حديد برلين، وهي أكبر محطات قطارات في أوروبا، وحصلت على جائزة أفضل محطة في العالم.توقفت أيضاً عند اسم الدكتور محمد البرادعي، وقلت إنه إن كانت هناك عوامل في رأيي تحول دون توليه منصباً دائماً، فمن الممكن مع ذلك أن يكون ممثلاً شخصياً لك في بعض المهام الدولية، وتوقفت أكثر عند اسم عمرو موسى، وقلت: «ليته يكون قريباً منك في موقع يليق به، وليته يقبل»، امتدح الدكتور مرسي بحرارة موقف موسى بعد خسارته الانتخابات، وقال إنه رجل دولة بحق.كان هذا الصمت يقلقنا كثيراً في الجبهة مما دعانا إلى إصدار تصريح صحافي طالبنا فيه الرئيس بتنفيذ تعهداته قبل رمضان، أي في خلال الأسبوعين التاليين.