ثيش نهات هانه: نُدرِك السعادة بالتأمل

نشر في 12-04-2014 | 00:01
آخر تحديث 12-04-2014 | 00:01
أهم معلّم بوذي يؤمن باستعمال الوعي للشفاء
كان نضاله السلمي ضد حرب فيتنام، بلده الأم، كفيلاً بجعله عدواً لدوداً بنظر القادة ومصدر إلهام بالنسبة إلى مارتن لوثر كينغ وغيره. بعد مرور أكثر من أربعين سنة، يبقى ثيش نهات هانه معلماً لا يُقارَن بغيره. آن لورغاناك من مجلة {بسيكولوجي} الفرنسية حاوره وهنا نص الحوار.

 يتبع ملايين البوذيين والعلمانيين تعاليمه عبر مطالعة كتبه ومؤتمراته أو التوجه إلى مكان عزلته في {قرية البرقوق} الفرنسية. أنشأ هذا المركز البوذي عام 1982، بعد 16 سنة على إقدام حكومة فيتنام على نفيه.

قابلناه في هذا المكان، في وقت مبكر من الصباح، داخل صالة كبيرة تعج برهبان وراهبات  بوذيين قادمين من أصقاع العالم لتمضية عزلة روحية لبضعة أيام أو أسابيع أو أشهر. وصل المعلّم بخطى بطيئة، وهو رجل قصير القامة عمره 87 سنة، لكنه يبدو في الستين، وكان في منتهى الهدوء.

قبل البدء بتوجيه التعليمات، دعا إلى لحظة تأمل من دون التفوه بكلمة، ثم قام بتمارين بدنية لكنه يوضح أنه لا يقوم بها {كي يحافظ على رشاقته} بل ليشعر بأنه حي. إنها مناسبة لاستعادة الوعي التام، وهو مبدأ محوري في البوذية.  حصلنا بعد ذلك على موعد لرؤيته في صومعته: كان يجلس وراء مكتب، تحت ضوء مائل إلى اللون الأحمر، مقابل غابة صنوبر. راح المعلم يخطط الرسومات. بدت الصورة مستوحاة من حكاية بوذية قديمة. دعتنا الأخت خونغ، رفيقة دربه القديمة التي شاركته في تأسيس {قرية البرقوق}، والأخت دينغ، يده اليمنى الأخرى، إلى الجلوس مقابل المعلم الذي انضم إلينا بصمت. نريد من هذا الرجل الذي نجا بأعجوبة من القنابل الفرنسية والأميركية ثم من الشيوعيين وألم المنفى، أن يحدثنا عن نفسه. أجاب بصوت ناعم وحازم: {أنا هو أنا، ما من ذات منفصلة عن كياننا}.

كتابك الجديد يتطرق إلى {الطفل الداخلي}، وهو مفهوم نفسي. كيف تُعرِّف هذا المفهوم باعتبارك رجلاً بوذياً؟

حين نزرع حبة ذرة في التربة، تنمو وتتحول إلى نبتة. لا نعود نرى الحبة لكنها لا تزال حية. وعندما ننظر إلى شخص راشد، يكون الطفل موجوداً فيه حتى لو لم نشاهده. غالباً ما يكون ذلك الطفل قد عاش المعاناة، وهي لا تتوقف مع التقدم في السن. لمداواته، يجب البدء برؤيته والاعتراف بحزنه ثم التحدث معه عبر إحاطته بحناننا ووعينا التام. هكذا ننجح في تهدئة مخاوفه.

هل تعتبر نفسك معالجاً نفسياً؟

في تقليدنا، نسمي بوذا {ملك المعالجين} لأن الدارما [أي التعاليم البوذية] تهدف إلى شفاء الناس: هم مصابون بأمراض الغضب أو اليأس أو الغيرة. تتبع البوذية في الأساس مقاربة نفسية. نحن نتكلم عن {وعي الأعماق} أو {اللاوعي}. هنا تكمن بذور تلك {الأمراض}، وهي لا تتحول إلى أمراض إلا إذا سمحنا لطاقتها  بإفساد حياتنا من دون استعمال الوعي التام الذي وحده يسمح بشفاء الذات وشفاء الآخرين.

أنت تعني أن الاعتناء بطفلنا الداخلي ليس إلا مقاربة فردية...

لا، لأن الطفل الداخلي هو طفل جماعي. يعكس استمرار الطفل الموجود داخل آبائنا وأمهاتنا وأسلافنا. إذا تمكنا من تهدئة طفلنا الداخلي، سنهدئ الطفل الكامن فيهم أيضاً. هكذا لا نمارس الطقوس من أجلنا فحسب بل من أجل أسلافنا أيضاً.

خلال حصتك هذا الصباح قلت: {إذا لم تكونوا سعداء، فأنتم السبب لأنكم لا تستعملون الوعي التام}. هل تظن فعلاً أن هذا الأمر كافٍ؟

مقاربة التأمل والتنفس الواعي تسمح لنا بأن نشعر بوجودنا. عندها، سندرك ظروف السعادة التي نملكها. هكذا تصبح الاستفادة منها ممكنة أخيراً. يحصل ذلك فوراً!

هل تستطيع أن تكلمنا عن طفولتك؟

[لحظة صمت طويلة] انظروا إلى تلك الصورة على الجدار [أشار برأسه إلى صورة له بالأبيض والأسود، وبدا طفلاً جدياً وهادئاً]. ذلك الطفل كان له أبوان محبّان وقد أصبح متنسّكاً في عمر السادسة عشرة فقط!

هل تعني أن الطفل في داخلك لم يتضرر يوماً؟ لكنك مررت بحروب...

كانت حروباً مريعة... هذه الأحداث تجعلنا نعاني لكنها تساعدنا أيضاً. في المدرسة، قُتل أصدقاء لي على يد جنود، فاتضح لنا أننا لا نستطيع الاكتفاء بترداد التعاليم البوذية. كان يجب أن نتحرك. فخطرت ببالنا فكرة إنشاء {البوذية الملتزمة}: نظمنا جماعات من الرهبان والعلمانيين الشباب لتأسيس مستشفيات ومدارس... هذه الأمور تساهم في مداواة الجروح الجسدية والنفسية: جروح الآخرين وجروحنا الخاصة. يجب أن نتعلم عيش المعاناة لنتمكن من تقليص حجمها.

ما معنى {تعلم المعاناة}؟

لا يعني ذلك السعي إلى الهرب من المعاناة، بل تقبّلها والنظر إليها بوعي تام، ثم استعمالها لاستخلاص طاقة إيجابية، أي تحويلها، وبالتالي تحويل الذات.

تتضح فائدة {العمل الجماعي} في ظروف الحرب، لكن ما نفعه اليوم؟

ننظم في القرية فرصة الانعزال لآلاف الأشخاص: لمساعدة تلك الجماعة على التحول، لا يكون المعلم وحده كافياً، حتى لو كان الأبرع على الإطلاق. يحتاج إلى جماعة تبث طاقة جماعية من التعاطف والوعي التام. أظن أن الأمر نفسه ينطبق على المعالجين النفسيين: لو كانوا ينظمون عملهم بشكل جماعي، كانوا ليساعدوا الناس بشكل أفضل.

هل الجماعة هي التي ساعدتك على تحمّل المعاناة في المنفى منذ عام 1966؟

على مر مسيرتنا، أدركنا أن بلدنا مجرد جزء من الكوكب، وإخوتنا في الوطن ليسوا الفيتناميين فحسب بل الفرنسيين والإنكليز والأميركيين... لم يعد ثمة تمييز.

هل تستحضر {ذاتك الداخلية} فتقول إننا غير موجودين وحدنا بل جماعياً؟

الذات الداخلية ليست فلسفة بل رؤية عميقة، ولا يمكن أن نكتسبها إلا إذا حوّلنا أنظارنا نحو الطبيعة. اكتشف العلم مثلاً أن المادة والطاقة {متداخلتان}: الواحدة قد تصبح الأخرى. لو نظر المسيحيون والمسلمون إلى أعماقهم، لاكتشفوا طبيعة ذلك الكيان الداخلي ولكانت الحروب توقفت.

أنت تنشر رسالة السلام هذه منذ نصف قرن، حتى بين الأكثر نفوذاً، لكننا بعيدون جداً عن عالم يخلو من الحرب!

يسهل أن نتحدث عن السلام مع الأكثر نفوذاً، لكنه ليس أمراً كافياً. يجب أن يطبق كل فرد هذا القانون في حياته اليومية. لتحقيق ذلك، لا بد من تنظيم الجماعات وممارسة الوعي التام بشكل مشترك: وسط العائلة وفي المدرسة والمؤسسات ومجلس البلدية وكل مكان...

خلال جلساتك، شرحتَ ضرورة التخلي عن الأمور أو الأشخاص لتقليص حجم المعاناة. في سياق الأزمات الراهنة، هل تتعلق معاناة الناس بسعيهم إلى {امتلاك المزيد} أم قلة فرص العمل والموارد؟

نظن، عموماً، أننا لا نستطيع التخلي عن شخص أو ملكية لأننا لن نتمكن من العيش من دونهما. لكن ربما تتراجع المعاناة عبر الانفصال عن تلك الأمور. بالتالي، يجب أن نتحلى بالشجاعة للتخلي عما نريده عند اللزوم. لكن لا تشكل الممتلكات عوائق في وجه السعادة! بل إن أمور الحياة هي التي تستعبدنا.

ما نصيحتك إذاً كي نتخلى عمّا يعيقنا؟

يمكن تحضير لائحة خطية بالعوائق والمعارف التي نعتبرها بالغة الأهمية، لأننا، إذا عجزنا عن التخلي عن معرفة معينة، فلن نتوصل إلى التخلي عن الأمور الأكثر أهمية. ثم يجب أن ننظر إلى تلك الأمور بإدراك تام ونتدرب على الابتعاد عنها. ينطبق الأمر نفسه على المسائل التي نتعلق بها. في العلاقة الزوجية أو علاقة الأهل بالأولاد، يقضي الحب الحقيقي بتعزيز حرية بعضنا البعض.

يعتبرك البعض {مستنيراً}

أو {بوذا} نفسه. هل هذا صحيح؟

الجميع كذلك. لأن الجميع لديهم وعي. حين تسيرون، تدركون الخطى التي تخطونها، ما يعني أنكم يقظون! لكن بحسب ممارساتكم، يمكن أن تكونوا يقظين بنسبة 10% أو 20% أو 40%. وتُعتبر نسبة 40% أو 50% كبيرة أصلاً! يجب الاحتفاظ ببعض الأوحال كي تنمو الزهرة كما يجب! المعاناة ستبقى موجودة لأنها رفيقة الحياة. لكنّ من يطبق التعاليم الفاعلة يتعلم طريقة تحويلها بفرح وسلام.

كيف تحضّر {المعلم المقبل} في {قرية البرقوق}؟

أنا لن أموت [ينفجر بالضحك]. إذا نظرتم من حولكم، يمكن أن تشاهدوني بين الرهبان والراهبات البوذيين. هؤلاء سيمارسون، أيضاً، تمارين الاسترخاء والتخلي: تعمل الجماعات كلها وحدها، من الولايات المتحدة إلى هونغ كونغ. ويجب أن يستمر تقليدنا عبر الاستفادة من العلوم وعلم النفس.

ألم تحدد وريثاً مباشراً؟

الجميع ورثة لي. نحن ننساب مثل النهر لا قطرات الماء. كما قلنا أمام جماعتنا عند عودتنا إلى فيتنام: {نحن الشيوعيون الحقيقيون!} [يضحك].

back to top