هل دور الأب مهم؟
لطالما اعتُبر الأب الجهة الأقل أهمية بين الأبوين. هل دور الأب مهم فعلاً؟ يقدم بول رايبورن مجموعة من الأدلة التي تنفي هذا المفهوم المغلوط، فيثبت أن دور الآباء مهم أكثر مما يتصور الكثيرون.
خلال السبعينيات، حصل علماء النفس وخبراء التربية على جواب واضح حول حجم مساهمة الأب في نمو الطفل: مساهمته محدودة!كتب الصحافي العلمي بول رايبورن في كتابه الجديد {ما أهمية الآباء؟}
(?Do Fathers Matter) أن الباحثين في تلك الفترة كانوا يملكون بيانات قليلة لإثبات قيمة الآباء (لكن حصل ذلك لأن عدداً قليلاً منهم خصصوا الوقت الكافي للبحث عن هذا الموضوع). أوضح كايل بروت، طبيب نفسي في جامعة يال وباحث رائد في موضوع الأبوة: {حين نأخذ عناء البحث عن دور الأب، سنجده حتماً}. يقول بروت إن تجاهل دور الأب أنتج مجال أبحاث تشوبه {ثغرات صادمة}.لكننا نعرف معلومات إضافية اليوم. تُعتبر مجموعة الأبحاث التي بدأها علماء النفس والبيولوجيا والاجتماع والأعصاب عن دور الأب {من أهم التطورات في مجال دراسة الأولاد والعائلات} بحسب رأي رايبورن، مع أن بعض النتائج لم تلقَ اهتماماً واسعاً بعد.كتب رايبورن عن تجربته الخاصة مع عائلته كونه أب لخمسة أولاد: {أنا مسرور لأن مشاركتي كانت إيجابية. لكني لا أمضي الوقت مع أولادي لهذا السبب، بل لأني أحب القيام بذلك}.في ما يلي سبعة اكتشافات عن تأثير الأب الذي يتحدث عنه رايبورن في كتابه، وهي تغطي مراحل الحياة بدءاً من الحمل وصولاً إلى سن الرشد.بداية الحمل: معركة في الرحماكتشف عالم الأحياء ديفيد هايغ من جامعة هارفارد أن بعض الجينات {المطبوعة} (أي تلك التي تنبثق من الأب والأم) تتنافس على حصد الموارد داخل الرحم. يدفع بعض جينات الأب الجنين كي يستخلص أكبر كمية ممكنة من الغذاء والطاقة من الأم، حتى ولو على حساب صحتها، بينما يسعى بعض جينات الأم إلى منح الجنين الكمية التي يحتاج إليها فقط. يفسر هايغ ما يحصل معتبراً أن {جينات الأم تهتم كثيراً براحة الأم والحفاظ على حياتها}، بينما {تفضل جينات الأب تخصيص جزء أكبر من وقت الأم وجهدها لطفلهما}.مسار الحمل: قوة الحضورخلال فترة الحمل، لا يستطيع الأب فعل الكثير للتأثير على الطفل. لكن تشير دراسة حديثة أجرتها جامعة جنوب فلوريدا إلى أن الوضع ليس كذلك. تبين أن الطفل الذي يغيب والده خلال فترة الحمل يصبح أكثر ميلاً إلى الولادة في مرحلة مبكرة أو يكون وزنه أقل من العادة عند الولادة. كذلك، يكون ذلك الطفل أكثر ميلاً إلى الوفاة بأربعة أضعاف خلال السنة الأولى. حتى بالنسبة إلى الأم، تبين أن مضاعفات الحمل التي تبدو غير مرتبطة بدور الرجل، بما في ذلك فقر الدم وارتفاع ضغط الدم، تكون أكثر شيوعاً عند غياب الأب.عند الولادة: الرجل يوفر الراحة لا وجود لأي مبالغة في المشاهد التي كنا نراها في البرامج الكوميدية القديمة التي تُظهِر الأب وهو يمشي بسرعة في غرفة الانتظار بينما تلد زوجته طفلهما: بدءاً من الثلاثينيات، حين انتقل معظم الولادات من المنازل إلى المستشفيات، وصولاً إلى أواخر الستينيات، حين قرر عدد إضافي من الرجال الوقوف إلى جانب زوجاتهم في المستشفى، كانت الولادة تنحصر بين المرأة والطبيب، وقد حصل ذلك على حساب جميع الأطراف المعنية بهذا الحدث. حين زاد عدد الرجال المتواجدين في جناح الولادة، تراجع مستوى الألم الذي تشعر به النساء كما انخفض الطلب على مسكنات الألم. حتى إن الأم أصبحت أقل ميلاً إلى البكاء. على صعيد آخر، تبين أن حضور الرجل خلال ولادة ابنه يجعله أكثر ارتباطاً بالطفل وأكثر اهتماماً برعايته. كتب رايبورن أن السماح بدخول الأب إلى غرفة الولادة {يعطي منافع لا يتوقعها أحد}.بعد الولادة: خطر يتم تجاهلهكيف يمكن تقييم أهمية حضور الأب خلال الأشهر الأولى بعد ولادة الطفل؟ يمكن فعل ذلك جزئياً من خلال مراقبة ما يحدث حين يُحرَم الأطفال الرضع من حضور آبائهم. يختبر رجل من أصل عشرة شكلاً معيناً من اكتئاب ما بعد الولادة بحسب قول رايبورن، ما يعني الحد من قدرته على التواصل عاطفياً مع طفله. يبدو أن أولاد الآباء الذين يختبرون نوبات كبرى من اكتئاب ما بعد الولادة يكونون أكثر ميلاً بثمانية أضعاف لمواجهة مشاكل سلوكية في طور نموهم وأكثر عرضة بـ36 مرة لعدم التوافق مع زملائهم. في عمر السنة: الأب في دور الحاميقام باحثون من جامعة أكسفورد بزيارة عائلات لديها أطفال في عمر السنة، فلاحظوا ارتفاع معدلات السلوك العدائي عند هؤلاء الأولاد إذا كانت علاقتهم مع آبائهم سطحية، وذلك بغض النظر عن تفاعل الأمهات معهم. وفي تحليل شمل 24 دراسة عن تأثير الأب، اكتشف باحثون سويديون أن الأولاد الذين شعروا برعاية آبائهم لهم ولعبوا وتنزهوا معهم يواجهون مشاكل سلوكية أقل في بداية الطفولة، كذلك يتراجع احتمال انحرافهم في مرحلة المراهقة.بداية الطفولة: اكتساب اللغةفي جانب واحد من الطفولة على الأقل (اكتساب اللغة)، يكون دور الأب أهم من الأم. على سبيل المثال، لاحظ الباحثون الذين درسوا أدوار الأهل في تعليم اللغة للأولاد الريفيين والفقراء أن الأب يستعمل مفردات معينة عند قراءة القصص للأولاد في الشهر السادس من عمرهم، ما ينعكس على طريقة تعبيرهم في الشهر الخامس عشر وكيفية استعمال اللغة المتقدمة في عمر الثالثة (بغض النظر عن مستوى تعليم الأم أو طريقة كلامها مع الأولاد). لذا برزت هذه الفرضية: بما أن الأم تمضي وقتاً أطول مع الأولاد، فهي تميل إلى استعمال كلمات مألوفة معهم، بينما يوفر الأب مصطلحات أوسع كونه يكون أقل اطلاعاً على معارف الطفل اللغوية.في عمر العاشرة: رائحة الأبطوال سنوات، تساءل علماء الأحياء التطوريون عما يجعل الفتاة، في ظل غياب أو رحيل والدها، تبلغ النضج الجنسي في مرحلة مبكرة. درس بروس إيليس من جامعة أريزونا عائلات اختبرت الطلاق وتشمل فتيات تفصل بينهن خمس سنوات على الأقل، علماً أن الشقيقة الكبرى كانت قد أمضت سنوات إضافية بحضور والدها. تبين أن الدورة الشهرية للشقيقات الأصغر سناً بدأت قبل 11 شهراً من دورة الشقيقة الكبرى. تظن عالمة النفس سارة هيل من جامعة تكساس المسيحية أن غياب الأب يعطي الفتيات مؤشراً لاواعياً عن {نظام التزاوج السائد في محيطهن}: {الرجال لن يبقوا طويلاً لذا لا بد من إيجاد الشركاء سريعاً}. ثم تبلغ الفتيات سن البلوغ في مرحلة مبكرة بتأثير من الجينات. (هذا الأثر هو أكثر وضوحاً في العائلات التي لم يكن فيها حضور الأب إيجابياً أثناء وجوده في المنزل). ما هو سبب هذه الظاهرة؟ يظن إيليس أن الأمر يتعلق برائحة الأب. في التجارب التي جرت على الحيوانات، تبرز أدلة على أن التعرض المتواصل لفيرومونات الأب قد يبطئ سن البلوغ، مع أن هذه الفرضية لم تخضع لاختبارات واسعة على البشر بعد.