«الروبوت كاسبر» مصدر فرح وتأمل يجذب إليه الأولاد المصابين بالتوحد

نشر في 03-08-2014 | 00:02
آخر تحديث 03-08-2014 | 00:02
قابلتُ عدداً كبيراً من الروبوتات في الأشهر الأخيرة. هي تختلف كثيراً من حيث الشكل، منها الأفعى الميكانيكية التي تسللت على ساقي في أحد أقبية بيتسبرغ أو الروبوت الياباني البشري الشكل الذي رسم مختلف تعابير الوجه (الوجه الغاضب معبّر جداً، والوجه السعيد هو أكثر إرباكاً). لكنّ الروبوت الذي أثر بي أكثر من غيره كان {كاسبر}.
{كاسبر} ليس رجلاً آلياً معقداً: هو لن يكون رائجاً جداً عند طرحه في الأسواق، فهو لا ينظف الأرض أو يساعد الجنود على التحقق من القنابل كما تفعل بعض الروبوتات الأخرى. هو مجرد دمية كبيرة تحرك رأسها وذراعيها رداً على أنظمة التحكم الموجودة في لوحة مفاتيح مجاورة. يمكن أن يقوم جسمه بمجموعة من الحركات النمطية. يبقى وجهه جامداً، باستثناء بعض الحركات الصغيرة في الفم والعينين. إذا كنت تشعر بالذعر من الدمى المتكلّمة من البطن، فقد تعتبر {كاسبر} مريباً. لكن بالنسبة إلى بعض الأولاد المصابين بالتوحد أو اضطرابات مشابهة أخرى، شكّل هذا الروبوت مصدر فرح وتأمّل.

يجد الأولاد المصابون بالتوحد صعوبة في فهم ما يفكر به الناس الآخرون فيعتبرون أنهم يتصرفون بطرق معقدة على نحو مخيف ومزعج. من الأسهل عليهم أن يفهموا الروبوتات، ولهذا السبب على الأرجح ينجذب إليها بعض الأولاد المصابين بهذا النوع من الاضطرابات.

كاسبر

يستعمل بن روبنز خبرته في مجال علم الحاسوب والمعالجة بالحركة للتعامل مع الروبوت {كاسبر}، وقد أثبت هذه العلاقة المقربة بين الطرفين منذ بضع سنوات. قام أحد مقدمي العروض في الشوارع بسلسلة من الحركات النمطية أمام المصابين بمستوى معين من التوحد، وكان يرتدي ملابس عادية حيناً أو بدا أشبه بتمثال بشري في بذلة معدنية جامدة مع طلاء على الوجه أحياناً. تجاهله الأولاد أو انزعجوا منه في أول مجموعة من الظروف لكنهم بدوا أكثر اهتماماً في الظروف الثانية. ثم أخذ روبنز الروبوت الجميل الذي يشبه الدمية والذي كان يستعمله للعمل مع هذا النوع من الأولاد، فخفف مظاهره اللافتة وألبسه ثياباً بسيطة. مجدداً، كان تجاوب الأولاد أفضل. تبين أن بعض الأولاد المصابين بالتوحد يفضلون النماذج الآلية غير التقليدية ويرحبون بالأشكال المبسّطة.

يظن روبنز أن بعض الأولاد المصابين بالتوحد يفهمون ما {يشعر} به {كاسبر} بسهولة أكبر لأنه يتواصل معهم دوماً بالطريقة نفسها: فتح الذراعين حين يكون سعيداً، وإحناء الرأس وشبك الذراعين حين يكون حزيناً. ثمة مفارقة كبرى في الفكرة القائلة إن الأشخاص الذين يجدون صعوبة في التواصل مع الآخرين بسبب إعاقتهم يستطيعون التواصل بشكل أسهل مع الروبوتات.

حكايات مؤثّرة

لا تزال التجارب  جارية لقياس الأثر الدائم للتفاعل مع {كاسبر}، بحسب برنامج الأساتذة أو المسؤولين عن تقديم العروض. لكن يجيد روبنز سرد حكايات مؤثرة. قام صبي كان يبقى معزولاً في أغلب الأحيان بنسخ لغة الجسم التي يستعملها {كاسبر} للتعبير عن مشاعر السعادة والحزن. بعد أسابيع، نظر إلى والدته في المنزل وقال لها: {أمي، أنا سعيد}. هذه الملاحظة (الدقيقة وغير المسبوقة وغير المبررة) جعلت والدته أكثر سعادة. على مستوى معين، يبدو أنه تعلم تلك المشاعر من الروبوت.

لكنه لم يتعلمها من الروبوت فقط، بل إن مهارة روبنز في التعليم أفادته أيضاً. حين يكتشف الأولاد الذين يعمل معهم أنه يسيطر على {كاسبر}، غالباً ما يزيد اهتمامهم بما يشاهدونه بدل أن يشعروا بالإحباط بعد اكتشاف الخدعة الوهمية. هذا الأمر يدهشني لسببين: أولاً، يقوم الروبوت بتسهيل التفاعل الاجتماعي بين البشر مع أنه أمر صعب عليهم في العادة. التجربة التي يقدمها {كاسبر} وبن ضرورية للدخول إلى عالم الأولاد.

السبب الثاني هو أن هؤلاء الأولاد يستمتعون بحقيقة قد تفسد متعة الآخرين. إذا واجه أشخاص من خارج مجال الروبوتات أي نظام أندرويد، هم يميلون إلى الاستمتاع بالرد عليه كجسم بحد ذاته. لكنهم يستخفون بالجهود الشاقة لتصميم الآلة وبرمجتها وتشغيلها، وهي خطوات ضرورية كي يقوم الروبوت بأبسط المهام. لكنّ تلك الخبرة هي التي تجعل الروبوتات مدهشة.

حيلة سحرية

لفهم هذا الواقع، يمكن تشبيه الروبوت بالحيلة السحرية (البراعة وراء الابتكار تكون غير مرئية ومصمَّمة لخداع المشاهد). لكن ثمة معنى أعمق: المشهد النهائي هو نتاج عمل فردي.

أحياناً يتطلب العيش كشخص فردي بذل بعض الجهود. وحين يكون الوضع كذلك، تبدو تلك الجهود خاصة ومنبثقة من الداخل. لكنّ هذه الصورة تتجاهل العمل المتواصل الذي يقوم به الآخرون من أجلنا. نحن بشر لأن الآخرين يعاملوننا كبشر. هكذا هو الوضع في مختلف مراحل حياتنا. نحن نصبح بشراً بفضل الردود التي يبديها أقرب الأشخاص إلينا، والأفراد الذين يفتحون الطريق لنا في الشارع بكل بساطة، والأشخاص الغرباء (من أحياء وأموات) الذين ساهموا في إنشاء المؤسسات والآليات التي تغذينا وتأوينا وتوظفنا وتغضبنا وترضينا.

إنسانيتنا هي نتاج عمل الآخرين. حين يشاهد طفل مصاب بالتوحد أن طريقة تجاوب {كاسبر} هي نتيجة ما فعله بن والطفل معاً، ربما يدرك جزءاً من تلك الحقيقة: قد يصعب عليه استيعاب هذه الفكرة في الحياة اليومية وقد يسهل على الآخرين تجاهلها. حين تُكشَف الحقيقة من خلال رجل آلي، من الرائع أن تتمثل ردة الفعل بمشاعر البهجة والفرح.

back to top