مواد إضافية مشتقّة من الموسيقى!

نشر في 23-02-2014 | 00:02
آخر تحديث 23-02-2014 | 00:02
كيف يمكن أن تنتج بنية الموسيقى الخفية مواد جديدة أكثر قوة مثل حرير العنكبوت الصناعي؟ الطبيعة غنية بالتركيبات التي تحدد خصائص أصغر أجزاء المادة فضلاً عن خصائص المجرات والكون بحد ذاته. تشرح تلك التركيبة صوت الموسيقى ومحتوى حمضنا النووي في آن.
يتألف عالمنا من تسلسلات هرمية معقدة تتكوّن من مئة عنصر كيماوي مختلف، ويكون ترتيب تلك العناصر داخل الجزيئات كفيلاً بتوفير مجموعة غنية من المواد الموجودة حولنا (بدءاً من جزيئات السكر في الغذاء الذي نأكله وصولاً إلى الأكاسيد في قشرة الأرض). في العالم الحي، تنتج مجموعة محدودة من وحدات الحمض النووي (مع أربعة حروف مختلفة) والأحماض الأمينية (مع 20 نوعاً مختلفاً تقريباً) عدداً من أكثر المواد تنوعاً من حيث الوظيفة، أي المواد التي تبني عظامنا وبشرتنا وأعضاءنا المعقدة مثل الدماغ.

لا تتحدد خصائص أي مادة عبر الوحدات الأساسية نفسها بل عبر طريقة تنظيمها على شكل تسلسلات هرمية. هذا النموذج (حيث تقوم البنية بتحديد الوظيفة) هو أحد أبرز مبادئ الأنظمة البيولوجية وأساس قدرتها الفطرية على النمو وإصلاح الذات والتحول إلى وظائف جديدة. حرير العنكبوت أحد أبرز النماذج اللافتة في مواد الطبيعة التي تنجم عن بروتين بسيط يُنسَج على شكل ألياف أقوى من الفولاذ.

بدأنا نقدّر الأهمية العامة للتسلسل الهرمي، ويطبّق المهندسون هذا المفهوم على تصميم المواد والأجهزة الصناعية.

نقطة البداية

في عالم الموسيقى، تكون مجموعة محدودة من النغمات نقطة البداية للألحان التي يتم تنظيمها على شكل بنى معقدة لابتكار السمفونيات. لنفكر بالأوركسترا مثلاً حيث تعزف كل آلة سلسلة بسيطة نسبياً من الأنغام. لا تصبح تلك الأنغام الصوت المعقد الذي نسميه موسيقى كلاسيكية إلا حين نجمعها. في الأساس، تُعتبر الموسيقى مثالاً على النظام الهرمي حيث تتداخل الأنماط ضمن أنماط أكبر حجماً، بما يشبه طريقة تشكّل الكلمات التي تنتج بدورها العبارات ثم الفصول وصولاً إلى إنتاج رواية كاملة.

استغل الملحنون مفهوم التسلسل الهرمي طوال آلاف السنين، وربما فعلوا ذلك من دون علمهم. لكنهم لم يفهموا تلك الأنظمة بطريقة رياضية إلا أخيراً. تشير هذه المعادلة الرياضية إلى أن مبادئ التلحين الموسيقي تبدو مشتركة بين أنظمة هرمية متنوعة ظاهرياً، ما يعني وجود مجالات تستحق الاستكشاف. بدءاً من الفيزياء الأساسية في نظرية الأوتار وصولاً إلى المواد البيولوجية المعقدة، تظهر وظائف مختلفة في عدد صغير من الوحدات الأساسية العالمية. هذا ما نسمّيه {نموذج التنوع العالمي}.

تستعمل الطبيعة ذلك النموذج لتصميم موادها، ما يولّد وظائف جديدة عبر هياكل جديدة تُبنى من خلال استعمال الوحدات المتوافرة بدل الاتكال على أسس جديدة. لكن على مر العصور، لطالما اتكل البشر على مقاربة مختلفة بالكامل لبناء عالمنا، فطرحوا مادة أو وحدة أساسية حديثة حين تبرز الحاجة إلى وظيفة جديدة. على سبيل المثال، تتألف الطائرة من آلاف المواد المختلفة التي نشأت في الأصل من مصادر متباعدة جداً، مثل المواد البلاستيكية أو المعدنية أو الخزفية. لا تكون الوحدة الأساسية بحد ذاتها مسؤولة عن حصر قدرتنا على إنشاء مواد مستدامة تكون أقوى أو أفضل، بل يتعلق الأمر بعجزنا عن السيطرة على طريقة ترتيب تلك الوحدات الأساسية.

تطبيقات طبية

لتجاوز هذه الضوابط، أحاول تصميم مواد جديدة بالطريقة التي تستعملها الطبيعة، مثل الحرير الذي يستخدمه المصممون ومواد أخرى للتطبيقات الطبية والهندسية. نريد أن نكتشف ما إذا كنا نستطيع إعادة صياغة تصميم المادة عبر استعمال مفهوم النغمات والألحان والإيقاعات. هل يستطيع الملحن أن يبتكر مقاربة مختلفة جذرياً في التصميم؟

تتمتع أدمغتنا بقدرة طبيعية على التعامل مع الهيكل الهرمي للموسيقى، وهي مهارة قد تفتح المجال أمام إمكانات ابتكارية أفضل لفهم وتصميم المواد الاصطناعية. على سبيل المثال، صممنا في أحدث أعمالنا سلاسل مختلفة من الأحماض الأمينية استناداً إلى أحماض موجودة طبيعياً، فأضفنا أصنافاً متنوعة لابتكار موادنا الخاصة على أن تتمتع بخصائص أفضل. لكنّ طريقة تفاعل مختلف سلاسل الأحماض الأمينية لتشكيل الألياف تبقى لغزاً كبيراً ويصعب مراقبة العملية خلال التجارب. لفهم ما يحصل بشكل أفضل، حوّلنا العملية التي تسمح بنسج سلاسل الأحماض الأمينية على شكل ألياف حريرية إلى ألحان موسيقية.

خلال عملية التحول من الحرير إلى الموسيقى، استبدلنا وحدات البروتين الأساسية (سلاسل الأحماض الأمينية) بوحدات موسيقية مناسبة (نغمات وألحان). أثناء عزف الموسيقى، كنا نستطيع {سماع} سلاسل الأحماض الأمينية التي صممناها واستنتجنا كيف يظهر بعض صفات المواد، مثل القوة الميكانيكية، في المساحة الموسيقية. ساهم الإصغاء إلى الموسيقى في تحسين طريقة فهمنا للآلية المستعملة كي تتفاعل سلاسل الأحماض الأمينية لتشكيل مادة معينة خلال عملية غزل الحرير. تحولت سلاسل الأحماض الأمينية التي شكّلت أليافاً حريرية بنوعية رديئة مثلاً إلى موسيقى عدائية وقاسية، بينما بدت السلاسل التي شكّلت أليافاً بجودة أفضل أكثر ليونة وسلاسة كونها تشتق من شبكة أكثر تداخلاً. في عملنا المستقبلي، نأمل أن نحسّن تصميم الحرير عبر تعزيز تلك المزايا الموسيقية التي تحسن خصائص العمل، أي التشديد على نغمات أكثر نعومة وسلاسة وتداخلاً.

تترافق هذه المقاربة مع تداعيات تتجاوز عملية تصميم مواد جديدة. في المستقبل، قد نتمكن من تحويل النغمات لتصميم سلاسل أفضل من الحمض النووي أو الأحماض الأمينية، أو حتى إعادة ابتكار أنظمة النقل في المدن. وراء هذه المقاربة، ثمة فرع من الرياضيات اسمه {نظرية الفئة} وهو يصف طابع الروابط بين مختلف الأجسام داخل نظام معين. ترصد {نظرية الفئة} مواصفات مشتركة بين أنظمة تبدو مختلفة، ما قد يسمح بالتنقل من مجال إلى آخر.

أنماط عالمية

من خلال استعمال {نظرية الفئة}، يمكن أن نكتشف أنماطاً عالمية توفر مخططات عن عالمنا. قد نتمكن من إنتاج جميع المواد التي نعرفها (جزيئات، أنسجة حية، موسيقى، الكون) عبر تطبيق أنماط عالمية على مظاهر مادية مختلفة. على سبيل المثال، يمكن رسم نمط من الوحدات الأساسية على شكل موسيقى لابتكار نغمة معينة أو على شكل حمض نووي لإنتاج بروتين معين. تتقاسم الظاهرتان القواعد الأساسية نفسها بسبب الترابط بين الوحدات، لكن تبقى الوحدات الأساسية الفعلية مختلفة. في العمليتين معاً، نختار الخصائص وفق المعايير التي نريد تطبيقها: موسيقى {جميلة} أو بروتين {قوي} مثلاً.

قد يبدو استعمال الموسيقى كأداة لابتكار مواد أفضل فكرة غير مألوفة. لكن حين ندرك أن الرياضيات الكامنة وراء بنية الموسيقى تبدو مشتركة في عدد كبير من مجالات الدراسة، يصبح المفهوم منطقياً. لا تميّز الطبيعة بين الأمور الفنية والمادية لأن جميع هذه المظاهر هي مجرد أنماط هيكلية في الزمان والمكان.

back to top