أوهام النسر العربي... صراع على طائر

نشر في 29-04-2014 | 00:02
آخر تحديث 29-04-2014 | 00:02
في معرضه الأخير في غاليري {أيام}، قدَّم الفنان العراقي أثير موسوي (مواليد 1982)، سلسلة أعمال من بينها مجموعة {النسر} التي يطرح فيها ظاهرة {نسر صلاح الدين} كشعار منتشر على نطاق واسع للقومية العربية وعلى صلة بصلاح الدين، أول سلطان لمصر وسورية.
يلفت الفنان أثير موسوي في مجموعته}النسر} إلى أن انتشار الأخير كشعار للقومية العربية لا يصوِّره كبيضة أو كطائر بل يصوره في طوره {الأميبي}، فالفنان يرى ازدواجية في الرمز: {من جهة نجده ملصقاً بمكر على العملات النقدية وعلى جواز السفر العراقي وعلى الرايات والبيارق وشعارات الجيش، ممثلا بذلك كذبة. ولكن النسر من جهة أخرى مجرد كائن حي، خاضع لدورة الولادة والموت كبقية الكائنات الأخرى}.

اللافت أن ثمة هوساً عربياً بالنسر، أو العقاب، وتحول استعماله في الشعارات الرسمية لبعض البلدان العربية نوعاً من فن البوب آرت على شاكلة آندي وارهول، وهو فن كيتشي شعبوي.

وللنسر قصته في الماضي والحاضر وتتشعب حكايته في السياسات والتواريخ. فعام 1953 صمم عدد من الفنانين التشكيليين شعاراً مستوحى من «نسر صلاح الدين» بعد إعلان الجمهورية في مصر، ونقش الشعار في قاعة مجلس الأمة المصري الذي أصبح الآن مجلس الشعب، وضربت العملات النقدية والتذكارية وعليها نقش الشعار. وكانت هذه البداية لانتشار ظاهرة النسر «العروبي» القومي. عام 1958 تطور التصميم إلى مرحلة جديدة بعد إعلان قيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسورية، وسط رفض بعض السوريين المحافظين الشعار المصري في بداية الأمر.

 بعد ذلك أصبح شعاراً لبعض الدول العربية الأخرى وذلك تبنيا لفكرة القومية العربية، وكلها دول تحولت من خلال الانقلابات من النظام الملكي إلى النظام {الجمهوري} مثل جمهورية العراق (لأول مرة عام 1963). جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (1970). الجماهيرية العربية الليبية (1970).... دون أن ننسى فلسطين وغيرها من بلدان وتنظيمات القومية والناصرية.

يقال إن الطائر المستخدم في الشعار هو طائر العقاب الذهبي، وثمة خلط بين النسر والعقاب، شعار سورية الرسمي. وجاء الخلط على أثر الوحدة بين مصر وسورية، فقد كانت الأولى تتخذ النسر خاتماً رسمياً لها منذ 1953 وأصبح شعار الجمهورية العربية المتحدة بعد الوحدة، وبعد الانفصال عادت سورية إلى شعارها الرسمي {العقاب}. تفيد معلومات بأن الأخير أصبح شعاراً لسورية منذ الاستقلال الأول في عام 1920، وأطلق اسم العقاب على العلم الذي حمله الجيش السوري في موقعة ميسلون بقيادة يوسف العظمة، ولكن من دون وضع صورة الطائر.‏

 

صقر قريش

تذكر بعض المصادر أن شعار {صقر قريش الذهبي} يعود إلى الصحابي خالد بن الوليد، فقد كان رمزاً لقواته حين دخوله دمشق عام 635 م. وعندما احتلت فرنسا سورية لم يول الشعار الاهتمام الذي يليق به، وبعد الاعتراف باستقلال سورية، أعيد الاهتمام إلى الشعار، وعاد استخدام العقاب شعاراً لسورية في عام 1945.‏‏

واستبدل شعار العقاب بشعار النسر في عام 1958، عام الوحدة مع مصر، وقد صدر تحديد شكل النسر بالقانون رقم 190 لعام 1958، ونشر في الجريدة الرسمية في العدد 35 بتاريخ 6 نوفمبر سنة 1958 وجاء في النص:‏‏ {يتمثل شعار الجمهورية في نسر زخرفي، مأخوذ عن نسر صلاح الدين الأيوبي، وقد وقف مرتكزاً على قاعدة كتب عليها بالخط الكوفي {الجمهورية العربية المتحدة} كما نُقش فوق صدره درع يمثل علم الجمهورية}.‏‏

وأعيد شعار العقاب بعد الانفصال في عام 1961، وتم استبدال النجوم الحمراء بثلاث نجوم خضراء، هي نجوم علم الاتحاد بين سورية ومصر والعراق الذي يعود إلى عام 1963.‏‏

وعندما قام اتحاد الجمهوريات العربية بين سورية ومصر وليبيا، أقر شعار العقاب للدولة الاتحادية في عام 1972 من دون نجوم في وسطه، وأطلق عليه رسمياً «صقر قريش الذهبي»، ووضع في وسط العلم الاتحادي، ولكنه كان الشعار السوري ذاته. وخاض الجيشان السوري والمصري حرب تشرين تحت راية هذا العلم.

في عام 1980 أعيد اعتماد شعار العقاب شعاراً لسورية، وتم تحديد أوصافه بالقانون رقم 37 الصادر في 21 يونيو عام 1980 وحدد القانون رقم 37 أوصاف الشعار الرسمي، وقد جاء فيه: {يتألف الشعار الرسمي للجمهورية العربية السورية من ترس عربي نُقش عليه العلم الوطني للجمهورية بألوانه، ويحتضن الترس عُقاباً يمسك بمخالبه شريطاً كتب عليه بالخط الكوفي {الجمهورية العربية السورية} وفي أسفل الترس سنبلتا قمح ويكون العُقاب والشريط وسنبلتا القمح باللون الذهبي، وتكون الكتابة وخطوط الأجنحة باللون البني الفاتح.‏‏

وعام 1984 عادت مصر إلى هذا الشعار مجدداً بعدما استخدمت شعار «صقر قريش» أثناء فترة اتحاد الجمهوريات العربية .

نص} القانون رقم 145 لسنة 1984 بشأن شعار جمهورية مصر العربية، وهو نسر صلاح الدين بكتفيه العريضتين الذي كان موجوداً عام 1954 ليحتل وسط العلم ويرفرف بجناحيه وينظر إلى جهة اليمين حتى اليوم.

ورغم ثبات الألوان الحمراء والبيضاء والسوداء لتشكل علم مصر فإن معناها قد تغير عن المراد عند اختيارها. فالأحمر رمز مصر الفنية الزاهية لأنه لون التوهج، والأبيض يعبر عن الفطرة وقيم شعبها النقية، وأخيراً فالأسود يرمز إلى كل عصور الظلم التي عاشها الشعب المصري منذ  الفراعنة!

والمعروف أن الشعارات جاءت إلى الأيوبيين أولاً من الخوارزميين، وقد وصل هؤلاء في الدولة الأيوبية إلى مناصب عليا، ما جعلهم يتخذون شعارات تميز وظائفهم، تماماً مثلما كانوا في البلاد التي هجروها أو نزحوا منها، ولذلك فالأيوبيون لم يبدأوا العمل بهذه الشعارات أيضاً بل سبقهم الأتابكة والسلاجقة والمغول، وإن كان الأيوبيون هم الأصل المباشر لشعارات المماليك، حيث وصلت إلى أقصى ازدهار لها. وهكذا يمكن ترتيب انتقال الشعارات من الخوارزميين إلى الأيوبيين فالمماليك.  

ورغم أن الشعارات الأيوبية قد اقتصرت على نوعين: الأول رنوك (شعارات) تمثل القوة الخاصة بالسلاطين مثل الأسد والنسر، والثاني شعارات تشير إلى وظائف الأمراء ودخلت كلمة النسر في الأناشيد العربية، ويقال إن الشاعر {القومي اللبناني} سعيد عقل، كان يزور مطعم {فيصل} قبالة الجامعة الأميركية في بيروت، حيث تعرف إليه شباب {العروة} وكان من بينهم قسطنطين زريق، وقيل إنهم طلبوا منه أن يكتب نشيداً لجمعيتهم، ففعل، وكتب النشيد التالي:

للنسور ولنا الملعب

والجناحان الخضيبان

بنور العلى والعرب

ولنا القول الأبي

والسماح العربي والسلاح

ولنا هزّ الرماح في الغضوب المشمس

ولنا زرع الدنى

قبباً زرق السنا

ولنا صهلة الخيل من الهند إلى الأندلس}.

أحدث النشيد ضجة كبرى في المنتديات الثقافية والسياسية العربية وكلف رئيس جمعية {العروة الوثقى} قسطنطين زريق الأخوين فليفل تلحينه.

نفذ سعيد عقل في نشيده إلى أعماق تاريخ العرب، لكنه سرعان ما ندم على كتابته، يقول الصحافي جهاد فاضل: {من الصعب، استناداً إلى ذلك، اعتبار أن الشاعر كان مجرد وصّاف من الخارج، أو بائع أناشيد. ففي الكلمات ما يشي بصدق القول وبالاقتناع الوجداني والحماسة المطلقة، وبما يفيد أن الشاعر يوم كتب النشيد، إن لم يكن قومياً عربياً مئة في المئة، فلا شك في أنه جاور القومية العربية وأُعجب بها وتطلع إليها بحبّ، قبل أن ينسحب من أوهامها في ما بعد باتجاه الفينيقية اللبنانية}.

بعد موجة الربيع العربي، جرى حديث عن تفكيك «الأساطير العربية»، كانت ثمة توصية بتغيير شعار النسر عن الليرة السورية لكن قرار التوصية لم ينفذ، وحاول تنظيم «الإخوان المسلمين» في نيويورك تشويه علم مصر من خلال وضع شعار «رابعة» بدلا من النسر. وفي مصر قام البعض بحملة شعبية إخوانية لوضع كلمة توحيد بدل النسر. في سياق مختلف ومعاكس قال المستشار عبد العزيز سلمان، الأمين العام للجنة العليا للانتخابات الرئاسية المصرية، إن اللجنة وافقت على إدراج رمز «النسر» ضمن قائمة الرموز الانتخابية بناء على طلب المرشح الرئاسي المحتمل حمدين صباحي. هذا في العالم العربي، وبالطبع البلدان الأوروبية وأميركا تستعمل شعار النسر في إطار آخر لنا عودة إليه.

back to top