افتتاحية: لا تعبثوا بالنظام المالي
مشروع القانون بشأن حظر ما سمي بالفوائد الربوية الذي وافقت عليه لجنة الشؤون التشريعية والقانونية البرلمانية في اجتماعها أمس الأول هو عبث بالنظام المالي يثير من الإشفاق على من يقف وراءه أكثر مما يثير من الاستهجان. المشروع المذكور يحظر على مؤسسات القطاع المصرفي والمالي، أي البنوك المحلية والأجنبية العاملة في السوق المحلي وشركات التمويل والاستثمار، مزاولة أي عمل مالي يقوم على "الفوائد الربوية"، بحجة تحويل النظام المالي للبلاد من نظام قائم على الربا (على حد زعم مروجي المقترح) إلى نظام إسلامي.وإن دل هذا المقترح على شيء فإنما يدل على عقل منغلق وفهم ساذج وإدراك قاصر لطبيعة العمل المالي والمصرفي المعاصر، كما يدل على عدم الوعي بالتباين الكبير والواضح بين مفهوم الربا الذي حرمه الدين الإسلامي، وبين الفائدة التي تتعامل بها المؤسسات المصرفية في وقتنا الحاضر، ويدل أيضاً على جهل بحقيقة أن البنوك الإسلامية تتعامل بالفوائد ذاتها التي تتعامل بها البنوك التقليدية ولكن تحت أسماء وذرائع أخرى.
وعلى الرغم من أن المرجعية في الاقتصاد وعالم المال يجب أن تبقى مرجعية مدنية تلتزم موجبات الدولة المدنية وتواكب الاقتصاد العالمي الحديث بعيداً عن الإسقاطات الدينية المفتعلة، فإن فشل المشروع وتهافته واضحان في قصور من قدم المقترح حتى في الإحاطة بالاجتهادات الدينية المتنوعة التي نظّرت لما سمي "الاقتصاد الإسلامي". فمن فكر بهذا المقترح غير مدرك أو لم تصل إلى مسامعه فتوى علماء المسلمين في مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف التي أجازت التعامل بالفوائد المصرفية، ورسمت خطاً فاصلاً بين مفهومها ومفهوم الربا.وإذا كان من صاغ مشروع القانون هذا لا يعلم، فليعلم أن الفرق بين الفائدة المصرفية المعاصرة والربا الذي يشكل استغلالاً لحاجة المحتاجين والمعوزين، يكمن في آلية عمل البنوك المعاصرة، فهي تلعب دور الوسيط بين وحدات الفائض في المجتمع من شركات ومؤسسات وأصحاب دخل وثروات، أي الوحدات التي تدخر فوائض أموالها في هذه البنوك، وبين المقترضين من شركات ومؤسسات وأفراد يرغبون في الحصول على الأموال المقترضة من البنوك بهدف استثمارها في مشروعات أو منافع أو شراء أصول مالية وعقارية تدر عليهم عوائد وإيرادات وأرباحاً مجزية يدفعون منها نسبة متفقاً عليها سلفاً للبنوك، وتدفع البنوك من هذه النسبة جزءاً معلوماً أيضاً للمدخرين. ومفهوم الفائدة المصرفية وفق هذه الآلية يبعد بعد الأرض عن السماء عن مفهوم الربا الذي يمثل استغلالاً لحاجة المحتاجين من الفقراء والمعوزين إلى الطعام والكساء. وللعلم فإن ودائع البنوك نوعان، حسابات جارية وحسابات استثمار، والفرق بين هذين الحسابين هو أن الحسابات الجارية لا تدفع فائدة لصاحبها رغم ما تجنيه البنوك (تقليدية وإسلامية) من أرباح طائلة من وراء توظيف الأموال المودعة في هذه الحسابات، أما النوع الثاني أي حسابات الاستثمار فيدرك أصحابها أن البنك سيستثمرها نيابة عنهم، ولذلك يستحقون منها عائداً مشروعاً يحصلون عليه تحت اسم الفائدة. فأين هو الربا المحرم في كل ذلك؟وإذا كان من بين أعضاء لجنة الشؤون التشريعية والقانونية من لا يدرك أن الربا شيء والفائدة المصرفية شيء آخر "فتلك مصيبة"، أما إن كانوا لا يدركون أن جوهر آلية عمل البنوك الإسلامية لا يختلف في شيء عن آلية عمل البنوك التقليدية إلا في التسميات "فالمصيبة أعظم".سؤال أخير يا عقلاء لجنة الشؤون التشريعية والقانونية، هل فيكم من يعتقد حقاً أن البنوك الإسلامية توزع أموالها منحاً وهبات مجانية وقروضاً حسنة دون مقابل؟ ولو كان الحال كذلك فلماذا لا تهرع الأمة كلها يا نواب الأمة إلى البنوك الاسلامية وتنصرف كلياً عن التعامل مع البنوك التقليدية؟ ولماذا لا تهرعون أنتم معها وتكفون، يرحمكم الله، عن استنزاف أموال الأجيال المقبلة؟يستحق الكويتيون مقترحات تنقل أنظمتهم المالية نحو مزيد من التحديث، فكفانا قفزات إلى الوراء.