أدوية أكثر ذكاءً بفضل جزيئات مهندسة
برزت بوليمرات مصمَّمة بشكل خاص لتتمكن من الاحتيال على الدفاعات المناعية في الجسم لإيصال دواء حيوي إلى المنطقة الأكثر حاجة إليه.
نادراً ما نفكر بالأمر حين نقدم وصفة طبية في الصيدلية أو نعيد ملء طلب عبر الخدمة على الإنترنت، لكنّ إيصال الدواء إلى الموقع المستهدَف داخل الجسم يطرح مشكلة أساسية في علم المواد.
نادراً ما نفكر بالأمر حين نقدم وصفة طبية في الصيدلية أو نعيد ملء طلب عبر الخدمة على الإنترنت، لكنّ إيصال الدواء إلى الموقع المستهدَف داخل الجسم يطرح مشكلة أساسية في علم المواد.
يبدأ التحدي في لحظة دخول الدواء إلى الجهاز الهضمي أو مجرى الدم. يسعى الجسم طبيعياً إلى الدفاع عن نفسه ضد أي غزو خارجي، حتى لو كان العنصر الدخيل دواءً ينقذ الحياة. تعمل بعض دفاعاتنا الداخلية بطريقة استراتيجية للقضاء على العناصر الدخيلة على مستوى الجزيئات، مثل الأجسام المضادة التي يطلقها جهاز المناعة حين يهاجم كيانات غير مألوفة في مجرى الدم. وتتحرك دفاعات أخرى تشمل الجدران الفيزيائية لتنظيم العناصر الدخيلة، مثل الحاجز بين الدم والدماغ، وهو عبارة عن شبكة من الشعيرات الدموية التي تفصل الدماغ عن مجرى الدم.حتى لو نجح المركّب العلاجي في إزالة هذه العقبات، قد يفشل في مهمته إذا مُنع من الذوبان بشكل مناسب، أو إذا ذاب بسرعة مفرطة أو تخلّص منه الجسم قبل أن يعطي مفعوله. حين يصل الدواء الفاعل إلى الموقع الصحيح في الجسم (بنسبة التركز المناسبة) ويتابع العمل خلال المدة المثالية، تعكس هذه المرحلة نهاية مسار طويل جداً من العقبات.
ينجح بعض الأدوية في التنقل بسلاسة وصولاً إلى الموقع المستهدَف، بينما تواجه أنواع أخرى تحديات كثيرة على طول الطريق. لسوء الحظ، تشمل هذه الفئة الثانية الأدوية الأساسية للوقاية من أخطر الأمراض مثل السرطان.لتطوير عناصر علاجية أكثر فاعلية، يجب ألا يكتفي الباحثون بابتكار أدوية مستدامة بل مواد تكيفية لإيصال الدواء إلى المنطقة الصحيحة، علماً أن هذه المواد قد تتفاعل مع التغيرات الحاصلة في البيئة المحيطة عبر تغيير خصائصها الفيزيائية.بفضل التقدم الكبير الذي سُجّل في مجال الهندسة الجزيئية، يستطيع العلماء الآن أن يصمموا مواد كي تتفاعل مع أنواع معينة من الحوافز الخارجية، بما في ذلك الحرارة، الحموضة، القوة الميكانيكية، الضغط، الجهد الكهربائي، المذيبات، والعناصر الكيماوية، وحتى الحقل المغناطيسي أو القوة الأيونية أو أطوال موجية معينة من الضوء. يمكن أن تختلف طبيعة التفاعل أيضاً: في ظل الظروف المناسبة، قد تحصل تعديلات في شكل المواد أو خصائص السطح أو عملية التجميع الذاتي، أو على مستوى تشكّل جزيئات أكثر تعقيداً والانتقال إلى الحالة الفيزيائية.تستهدف مختلف المواد أنواعاً مختلفة من المشاكل. يتحول أحد الأنواع إلى هلام حين يسخن، ثم يتخذ شكل سائل مجدداً عندما يبرد. ويمكن نسج مادة أخرى على شكل قماش قد يتفكك ويعيد تشكيل روابط كيماوية رداً على التحفيز الضوئي، ما يمكّنها من أداء دور المجسّ الضوئي. يتم تطوير هذه المواد الذكية وغيرها في الوقت الراهن في مختبرات حول العالم. توفر هذه المواد تطبيقات تتراوح بين نقل العلاجات وهندسة الأنسجة والفصل البيولوجي للأنظمة البصرية الذكية والمجسات والأغلفة.تدخل المواد الذكية الجديدة مجتمعةً في خانة يسميها علماء الكيمياء {بوليمرات}. أبرز ما يميز البوليمرات أنها تنبثق من سلاسل متكررة من جزيئات أصغر حجماً تشبه الخرز المتطابق. هذه البنية المتقلبة بارزة في العالم الطبيعي كله، ما يشكّل أساس المواد المتنوعة التي تشمل المطاط وقشرة الخنافس والخيوط الحريرية لشبكة العنكبوت.الخرز الموجود في البوليمر (يُعرَف في عالم الكيمياء باسم {مواحيد} أو {مونومرات}) يكون كله متشابهاً ومترابطاً في ما بينه، ويضمن هذا الترتيب القوة والمرونة للبوليمرات. كذلك، يمكن أن تتراكم مونومرات مختلفة في البوليمرات. لطالما كانت هذه المركبات جزءاً مهماً من حِيَل علماء الكيمياء، لكنها كانت تتطلب هندسة على مستوى الجزيئات لجعل البوليمرات {ذكية}، ما يسمح لها بالتكيف بطرق إيجابية مع التغيرات في البيئة المحيطة.جزيئات تشعر بالحرارةيركز العمل في مختبرنا بشكل أساسي على تطوير بوليمرات ذكية تتفاعل مع تغيرات الحرارة. إذا كانت البنية الكيماوية للبوليمر تشبه سلسلة طويلة من الخرز المتطابق، تكون المواد التي تتفاعل مع الحرارة مصنوعة من بوليمرات حيث يغيّر الخرز العالق في المحلول سلوكه حين تبلغ الحرارة عتبة معينة.فوق تلك الحرارة الحاسمة، تتحول الجزيئات الفردية للبوليمر من مادة أليفة للماء إلى مادة نافرة للماء، بمعنى أنها تغير شكلها وتسمح لجزء أصغر من سطحها بالاحتكاك بجزيئات الماء المحيطة. هذا التغيير يعيق شبكة الهيدروجين بين سلاسل البوليمر وجزيئات الماء الموجودة في المحلول. تُطرَد الماء بسرعة وتسقط سلاسل البوليمر في الكريات، ما يجعل المواد التي تتفاعل مع الحرارة تخرج سريعاً من المحلول. إذا تراجعت الحرارة تحت مستوى النقطة الحاسمة، تتحول جزيئات البوليمر مجدداً من مواد نافرة للماء إلى مواد أليفة للماء، فتمتص كمية كبيرة من الماء وتحول المواد من جسم صلب إلى محلول.صحيح أن التجارب لاحظت حصول هذه المرحلة الانتقالية في الاتجاهين وتمّ توثيقها في مواد بوليمرية مختلفة، لكن يتابع العلماء الجدال حول سبب حصول ذلك. وفق إحدى النظريات، تُعتبر إعاقة التفاعلات بين البوليمر والماء العامل الأساسي الذي يسيطر على المرحلة الانتقالية. تعتبر نظرية ثانية أن التغيير الأهم يحصل في البنية المحلية لجزيئات الماء التي تحيط بالجماعات النافرة للماء من البوليمر. توفر نظرية ثالثة شكلاً من التوازن بين الاحتمالين: عند بلوغ الحرارة الحاسمة، تخضع سلاسل البوليمر لخليط من التغيرات التي تحصل في جزيئات الهيدروجين المترابطة وفي التفاعلات النافرة للماء داخل المحلول.يمكن تفسير المرحلة الانتقالية في البوليمرات التي تتفاعل مع الحرارة من وجهة نظر الديناميكا الحرارية. على حرارة معينة، من الأفضل الفصل بين المراحل على مستوى الطاقة. اعتلاج الماء يكون أعلى في الحالة الأقل تنظيماً، من دون وجود سلاسل البوليمر العالقة فيها.عند الغوص في عمق التفسير من وجهة نظر الديناميكا الحرارية، يتبين لنا في البداية أن جزيئات الماء تكون عالقة بسبب ترابط الهيدروجين مع المجموعات القطبية لسلسلة البوليمر. تلك الجزيئات المائية العالقة تشكّل قشرة رقيقة من البنية المنظمة حول جزء البوليمير الأليف للماء. في غضون ذلك، تتفاعل الجزيئات المائية في ما بينها في مكان آخر من المحلول لتشكيل بنية منظمة تشبه الجليد حول الجزء النافر للماء في سلسلة البوليمر. تساهم شبكة الهيدروجين المترابطة في إحداث تغيير سلبي أكبر في عملية الاعتلاج، ما يعني التحول إلى وضع أكثر تنظيماً. عند رفع الحرارة، تتوافر طاقة كافية لإعاقة ترابط الهيدروجين داخل التفاعل بين الماء والبوليمر. نتيجةً لذلك، تتفكك أغلفة الماء الرطبة حول البوليمرات وتُجبَر الجزيئات المائية خلال ثوانٍ على الغوص في عمق الماء.لكنّ أهم حقيقة بشأن المواد التي تتفاعل مع الحرارة هي أنها فاعلة.نقل الدواء الذي يتفاعل مع الحرارةتصنّع البوليمرات التي تتفاعل مع الحرارة أسساً جيدة لأنظمة نقل الأدوية الذكية، نظراً إلى قدرتها غير المسبوقة على تغيير خصائصها الفيزيائية، رداً على تغيرات الحرارة، وهي تحقق ذلك وحدها أو بالتعاون مع مواد أخرى. سارع علماء الطب والتقنيون البيولوجيون والباحثون في مجال الأدوية إلى اقتناص الفرصة. أصبح عدد متزايد من أنظمة نقل الأدوية المبنية على البوليمرات قيد التطوير. في بعض الحالات، تتم هندسة بوليمر معين لتحقيق هدف محدد. تُستعمل منصة ReGel® على نطاق واسع وهي من إنتاج شركة {أليرغان} (Allergan) ويتم تسويقها على شكل تركيبتين: OncoGel® عند إضافة العنصر العلاجي الكيماوي {باكليتاكسيل} لمعالجة سرطان المريء، و Cytoryn™عند إضافته إلى {الأنترلوكين 2} (Interleukin-2) لتوفير علاج مناعي للسرطان. بطريقة مماثلة، يُستعمل دواء Timoptic-XE® لنقل عنصر {تيمولول} بوتيرة بطيئة لمعالجة ارتفاع ضغط الدم داخل العين.في جامعة ولاية كارولينا الشمالية الوسطى، كان مختبرنا رائداً في تطوير الهلام السائل LiquoGel، وهو بوليمر اصطناعي آخر يتفاعل مع الحرارة لإيصال الدواء إلى الموقع المستهدَف. (قدمنا طلباً لنيل براءة اختراع على هذا الابتكار، لكن لم نبدأ بتسويقه بعد). على حرارة الغرفة، يشكّل الهلام السائل LiquoGel محلولاً مائياً يمكن حقنه بالإبرة في مواقع محددة من الجسم. حين يصل إلى الموقع الصحيح، يسخن المحلول إلى أن يساوي حرارة الجسم ويتخذ شكل هلام. يصبح الدواء العلاجي الموجود في المحلول عالقاً داخل الهلام على أن يتم إطلاقه تدريجاً في موقع الحقن تزامناً مع تلاشي الهلام.التغيرات الفيزيائية للهلام LiquoGel عند تعرّضه لحرارة خفيفة تجعله مناسباً لمجموعة متنوعة من التطبيقات الطبية. في واحدة من أبرز التطبيقات التي جرى اختبارها على نطاق واسع حتى الآن، حدد الباحثون في جامعة ديوك أهدافاً لمعالجة أورام الرحم الليفية، ويمكن أن يكون هلام LiquoGel أساسياً في هذا المجال لنقل الأدوية غير القابلة للذوبان والعالية الفاعلية.ينمو الورم الليفي المؤلف من عضل ونسيج ليفي في الرحم عند 70% إلى 80% من النساء الأميركيات بعمر الخمسين. صحيح أن أورام الرحم الليفية تكون حميدة لكنها تسبب مشكلة بارزة في الوضع الصحي العام حين تسبب الألم أو نزيفاً مفرطاً خلال الدورة الشهرية أو مشاكل في فترة الحمل. هذه الحالة تُعتبر اليوم المؤشر الرئيس الذي يبرر استئصال الرحم في الولايات المتحدة، وهي ترفع تكاليف الرعاية الصحية سنوياً فوق المليارَي دولار. مع ذلك، تبقى الخيارات العلاجية الراهنة للأورام الليفية في الرحم غير مُرضية.يمكن أن تقضي الإجراءات الجراحية (استئصال الورم العضلي، انصمام الشريان الرحمي، الموجات فوق الصوتية الموجَّهة بالرنين المغناطيسي) على الأورام الليفية تزامناً مع الحفاظ على الرحم، لكن تبقى هذه العملية مطولة ومكلفة وغالباً ما تعود الأورام الليفية للظهور في المرحلة اللاحقة. تكون العلاجات الطبية أيضاً قصيرة الأمد أو تترافق مع آثار جانبية بارزة أو تُعتبر نتائج التجارب العيادية مخيبة للأمل. الجزيئات الفاعلة في الدواء موجودة (أدت مستقبلات البروجسترون الانتقائية مثلاً إلى تقلص الأورام الليفية وتحسن العوارض)، لكنها لم تحصل بعد على موافقة إدارة الغذاء والدواء بسبب المخاوف من أثر تلك العناصر على بطانة الرحم.نهجٌ جديد استعمال البوليمرات لإيصال العنصر العلاجي مباشرةً إلى الأورام الليفية في الرحم هو نهج جديد يمكن أن يخفف الآثار الجانبية المنهجية بنسبة مهمة. كمنفعة إضافية، يمكن استعمال طريقة حقن الدواء مباشرةً في الورم الليفي لنقل ببتيدات صغيرة يمكن أن تتلاشى في الجهاز الهضمي إذا أُخذ الدواء عن طريق الفم. قد تساهم معالجة الأورام الليفية عبر الحقن الموضعي (يمكن إتمام هذه العملية في عيادة الطبيب) في تحسين القدرة على مساعدة كل امرأة تريد الاحتفاظ بخصوبتها تزامناً مع الارتياح من العوارض المزعجة في الرحم. كذلك، من خلال إبطاء عملية نشر الدواء بعيداً عن الورم الليفي المحقون وإطالة فترة إطلاق الدواء وتأخير إبطال مفعوله، يُفترض أن تنجح العلاجات المبنية على البوليمرات في تقليص الحاجة إلى الحقن المتكررة.صمّمت فِرَق بحث أخرى نوعاً مختلفاً من الأنظمة لنقل الدواء الذي يتفاعل مع الحرارة، ويستعمل هذا النظام جيباً اصطناعياً مليئاً بسائل اسمه {جُسَيم شحمي}، وهو يُستخدم لمعالجة حالات طبية متنوعة. صحيح أن الجسيمات الشحمية لا تظهر تلقائياً، إلا أنها تشتق من بوليمرات بيولوجية: تكون طبقتها المزدوجة، أي الغشاء الذي يغلفها، مصنوعة من الشحوم الفسفورية الموجودة في جميع الخلايا الحية.تختبر التجارب العيادية الراهنة تلك الجسيمات الشحمية الحساسة تجاه الحرارة ضمن تطبيقات متعددة. على سبيل المثال، يمكن أن تنقل الجسيمات الشحمية الحساسة تجاه الحرارة التي تتراوح بين 40 و45 درجة مئوية الدواء المضاد للورم {دوكسوروبيسين} (معروف تجارياً باسم {ثيرمودوكس} من إنتاج مؤسسة {سيلزيون}) إلى مواقع معينة. اليوم، أصبح نظام نقل الأدوية في المرحلة الثانية من التجارب العيادية المعنية بمعالجة سرطان الثدي والأورام الخبيثة في الكبد والقولون والمستقيم، وقد دخل ذلك النظام حديثاً في المرحلة الثالثة من التجارب لمعالجة سرطان خلايا الكبد الأولي.لكن وصف فريق بحث بقيادة ز. س. الأحمدي من «مركز اكتشاف الأدوية» في جامعة «كوليدج لندن» مقاربة أخرى تستعمل خليطاً هجيناً من الببتيدات والجسيمات الشحمية إلى جانب سلسلة من حمض اللوسين الأميني المترسخ في الطبقة الدهنية المزدوجة. يجمع هذا النظام بين منفعة جمع جزيئات متعددة مثل الجسيمات الشحمية الحساسة تجاه الحرارة (الطبقة الدهنية المزدوجة بالإضافة إلى الدواء في الداخل) من جهة، وميزة التفاعل مع الحرارة عبر الكشف عن بنيتها البروتينية من جهة أخرى. على درجات الحرارة الباردة، ينقلب جزء الببتيد على نفسه. لكن فوق الحرارة الحاسمة (بين 40 و45 درجة مئوية)، تنفتح ثنية الببتيد الأولية مثل السحّاب، ثم يُفتَح الغشاء الخارجي للطبقة المزدوجة وينتشر الدواء في الموقع المستهدَف. بفضل القدرة على تنظيم الحرارة الحاسمة وتبدّل طريقة ترتيب الجزيئات رداً على الحرارة، تصبح ببتيدات اللوسين جذابة لتصميم حويصلات ذكية لإيصال الدواء إلى الموقع الصحيح.يجب أن تتمكن الجسيمات الشحمية المناسبة لنقل الأدوية داخل الجسم من إطلاق محتوياتها، لكن لا تصبح الجسيمات الشحمية كافة قابلة للاختراق بالطرق نفسها. في بعض الحالات، تصبح الطبقة الدهنية المزدوجة شبه هلامية ثم تتلاشى في الجسم وتطلق الدواء تدريجاً. وفي حالات أخرى، يتفكك الببتيد المترسخ في الطبقة المزدوجة ويترك فجوة وراءه.لفتح الجسيمات الشحمية في ظل الحرارة المناسبة، ربما تتعلق الآلية الأقل توقعاً باستعمال الفقاعات. تتكل هذه المقاربة المبتكرة على إنشاء فجوات قابلة للاختراق في الطبقة الدهنية المزدوجة عبر فقاعات ثاني أكسيد الكربون. ينشأ ثاني أكسيد الكربون (إلى جانب الماء والأمونياك) نتيجة تحلل بيكربونات الأمونيوم (أي ما يُعرَف بصودا الخبز) على حرارة 42 درجة مئوية تقريباً. (إنه المبدأ نفسه الذي يُستعمل لنفخ الخبز والحلوى). في هذا النوع من أنظمة نقل الجسيمات الشحمية، ترفع فقاعات الغاز الموجودة داخل الغشاء مستوى الضغط وتشوه ترتيب الطبقات الغشائية المزدوجة. فيما تخترق فقاعات ثاني أكسيد الكربون الطبقة الدهنية المزدوجة، يتم إطلاق الدواء المجزّأ سريعاً. لا تولّد الفقاعات الفجوات اللازمة في الطبقة الدهنية المزدوجة لتمكين الدواء من التسلل فحسب، بل تساعد على تحقيق نتائج أوضح، أيضاً، عبر تصوير الأنسجة الموجَّهة بالموجات فوق الصوتية.تعقب الضوءإلى جانب المواد التي تتفاعل مع تغيرات الحرارة، ثمة فئة من البوليمرات الذكية والغامضة تنجم تغيراتها عن الضوء. وبما أن الضوء هو حافز واضح يسمح بالتحكم عن بُعد من دون أي احتكاك جسدي، تكون تلك البوليمرات التي تتفاعل مع الضوء مفيدة في مجموعة واسعة من التطبيقات، بما في ذلك الأنظمة البصرية الذكية والأنظمة الكهروكيماوية الصغرى والمجسات والأقمشة والأغلفة والخلايا الشمسية.اليوم، أصبحت المواد الذكية تتفاعل مع الضوء وتغير لونها رداً على المواد الضوئية تحت المجهر. في مختبرنا، ندرس راهناً فئة معينة من البوليمرات التي تضيف مركباً عضوياً اسمه {سبيروبيران}. هذا الجزيء لديه بنى دائرية الشكل وهو يفتح وينغلق عند تعرّضه لأطوال موجية معينة من الضوء، أو عند تغير مستوى الحموضة في بعض الحالات. يؤدي تشقق الحلقة الدائرية في موقع الترابط بين الكربون والأكسجين إلى نشوء مجموعة لونيّة (المنطقة التي تنتج اللون)، وهي تمتص الضوء المرئي بقوة. على غرار المواد الذكية الأخرى التي ناقشناها في هذه المقالة، يبدو هذا البوليمر واعداً بالنسبة إلى تطبيقات الطب الحيوي على مستوى التغليف وإطلاق الأدوية بشكل مستهدَف.في تطبيق مختلف بالكامل، يستعمل قطاع الأقمشة البوليمرات التي تتفاعل مع الضوء وتُنسَج على شكل نظام لإنتاج ملابس تغيّر لونها أو تكشف نمطاً منقوشاً تحت أشعة الشمس، أو لابتكار ألياف تشير إلى التعرض المفرط للشمس، وهي ميزة مهمة في ملابس الأولاد مثلاً.يمكن تصميم المواد الذكية كي تقود الإلكترونات رداً على امتصاص الإشعاع الكهرومغناطيسي. ويمكن رفع الإلكترون فوراً إلى مستوى أعلى من الطاقة. لكن سرعان ما يتراجع معدل الطاقة في الإلكترون إلى أدنى المستويات حين يخسر الفوتون.ألواح ضوئيةتُستعمل المواد الذكية لجمع أشعة الشمس واستعمالها في أنظمة الألواح الضوئية. لكن في الوقت الراهن، لا تقدم هذه البوليمرات أداءً فاعلاً بقدر المواد شبه الموصلة المستعملة في قطاع الحوسبة. لكن تُعتبر البوليمرات إحدى مواد الجيل المقبل في مجال الألواح الضوئية، لأن تصنيعها غير مكلف بأي شكل. لقد أصبحت قيد التحضير لتحسين أداء الخلايا الشمسية المبنية على البوليمرات.في الحالة المثلى، ستتفاعل نماذج البوليمرات مع مجموعة واسعة من أنواع الضوء (بدءاً من الأشعة تحت الحمراء وصولاً إلى الأطوال الموجية المرئية)، ما يزيد فاعليتها في الأجهزة الإلكترونية مثلاً. يسعى فريقنا إلى تحقيق هذا الهدف، وهو يبدي اهتمامه دوماً بتطوير مواد معروفة باسم {أوليغومرات البارافنلين». تشير الدراسات التجريبية والنظرية الحاصلة ضمن فريقنا إلى أن إلحاق تلك الجزيئات بجماعات جزيئية إضافية، يجعل البوليمرات تتفاعل مع الضوء لامتصاص موجات أطول وأكثر احمراراً من الضوء. يمكن تعديل هذه المواد كي تتفاعل مع مجموعة أوسع من الضوء عبر إضافة فئة قوية من متقبّلات الإلكترون.البوليمرات التي تحتوي على معادن انتقالية مثل الروثينيوم تكون مناسبة بقدر الهوائيات لجذب الضوء، هذه الميزة كفيلة بتسهيل امتصاصه ونقل الإلكترونات (و/أو نقل الطاقة) داخل المادة. عمد فريقنا، بالتعاون مع زملاء من جامعة نورث كارولينا – شابل هيل، إلى استعمال الروثينيوم إلى جانب بوليمير آخر لتشكيل نظام هجين يبدو واعداً جداً (مثل الروثينيوم 2). يُفترض أن يساهم هذا النوع من التحقيقات في تحسين طريقة فهمنا لعملية نقل الإلكترون وطاقة الفوتون داخل البوليمرات التي تتفاعل مع الضوء. تشير أحدث الدراسات إلى أن الترتيب المكاني النسبي بين أيونات الروثينيوم في البوليمير هو معيار أساسي كونه يؤثر على طريقة نقل الإلكترونات عبر النظام. هذا النوع من الاكتشافات يقرّبنا من تطوير خلايا شمسية مبنية على البوليمرات ويمكن أن تنافس محطات توليد الطاقة العاملة على الفحم والغاز الطبيعي. إن فهم الفيزياء الداخلية وراء البوليمرات التي تمتص الضوء هو عامل أساسي لإحراز تقدم إضافي في هذا المجال.أصبحت المصفوفات الضوئية المبنية على السيليكون شائعة الاستعمال مع أنها تُعتبر تقليدية، لكن يمكن أن تقدم الأجهزة الشمسية المبنية على البوليمرات منافع مهمة. تطوير البوليمرات هو مشروع غير مكلف، إذ يسهل تصنيع كميات كبيرة منها بوزن خفيف مع تعديلها كي تتماشى مع مجموعة واسعة من معايير التصميم. سيكون تحسين هذه التكنولوجيا وتسويقها تطوراً مفيداً لقطاع الألواح الشمسية فضلاً عن قطاع النسيج الذي سيتمكن من إنتاج مواد ذكية تنقل الإلكترونات وتتحول إلى أقمشة. وقد يصبح القطاعان متداخلين في أحد الأيام. عند إضافة المواد الذكية التي تتفاعل مع الضوء إلى الأقمشة، قد تتغير طريقة تفاعلنا مع أجهزتنا الإلكترونية، ما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى ابتكار أجهزة يمكن شحنها حين تحتكّ بملابسنا.احتمالٌ حقيقيبعد مرور عقود قبل أن تصبح المواد الذكية شائعة الاستعمال، بدأت تلك المواد تصبح أداة مهمة، اليوم، في الطب الحيوي والتكنولوجيا الحيوية. يمكن أن يؤدي جمع البوليمرات مع تركيبات كيماوية وظيفية أخرى إلى نشوء مجموعة غير محدودة من المواد الذكية.في المستقبل القريب، ستؤدي البوليمرات الذكية دوراً في تعقب التغيرات على مستوى الحموضة في الكلى لمراقبة التوازن الفيزيولوجي، ورصد المؤشرات في الأنزيمات الموجودة داخل الأوعية الدموية لإصلاح الانسدادات، ونشر المركبات البيوكيماوية في الموقع الصحيح لإصلاح البروتينات الشائبة بسبب الأمراض العصبية التنكسية مثل الزهايمر والباركنسون وداء هنتنغتون، وتشكيل حوافز كيماوية وبيوكيماوية لتنظيم المركبات الدموية مثل الغلوكوز، وإعاقة الإشارات الكيماوية التي يمكن أن تحفز سرطان الجلد.كانت المواد الذكية التي تتفاعل مع المحفزات الفردية مثل الضوء والحرارة مجرد احتمال نظري في السابق لكنها أصبحت الآن احتمالاً حقيقياً. تلك المواد بالغة الأهمية بالنسبة إلى العلماء الذين يبحثون عن طرق جديدة لمعالجة الأمراض والالتفاف حول دفاعات الجسم الحذقة لكن العكسية.